عندما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النصر في 16 نيسان/أبريل، إبان فوز عسير لحملة الـ"نعم" في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، شكّل ذلك بداية تحوّل في تاريخ البلاد. فقد هيّأ الاستفتاء الساحة أمام إعادة هيكلة الديمقراطية البرلمانية في تركيا لتحويلها إلى جمهورية رئاسية، وهو تغيير عميق لم تسعَ إليه قط أيٌّ من الاستفتاءات الدستورية الستة السابقة منذ تأسيس الجمهورية التركية. عبر تركيز صنع القرارات في أيدي الرئاسة، غالب الظن أن التغييرات سوف تتسبّب بتقويض فصل السلطات ومأسسة نظام رئاسي تنفيذي، مع نذر يسير من الضوابط والتوازنات المؤسسية. على الرغم من أنه كان نصراً صعباً وخلافياً في ظروف غير متكافئة، بدأت تركيا أردوغان تشبه كثيراً رئاسة أخرى ذات صلاحيات مطلقة، والمقصود بها الرئاسة المصرية.

حتى الآونة الأخيرة، غالباً ما بدا هذان البلدان بمثابة صورتَين معاكستَين: في تركيا، فقدَ الجيش قبضته على أنقرة بعد العام 2002، مع انطلاق البلاد على طريق التحرّر، فيما استمرّت الهيكليات الزبائنية والنخب السلطوية في "جمهورية الضباط" إبان تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية بعد العام 2011. يؤثّر هذان المساران العكسيان في النظرة الحالية إلى البلدَين، والتي ترى في تركيا "ديمقراطية متعثّرة"، في حين ترى في مصر حالة من حالات "عودة السلطوية". اللافت أن السياسات السلطوية في تركيا تتعرض لانتقادات أقوى على الساحة الدولية بالمقارنة مع مصر في ظل عبد الفتاح السيسي. فقد بدا أن صنّاع السياسات الغربيين تقبّلوا بسهولة طرد مرسي لصالح تطبيع العلاقات الثنائية. أما في ما يتعلق بتركيا، فيبدون أشد قلقاً لرؤية النظام الديمقراطي الذي اعتقدوا أنه مستقر، آيلاً إلى التداعي.

لكن يبدو أن المسمّيات التاريخية لم تعد مناسبة. فهي تحجب واقع أن الخطوط الفاصلة بين الديمقراطية والسلطوية في المنطقة هي في طور التلاشي. تتحوّل الأنظمة الشرق أوسطية الآن إلى أشكال هجينة للحكم يطبعها تركّز السلطة في صيغة ديمقراطية شكلياً. تقدّم مصر السيسي وتركيا أردوغان مثالَين بارزين عن نزعة "تلاقي الحكم". فقد أدّت الاضطرابات السياسية إلى تلاقي البلدَين عند نقطةٍ حيث المؤسسات الديمقراطية قائمة إنما معطّلة؛ وحيث الحقوق المدنية موجودة إنما مقيّدة؛ وحيث القرارات تصنعها قيادة منتخَبة إنما غير خاضعة للمساءلة. تقلّصت الفوارق السابقة في الحكم بين البلدَين لتقتصر على الاختلاف في درجات الحرية المدنية.

