المجزرة التي ارتُكِبت بحق المسيحيين الأقباط في 26 أيار/مايو في المنيا على أيدي مسلّحين تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية هي الرابعة من نوعها في غضون ستة أشهر، بعد العديد من الهجمات على كنائس في القاهرة والإسكندرية وطنطة. بدلاً من معالجة الشوائب الأمنية الفاضحة – وحماية الأقباط الذين تستهدفهم الدولة الإسلامية – ركّز الرئيس عبد الفتاح السيسي على تصعيد القمع الحكومي ضد ما تبقّى من المعارضة.

إبان المأساة في المنيا، لم يعلن الرئيس السيسي عن يوم حداد وطني. بل يبدو أن الدولة تستخدم الهجمات على الأقباط من أجل تضييق الخناق أكثر على المجتمع المدني. وقد تضمّن ذلك إقرار قانون حول المنظمات غير الحكومية يصنّف في شكل أساسي الأنشطة العادية لهذه المنظمات في خانة الأفعال الجرمية، ما يؤدّي إلى حظر وسائل الإعلام الإلكترونية المستقلة القليلة المتبقية، واعتقال أعضاء الأحزاب العلمانية المعارِضة واستجوابهم.

جرى في الأسبوعَين الماضيين توقيف أكثر من أربعين شخصاً أو احتجازهم، وغالبيتهم من حزب الدستور وحزب العيش والحرية العلماني، بما في ذلك أقباط مسيحيون ينتمون إلى حزب العيش والحرية مثل أندرو ناصف من مدينة الزقازيق. وفي القضية التي حظيت بالتغطية الأوسع، اعتقلت القوى الأمنية، في 23 أيار/مايو الماضي، خالد علي، إحدى الشخصيات الأساسية في مجتمع حقوق الإنسان المصري، ومؤسّس حزب العيش والحرية والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي لمّح إلى أنه قد يترشّح ضد السيسي في الانتخابات الرئاسية في ربيع 2018. وكان اسمه قد برز على الساحة الوطنية في نيسان/أبريل 2016، عندما رفع دعوى قضائية ضد الخطة التي وضعتها الحكومة لتسليم جزيرتَي تيران وصنافير إلى السعودية. عندما أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكمها في 16 كانون الثاني/يناير 2017 لوقف عملية التسليم، عمّت احتفالات عفوية في الشارع. والآن بعد انقضاء أربعة أشهر، وُجِّهَت إلى خالد علي تهمة قيامه بحركة يدوية غير لائقة خلال الاحتفالات بالنصر، والتي تُصنَّف في خانة الفحش العام. إذا أدين في هذه التهمة، فسوف يُمنَع من الترشح للانتخابات الرئاسية الربيع المقبل. يبدو أن حملة القمع التي تُمارَس ضده وضد أعضاء حزبه في مختلف أنحاء البلاد تهدف إلى القضاء على البنى التحتية السياسية البدائية التي أنشأها.

في 24 أيار/مايو، خضع محمد زارع، مدير مكتب مصر بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان الذي يتخذ من تونس مقراً له والمرشح لنيل جائزة مارتن إينالز المرموقة للمدافعين عن حقوق الإنسان، للاستجواب في إطار القضية 173 للعام 2011، المعروفة بـ"قضية التمويل الأجنبي" للمنظمة غير الحكومية. وهو ممنوع من السفر منذ أكثر من عام، وقد يواجه حكماً بالسجن المؤبّد. بيد أن القانون الجديد حول المنظمات غير الحكومية، والذي سيتم الاعتماد عليه للنظر في القضية، يصنّف الأنشطة التي يمكن اعتبارها بأنها أنشطة عادية في إطار عمل المنظمات غير الحكومية، في خانة الأفعال الجرمية. يفرض مشروع القانون الصادر عن مجلس النواب في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2016، على الجمعيات الأهلية "العمل ضمن نطاق المخططات التي وضعتها الدولة"، ويمنح السلطات الأمنية إشرافاً على عمل المنظمات غير الحكومية وتمويلها. لقد دفع ذلك بعدد من هذه المنظمات إلى الإغلاق على الفور، لا سيما في المحافظات الواقعة خارج العاصمة، حيث مجموعات حقوق الإنسان أصغر حجماً وترتدي طابعاً أكثر حيوية بالمقارنة مع نظيراتها في القاهرة. لكن بعد الانتقادات الحادة اللهجة التي وردت على لسان السناتورَين الأميركيين جون ماكين وليندسي غراهام، أحجم السيسي عن توقيع مشروع القانون طوال ستة أشهر. ثم فجأةً، بعد ثلاثة أيام من مجزرة المنيا، نُشِر إعلان في الجريدة الرسمية بأن قانون المنظمات غير الحكومية أصبح ساري المفعول.

