تركّز إمارة دبي، التي فطمت نفسها عن الموارد الطبيعية قبل الدول المجاورة، على استقطاب الشركات المالية الدولية إلى جيوبها المعفيّة من الضرائب. تساهم هذه المناطق الحرة، التي تتمتع، في حالات كثيرة، بالحكم الذاتي والتحرر من تدخل الدولة، في نحو 33 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإماراتي منذ منتصف العام 2015. غير أن دبي قطعت شوطاً إضافياً في مجال المناطق الحرة، عبر منحها حرية اقتصادية وقانونية أكبر بكثير بالمقارنة مع الإمارات الأخرى، وذلك من خلال إنشاء قضاء موازٍ، ما يؤدّي إلى تسليط الضوء على المشكلات القانونية التي تعاني منها المنظومة في الإمارة.

تضم دبي فئتَين من المناطق الحرة. الفئة الأولى، مثل منطقة جبل علي الحرة، والمنطقة الحرة بمطار دبي، عبارة عن مناطق جغرافية تحيط عادةً بالموانئ البحرية والمطارات حيث يتم تصنيع البضائع وتخزينها وتصديرها مع فرض ضرائب متدنّية أو من دون أي ضرائب؛ والفئة الثانية الأكثر تخصصاً هي المنطقة الاقتصادية الحرة، والهدف منها هو تشجيع النشاط الاقتصادي الموضعي في القطاع المصرفي وفي قطاع التأمين، وتسجيل الشركات. مثالٌ على ذلك مجمع الذهب والألماس في دبي، ومدينة دبي للإنتاج. تساهم المناطق الحرة في قدر كبير من الثروة الثانوية في الاقتصاد الإماراتي، وقد تحوّلت إلى ملاذات للشركات التي تفضّل تجنّب المتطلبات الإماراتية الصارمة – منها القوانين التي تفرض أن تكون نسبة 51 في المئة من كل شركة أجنبية عاملة في دبي مملوكة من جهات محلية، والضرائب المرتفعة المفروضة على الشركات الأجنبية، ونظام الكفالة المثير للجدل والذي يفرض قيوداً في مجال التوظيف.

التباينات بين المناطق الحرة والإمارات في شكل عام تتخطى بصورة مطردة المناخ الاستثماري لتطال مجالات أخرى. لا يُفيد مركز دبي المالي العالمي، وهو منطقة حرة مالية اتحادية أقل خضوعاً للتنظيمات، من الإعفاء من الضرائب وحسب، بل هو معفي أيضاً من القوانين الاتحادية والقوانين الخاصة بدبي. اقتضى إنشاء مركز دبي المالي العالمي إقرار القانون الاتحادي رقم 8 لعام 2004، وهو عبارة عن تعديل لدستور الإمارات الاتحادي أتاح إنشاء مناطق حرة مالية في أي واحدة من الإمارات، مع إعفائها جميعها من القوانين التجارية والاتحادية كافة في البلاد. ولا تزال لهذا الأمر تداعيات حتى يومنا هذا، منها سعي رأس الخيمة إلى تحقيق مزيد من الاستقلالية العامة لإنشاء مناطق حرة من دون الحصول على موافقة السلطات الاتحادية. أرسى القانون المذكور أيضاً أسس الاستقلالية القضائية داخل مركز دبي المالي العالمي. فالمركز يمتلك، منذ إنشائه في العام 2004، نظامه القضائي الخاص، وهو عبارة عن سلسلة من المحاكم التي يرأسها قضاة بريطانيون متقاعدون متخصصون في القانون العام الإنجليزي، فضلاً عن اعتماد منظومة قانونية على الطريقة البريطانية يُعمَل بها فقط داخل حدود المركز، وتجري المحاكمات في جميع القضايا باللغة الإنجليزية. تقتصر هذه المنظومة حصراً على مركز دبي المالي العالمي، ولم تحصل أي مناطق مالية اتحادية أخرى على منظومتها القضائية الخاصة حتى تاريخه.