حتى في هذا المجال، يتقلّص الفارق أيضاً: ففي العديد من المؤشرات العالمية لقياس الحريات المدنية، شهدت مرتبة كل من مصر وتركيا تراجعاً كبيراً في التصنيفات خلال الأعوام القليلة الماضية. بحسب لجنة حماية الصحافيين، تركيا هي البلد الذي يضم العدد الأكبر من الصحافيين خلف القضبان – 81 صحافياً في كانون الأول/ديسمبر 2016 – وتتبعها مصر بوجود 25 صحافياً على الأقل في السجون. وتصنّف منظمة مراسلون بلا حدود قادة البلدَين على قائمة "مفترسي حرية الصحافة". اللافت أن الانقلابات العسكرية كانت العامل الذي أطلق هذا التلاقي. يميل المحللون عادةً إلى الإشارة إلى هذه الانقلابات بأنها من عوامل التمييز بين الحالتَين – نجح الانقلاب في إطاحة الحكم في مصر، في حين فشل الانقلاب في تحقيق ذلك في تركيا – إلا أن هذه النظرة تركّز حصراً على تبعات الانقلاب على منفّذيه. ففي مصر، نجح الجيش في توسيع أنشطته السياسية والاقتصادية المدنية على السواء منذ تولّي السيسي زمام قيادة الدولة، أما في تركيا فجرى تهميش الجيش سياسياً منذ المحاولة الانقلابية. لكن إذا تعاطينا مع الانقلابات العسكرية من منظار أنها عبارة عن تدخّلات من جانب القوات المسلحة تتسبّب بخلل واضطرابات، فالانقلاب في كل من مصر وتركيا أعاد رسم المشهد في ما يتعلق بآلية صنع القرارات السياسية. تُحكَم مصر وتركيا اليوم بموجب قانون الطوارئ على أيدي رجلَين قويين وشعبويين، وكلاهما منتخَبان رسمياً إنما يثيران استقطاباً شديداً. وفي تلاقٍ إضافي، فرضت مصر مؤخراً حال الطوارئ من جديد بعد تفجير كنيستَين قبطيتين في التاسع من نيسان/أبريل. وقد حذت تركيا حذوها عبر إقدامها، بعد يوم واحد من الاستفتاء، على تمديد حال الطوارئ الذي دخل حيّز التنفيذ في تموز/يوليو 2016، وكان من المقرر أن ينتهي في نيسان/أبريل 2017.

ربما شكّل أسلوب الحكم الإقصائي الذي اتّبعه الرئيس مرسي بداية تجدّد السياسات السلطوية في مصر، غير أن العودة إلى السلطوية اكتسبت زخماً منذ صيف 2013. فقد أفضت مجموعة واسعة من الأحكام القانونية إلى تقييد المساحة العامة؛ وتعمد المؤسسات الأمنية التابعة للدولة إلى استغلال صلاحياتها ضد ممثّلي المجتمع المدني؛ وقد تحوّل التعذيب والاعتقال التعسّفي والاختفاء القسري إلى ظواهر متكرّرة. في تركيا أيضاً، يمكن القول بأن العودة إلى السلطوية بدأت قبل المحاولة الانقلابية. فاحتجاجات حديقة غيزي تذكيرٌ واضح وجلي بأن الاعتداء على الحقوق المدنية مستمر منذ العام 2013. لكن مما لا شك فيه أنه بعد قصف مقر مجلس النواب ونشر جنود لمواجهة المدنيين في ليل 15 تموز/يوليو 2016، بلغت هذه النزعة السلطوية مستوى جديداً، في حدّتها وفي نطاق القمع على السواء. اليوم يتجلّى الرد السلطوي على المحاولة الانقلابية في تشويه سمعة المعارِضين السياسيين، واضطهاد الأعداء السياسيين، وفرض قيود واسعة على حرية المعلومات. لقد أدّى تطهير موظّفي القطاع العام الذين وُجِّهت إليهم تهمة تأييد الانقلاب، إلى اعتقال 47 ألف شخص وتعليق 120 ألف موظف في القطاع العام عن العمل. بدأت الأرقام تقترب من الإحصاءات في مصر، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 60 ألف شخص يقبعون في السجون لأسباب سياسية.

ثمة تشابهٌ أيضاً في تشريع السياسات السلطوية بين البلدَين. فالإدارتان تعتمدان خطاباً قائماً على المواعظ الأخلاقية والتديّن. وفي حين يحكم تركيا حزبٌ متجذّر في عقيدة إسلامية محافظة، تُظهر الحالة المصرية كيف أن تسييس الدين ليس حكراً على الحكم الإسلامي. فمن أجل تعزيز سمعة النظام الدينية، كثيراً ما تبرّر السلطات الانتهاكات التي تطال الحريات المدنية بالقول بأن الهدف هو حماية الأخلاق العامة، وقد دعا الرئيس السيسي إلى "ثورة دينية" في سياق خطاب محافظ امتزج مع اللغة القومية والوطنية.

