في التاسع من نيسان/أبريل قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي فرض حالة الطوارئ على كافة أرجاء البلاد لمدة ثلاثة أشهر. وذلك عقب تفجيرين إرهابيين كبيرين استهدفا كل من كنيسة مارجرجس في طنطا، والكنيسة المرقسية بمدينة الإسكندرية، وأوديا بحياة قرابة 45 مواطناً وإصابة ما يزيد عن 125 آخرين. وبذلك تعود البلاد مجدداً بشكل كامل إلى حالة الطوارئ التي ظلت مستمرة لعقود قبل اندلاع ثورة يناير 2011، فيما تبقى مآلات وجدوي هذه الحالة في مواجهة حقيقية لأخطار الإرهاب والعنف المسلح موضع شك.

ظلت مصر تحت حكم الطوارئ لما يزيد عن 53 عاماً منذ عام 1956 وحتى عام 2017، فيما تمتعت قليلاً بكسر هذه الحالة الاستثنائية التي تم تكريسها على أنها الوضع الطبيعي لفترات قليلة فقط ومتقطعة لم تتعد ثلاثة سنوات في عهد جمال عبد الناصر، وقرابة ثمانية عشر أشهراً في عهد أنور السادات، وكانت أطول فترة عاشتها مصر من دون طوارئ كاملة معلنة لقرابة حوالي خمس سنوات – عدا بضعة أشهر في 2013 - هي الفترة اللاحقة للثورة ولإلغاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة لها منذ كانون الثاني /يناير 2012 حتى إعادة السيسي لها بشكل شامل.

وطيلة كل تلك العقود، شهدت البلاد العديد من التوترات والاضطرابات والانتفاضات، إضافة إلى بعض الهجمات المسلحة والتفجيرات الإرهابية (مثل تفجيرات طابا ونويبع في العام 2004) والاغتيالات (مثل اغتيال الرئيس السادات في تشرين الأول /أكتوبر 1981). والتي كان النظام يصدّر خطابين متناقضين بعد كل هجوم، أوله أنها أحداث طبيعية تحدث في كل دول العالم ويحاول بذلك الإفلات من المحاسبة أو التحقيق الجدي في شبهات التقصير الأمني. والثاني نقيضه هو أنها أحداث استثنائية على البلاد المعروفة بالأمن والأمان، وبالتالي فإن مواجهتها تتطلب الاستمرار في أو تجديد حالة الطوارئ.

ولم تمنع حالة الطوارئ المفروضة بشكل شبه دائم اندلاع مزيد من الهجمات، لكونها لا تعالج أوجه القصور الممنهجة في أداء الأجهزة الأمنية، والتي يتم تداولها من شهادات مختلفة عقب الأحداث، ومنها على سبيل المثال ما تم تداوله من شهود عيان في تفجير كنيسة طنطا في نيسان /أبريل أن البوابة الأمنية للكشف على المعادن لم تكن تعمل.

وتنعكس عدم فاعلية حالة الطوارئ في المثال الواضح من تدهور الأوضاع في شمال سيناء، والتي استمر فرض الطوارئ وحظر التجول فيها منذ 2014. ووفقاً لتقارير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط فإنه قبل فرض الطوارئ شهدت شمال سيناء في العام 2013 عدد 261 هجمة إرهابية، وهو ما تضاعف بعد فرض الإجراءات الاستثنائية لتصل إلى 681 هجمة في العام 2016. إضافة إلى توسع الهجمات مؤخراً في وسط سيناء منذ 2016، ولتصل إلى جنوب سيناء مع إعلان تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية في 18 نيسان /أبريل استهدافه لنقطة أمنية قرب كاتدرائية سانت كاترين التاريخية في جنوب سيناء. وذلك بعد أقل من عشرة أيام منذ إعلان الطوارئ يوم تفجير الكنيستين. فالهجمات تتوسع ولا تنحسر، ولا تجيب الطوارئ عن التساؤل الرئيسي أو المسعى الأساسي الذي تم فرضها من أجله بالأساس. بل على العكس يتم استخدامها كغطاء لمزيد من القمع والانتهاكات.

وعليه يتم استغلال حالة الطوارئ لتثبيت دعائم النظام السلطوي وخنق والقضاء على الأصوات المعارضة أكثر مما يتم استخدامها بالفعل لمواجهة أخطار العنف المسلح والإرهاب. وقد تجاوزت البلاد بكثير مستوى القمع عن أي لحظة سابقة في تاريخ تطبيق الطوارئ. فحتى قبل إعمال الطوارئ مؤخراً، فقد حاول النظام بشكل مستمر اللجوء لتعظيم استخدام السياسات والإجراءات الاستثنائية منذ قدومه للسلطة في الثالث من تموز /يوليو عام 2013. فعلى سبيل المثال، وفقاً للقرار بقوة قانون رقم 136 لسنة 2014 والذي أصدره الرئيس السيسي في غيبة البرلمان آنذاك فقوات الجيش تشارك بالفعل قوات الشرطة في تأمين المنشآت العامة والحيوية في أرجاء البلاد. وبناءً على هذا القرار أيضاً فقد تم محاكمة الآلاف من المدنيين أمام محاكم عسكرية غير مختصة، وهو ما يناقض الاتجاه الدولي، وقد جرت العادة على أن ينال هؤلاء المدنيين أحكاماً قاسية من فترات سجن مشددة إلى أحكام بالإعدام.