تتناقض هذه المنظومة تناقضاً صارخاً مع المنظومة القضائية الفرنسية-المصرية المعقّدة والبائدة في دبي – والتي تختلف بحد ذاتها عن المنظومة القانونية في الإمارات في شكل عام – ما يجعل الإمارة في حالة تخبّط نتيجة الشوائب المترتبة عن هذا الأمر. تطبّق دبي مدوّنة قانونية مدنية حيث لا يؤخَذ بالسوابق، واللغة المعتمدة في الدعاوى والمحاكمات هي العربية، كما أنها تستند إلى مجموعة صغيرة من المدوّنات القانونية الأساسية وآلاف التشريعات الثانوية، وتجد هذه المدوّنات والتشريعات صعوبة في سلوك طريق التحديث بعد التغييرات التي شهدتها البلاد على امتداد أربعة عقود منذ نشوء الاتحاد في العام 1971. تستطيع الشركات التي تتخذ من مركز دبي المالي العالمي مقراً لها أن تختار بين المنظومة القانونية المطبّقة داخل المنطقة الحرة أو منظومة دبي، ما يؤدّي إلى اتساع الهوة بين المنظومة المدنية المستخدَمة في القانون المحلي ومنظومة القانون العام "الأجنبية" المستخدمة في المنطقة الحرة. علاوةً على ذلك، لم تعد محاكم دبي تملك السلطة للتدخل في القرارات الصادرة عن المحاكم التابعة لمركز دبي المالي العالمي.

في العام 2011، عمد قانون دبي رقم 16 إلى توسيع نطاق هذا الانفصال عن القانون الاتحادي المحلي عبر السماح للمحاكم داخل مركز دبي المالي العالمي بالبت في قضايا من خارج المنطقة الحرة، إنما بشرط الحصول على موافقة خطية من الطرفَين المعنيّين بالقضية على الخضوع لاختصاص المحاكم في مركز دبي المالي العالمي، هذا مع العلم بأنه ليست هناك أمثلة معروفة في العلن عن حدوث مثل هذه الحالات. لقد تسبّب هذا التفاوت بتفاقم الانقسامات الاجتماعية بين مَن يملكون الموارد لتوكيل محامين يطلبون أتعاباً باهظة ضمن المنظومة القضائية في مركز دبي المالي العالمي، وبين أولئك الذين لا خيار أمامهم سوى القبول بالقانون المحلي. وقد تعاظم هذا الشعور بالغبن إلى درجة أن السلطات في دبي بدأت بالتفكير في تحسين منظومتها القضائية. في مطلع نيسان/أبريل 2017، وقّعت دائرة الشؤون القانونية لحكومة دبي على مذكرة تفاهم مع سلطة مركز دبي المالي العالمي لتشارُك الممارسات الفضلى في المنظومة القضائية الخاصة بالمنطقة الحرة مع المحامين والقضاة في دبي.

في أواخر العام 2014، كشف مركز دبي المالي العالمي عن خطة عشرية الهدف منها تحويل المنطقة الحرة إلى المركز المالي الأول في العالم. يسعى المركز، بحلول العام 2024، إلى زيادة عدد الشركات المسجّلة في المنطقة الحرة من 362 إلى ألف، وجعل هذه الشركات تحقق أرباحاً إضافية قدرها 400 مليار دولار أميركي، ورفع أعداد القوة العاملة في المنطقة الحرة من 17860 إلى خمسين ألف شخص. وثمة مساعٍ لجعل هذه الأجندة منسجمة مع خطة دبي 2021، التي ستقوم بإدراج التمويل الإسلامي في المنطقة الحرة. يجري العمل رويداً رويداً، منذ العام 2015، على تطبيق استراتيجية 2024، لكن نجاحها يبقى محدوداً حتى الآن، ففي عالمنا المفتوح، يتنافس مركز دبي المالي العالمي مع مناطق حرة أخرى في الشرق الأوسط، لا سيما في قطر، لاستقطاب شركات جديدة للتسجّل. بحلول شباط/فبراير 2017، ازدادت أعداد الشركات المسجّلة في مركز دبي المالي العالمي بنسبة عشرة في المئة لتصل إلى 447 شركة، وارتفعت الميزانية العمومية إلى 144 مليار دولار، وعديد القوة العاملة إلى 21611 شخصاً. غالب الظن أن الاستراتيجية ستؤدّي إلى إصلاحات قضائية في المنظومة القانونية في دبي عندما تصبح المنظومتان، في مركز دبي المالي العالمي وفي الإمارة، أكثر ترابطاً. كما أن تطبيق قوانين التمويل الإسلامي المعتمدة راهناً في دبي، على مركز دبي المالي العالمي قد تقتضي من دبي إعادة النظر في تلك القوانين، نظراً إلى أن التنظيمات المالية المستمدة من الشريعة تحظر الأنشطة التي تقوم على الفوائد، في حين أن مركز دبي المالي العالمي يستند إلى حد كبير إلى الأرباح وفوائد القروض والتجارة الحرة.