لقد أثارت هذه السياسات والخطابات الشعبوية استقطاباً شديداً في المجتمعَين المصري والتركي. من أجل حشد الدعم، يلجأ حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان ونظام السيسي إلى تأطير الأعداء. فناخبوهم يُصوَّرون بأنهم الممثّلون الحقيقيون للأمة، في حين يُقدَّم الخصوم السياسيون في صورة أعداء الدولة. في مصر، أُسنِد هذا الدور إلى الإخوان المسلمين الذي يتعرّضون لحملة قمع شديدة الضراوة. وفي تركيا، طال "التطهير" الذي تمارسه الدولة أنصار حركة غولن في شكل أساسي، والتي تُحمَّل مسؤولية المحاولة الانقلابية في العام 2016. وقد أصبحت السرديات عن شنّ حرب على الإرهاب وسيلة أساسية في تشويه سمعة هاتَين المجموعتَين. في مصر، تبنّى دستور 2014 معركة الدولة ضد "الإرهاب بكافة صوره وأشكاله"، ومنح الأجهزة الأمنية تفويضاً واسعاً في هذا الإطار. ومنذ ذلك الوقت، عمد النظام تدريجاً إلى توسيع تعريفه للإرهاب ليشمل مختلف أنواع المعارِضين. وفي تركيا أيضاً، يُصنَّف الأشخاص الذين يُتَّهمون بالتعاطف مع غولن، في خانة الإرهابيين وتجري محاكمتهم على هذا الأساس، والاسم الوحيد الذي تعتمده الحكومة للإشارة إلى التنظيم في تصريحاتها وبياناتها العلنية هو تنظيم فتح الله الإرهابي. وقبيل الاستفتاء، جرى توسيع الإطار ليشمل جهات معارِضة أخرى، فقد أعلنت الحكومة أنها تضع الناخبين الذين سيقترعون بـ"كلا" في الاستفتاء، في الخانة نفسها مع التنظيمات الإرهابية.

النظر في نقاط التلاقي هذه هو أكثر من مجرد مقارنة بين البلدَين. بل إن الإدراك بأن أنماطاً متشابهة من الحكم غير الليبرالي تتجذّر في البلدَين على الرغم من المعطيات التاريخية المختلفة، يمكن أن يدفع بصنّاع السياسات إلى تكييف توقعاتهم وسياساتهم مع الوقائع المثبَتة بالتجربة. على سبيل المثال، ربما كانت تجربة ما بعد الانقلاب في مصر نذيراً عما يخبّئه المستقبل في تركيا. لقد تعهّد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في 16 نيسان/أبريل بأن التصويت فتحَ صفحة جديدة في تاريخ الديمقراطية في تركيا – لكن انطلاقاً من المشهد في مصر السيسي، غالب الظن أن ما سيحدث هو النقيض تماماً. لن تدخل مراجعة المواد الـ76 في الدستور التركي وإبطالها، حيز التنفيذ قبل الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في العام 2019، ما يُتيح بعض الوقت لممارسة ضغوط على الإدارة التركية من أجل الاعتدال في خطابها الاستقطابي، وتبنّي سياسات أكثر شمولاً، واحترام الحقوق المدنية الأساسية، خشية أن تسير البلاد على خطى النموذج المصري.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

يانيس غريم زميل دكتوراه في كلية برلين للدراسات العليا حول الثقافات والمجتمعات المسلمة (BGSMCS)، وباحث زائر في كلية Scuola Normale Superiore في فلورنسا، إيطاليا. لمتابعته عبر تويتر: jannisgrimm@