كذلك في 24 أيار/مايو، أصدرت الحكومة أوامر إلى مزوّدي الخدمات بحجب 21 موقعاً إلكترونياً لتضمّنها "محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمّد نشر الأكاذيب"، ومنها موقع مدى مصر الذي قد يكون الموقع الإخباري الأكثر استقلالية ونقدية في مصر. يتخطى هذا الإجراء الواسع النطاق أي رقابة إعلامية شهدتها مصر منذ تسلّم السيسي سدّة الرئاسة قبل ثلاثة أعوام. ووسط الإدانة الدولية الخجولة، أضاف النظام لاحقاً موقعَي "دايلي نيوز إيجيبت" و"البورصة نيوز" الموجّهَين نحو الأعمال، إلى قائمة المواقع المحظورة. عندما أمر مبارك بقطع خدمة الإنترنت في أواخر كانون الثاني/يناير 2011 في محاولة لوقف الاحتجاجات، سرعان ما ارتدّت هذه الاستراتيجية بنتائج عسكية، فنزل الناس إلى الشارع واحتلّوا الميادين العامة في مختلف أنحاء البلاد، ما أدّى في نهاية المطاف إلى سقوطه. قد لا تعود المحاولة التي يبذلها السيسي لسحق المجتمع الأهلي بنتائج عكسية على الفور، لكن غالب الظن أنها لن تنجح في المدى الطويل.

يحاول النظام إسكات الأحزاب السياسية العلمانية المناهضة للمنظومة الطائفية، بدلاً من أن يرى فيها حلفاء محتملين في المعركة ضد الدولة الإسلامية. وقد عمد إلى حجب أكثر من عشرين موقعاً إخبارياً بدلاً من أن يرى في الإعلام المستقل مصدراً مفيداً محتملاً للمعلومات حول المسائل الأمنية. وكذلك، عوض أن يرحّب النظام بالمنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية التي تقدّم للمجتمعات الفقيرة خدمات تعجز الدولة عن تقديمها أو لا تبدي استعداداً لتقديمها، سوف يقف القانون الجديد للمنظمات غير الحكومية حائلاً دون تنفيذ جزء كبير من هذه الأعمال – ما يؤدّي في نهاية المطاف إلى مزيد من الإفقار للمجتمعات التي تعاني أصلاً من العوز والمشقّات.

إن حجب أكثر من عشرين موقعاً إخبارياً هو محاولة تنمّ عن حنين إلى الزمن الغابر، عبر منع نشر التقارير النقدية، أو حتى نشر المعلومات. والهدف من قانون المنظمات غير الحكومية هو وضع الجمعيات الأهلية المستقلة في مصر تحت السيطرة الكاملة للدولة وحرمانها من الأموال التي تحتاج إليها في عملها. من الواضح أن الهدف من توقيف خالد علي وأعضاء حزبه السياسي قبل عام من الانتخابات الرئاسية هو منع ظهور مرشحين قادرين على منافسة الرئيس السيسي. لن يؤمّن أي من هذه الممارسات الحماية للمسيحيين الأقباط. بل إن الهدف منها هو منح اندفاعة للنظام الذي فشل، من جديد، في حمايتهم.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

أيمي أوستن هولمز أستاذة مساعدة في علوم الاجتماع ورئيسة وحدة علوم الاجتماع في الجامعة الأميركية في القاهرة. مؤلّفة "الاضطرابات الاجتماعية والقواعد العسكرية الأميركية في تركيا وألمانيا منذ العام 1945" (مطبعة جامعة كامبريدج، 2016). لمتابعتها عبر تويتر: AmyAustinHolmes@.