على الرغم من أن استراتيجية 2024 تتجه في شكل أساسي نحو العمل على توسيع امتداد دبي على الساحة المالية الدولية، مما لا شك فيه أنها أيضاً محاولة لتحقيق التقارب بين المنظومة القانونية المطبّقة في مركز دبي المالي العالمي وتلك المعتمدة في دبي، وذلك رداً على الانتقادات المتزايدة. قال عيسى كاظم، رئيس مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي: "تندرج مذكرة التفاهم في إطار استراتيجيتنا لعام 2024، فيما نعمل على تشجيع الممارسات الفضلى الراسخة، وعلى تطوير الخدمات وإمكانات الأعمال بما يتيح تحقيق النمو في السنوات القادمة. لقد تطور مركز دبي المالي العالمي ليصبح المنظومة التنظيمية والقانونية الأكثر شفافية وأماناً ومهنية في المنطقة". ويقوم قضاة المركز أيضاً بتدريب عدد متزايد من القضاة في دبي بواسطة برنامج ممتد على 13 أسبوعاً بإدارة محاكم مركز دبي المالي العالمي، ويتم من خلاله تلقين القضاة المحليين أحكام القانون العام الإنجليزي، والممارسات الفضلى، وبروتوكول الأعمال الدولي. وفي مطلع أيار/مايو 2017، وقّع مركز دبي المالي العالمي وسلطات دبي اتفاقية الترخيص المزدوج التي تجيز للشركات غير المالية المسجّلة في مركز دبي المالي العالمي العمل داخل المنطقة الحرة وفي دبي على السواء؛ وقد أدّى ذلك إلى إنشاء مستودع مركزي للبيانات يتقيّد إلى حد كبير بقوانين مركز دبي المالي العالمي، ويستطيع المركز وسلطات دبي الولوج إليه على السواء، ما يكشف عن زيادة التعاون في مجالات الامتثال للقوانين، ومكافحة الغش والتزوير، وتعزيز حماية المستهلك.

بدأت أبوظبي وسواها من الإمارات الأصغر حجماً، استنساخ نموذج دبي ومركز دبي المالي العالمي، بخطى بطيئة إنما واثقة، ويتجلّى ذلك من خلال المركز التجاري الأميركي الإقليمي في الشارقة الذي يعمل تحديداً مع شركات صغيرة ومتوسّطة الحجم تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، وسوق أبوظبي العالمي الذي يملك مكتباً عالمياً خاصاً به للتسجل في السوق، ومكتباً لتنظيم الخدمات المالية، والمكتبان منفصلان عن المنظومة القضائية في أبوظبي، ويقدّمان تنظيمات مالية مرنة وآليات مبسّطة لتسجيل الأعمال والشركات، حتى لو لم تكن تشغّل عملياتها، جغرافياً، انطلاقاً من المنطقة الحرة. يبدو أن المناطق الحرة، حيث يمكن أن تكون الشركات مملوكة بالكامل من جهات أجنبية – والتي تخضع، في حالة مركز دبي المالي العالمي، لمنظومتها القضائية الخاصة – هي وسيلة فعّالة ومنخفضة التكلفة للتنويع الاقتصادي بعيداً من صناعة النفط التي تزداد تقلّباً. لكن عبر توليد هوة بين القانون الإماراتي والمنظومة القضائية المستوحاة من القانون الإنجليزي والتي يمكن أن تتقدّم على القانون المحلي، تتحوّل المناطق الحرة بوتيرة متزايدة إلى جيوب مغلقة، ما يسلّط الضوء على الانقسامات المتنامية داخل المجتمع الإماراتي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

جو وورثينغتون باحث دكتوراه بتمويل من مجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في جامعة إكستر، يركّز على الإرث البريطاني في الخليج، وكبير المحررين في مجلة سياسية عن الشرق الأوسط.