الحجة التي كان نظام حسني مبارك يستخدمها في سنواته الأخيرة لتمديد حالة الطوارئ، هي أنها ضرورية لملء الفراغ الذي تسبّب به غياب قانون لمكافحة الإرهاب – مع العلم بأن اللجنة التشريعية التي أعدّت مشروع القانون لم ترسله قط إلى البرلمان للموافقة عليه. مع وصول نظام السيسي إلى السلطة، شرّع بالفعل قانوناً لمكافحة الإرهاب وذلك عقب اغتيال النائب العام هشام بركات في العام 2015. وجاء القانون الحالي بصيغة مثيرة للجدل، وأسوأ بكثير من المسودات التي طُرِحت من قبل نظام مبارك سابقاً، وذلك بحسب العديد من المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة التي وصفت إصداره حينها بأنه "ترسيخ لحالة طوارئ غير معلنة". فقد منح القانون الرئيس سلطة واسعة للحفاظ على الأمن في البلاد من دون الإشارة بالتفصيل إلى الأوضاع التي تستدعي مثل هذا التدخل من جانبه.وشهدت البلاد قبل صدور قانون مكافحة الإرهاب وبعده صنوفاً من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان من عمليات اختفاء قسري ممنهجة، وقتل خارج إطار القانون من قبل الأجهزة الأمنية. وحتى مع قانون بغاية السوء والتوحش كقانون مكافحة الإرهاب لجأ السيسي أيضاً إلى فرض حالة الطوارئ وهي ما ستزيد من الانتهاكات وتشرعن للتنكيل بالمعارضين، وقتل للمجال العام. فزيادة وتيرة الانتهاكات هو الأمر الرئيسي الذي يثير المخاوف مع فرض حالة الطوارئ، ويجعل من محاربة الإرهاب بشكل حقيقي أمر أكثر صعوبة.

لأغلب المصريين فإن ممارسة وفرض الطوارئ وعصف الدولة بحقوق الإنسان الرئيسية أصبح هو المعتاد مما يعيشونه واقعاً يومياً، سواء تم فرضها كقانون أو تم إلغائها. ينعكس ذلك في الخوف المتزايد في المجال العام من البطش أو التوقيف الغير قانوني، والوصم الممنهج لأي عمل أو نشاط مدني أو تعبير عن الرأي على غير هوى النظام على أنه يدعم الإرهاب، أو ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين والذي تم تكريس كونه في حد ذاته تهمة ليست يسيرة لأي فرد أو مجموعة، على الطريقة المصرية لتطبيق مكارثية جديدة. مما يرفع أصلاً من درجة مخاطرة مجرد التعبير عن رأي رافض لهذه الطوارئ، حتى لو جاء هذا الصوت خافتاً من ضمن مؤيدين النظام أنفسهم، ومطالباً ببعض الإصلاحات. فعلي سبيل المثال بعد أن تضمنت الصفحة الأولى جريدة البوابة اليومية الخاصة من مطلباً بإقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار من منصبه لما تم وصفه بأنه تقصير أمني كبير عقب تفجير الكنيستين. تم منعها من النشر ليومين متتالين، رغم كونها مملوكة للنائب عبد الرحيم علي أحد الإعلاميين المقربين من نظام السيسي والداعمين له .

فمن الواضح أن حالة الطوارئ الغير استثنائية في السياق المصري تلك هي امتداد للنهج الذي يقوم على أساس التوقيف العشوائي والعقاب الجماعي، وهو ما قد ينجح في القبض على بعض الإرهابيين لكن على حساب آلاف من الأبرياء يتم القبض عليهم واحتجازهم. وبالرغم من الشكوك العميقة في نجاحها بالفعل في مواجهة أخطار العنف المسلح والإرهاب التي من المفترض كونها سنت بالأساس لمواجهتها. فلا يبقى سوى تكريس للمسار المستمر من تموز /يوليو 2013 والذي يستكمل إعادة إنتاج السلطوية من جديد بشكل أسوأ من أي شئ شهدته مصر قبل ذلك، بحيث تكون الطوارئ هي الأصل لا الاستثناء، وتشرعن ما تم تجاوزه من انتهاكات قبيل إعلانها، وتصبح الانتهاكات المستقبيلة مبررة قبل ارتكابها أصلاً.

شريف محيي الدين باحث في مكافحة الإرهاب وشؤون حقوق الإنسان في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. لمتابعته عبر تويتر: Shereqoo@

إعادة العمل بحالة الطوارئ في مصر لا تؤدي دوراً فعالاً في مكافحة الإرهاب، وتمنح القوى الأمنية ذريعة إضافية لتشديد حملة القمع ضد المعارضة.