يوزّع الجيش المصري، خلال شهر رمضان الحالي، ملايين الصناديق التي تحتوي على معونات غذائية في المدن والأرياف الفقيرة في مختلف أنحاء البلاد. يتولّى المجنّدون في الأسلحة العسكرية المختلفة تعليب المواد الغذائية، منها السكّر والأرز والحبوب والمعكرونة وزيت الطهي وصلصة الطماطم والشاي، في الصناديق التي يحمل كلٌّ منها شعار هيئة الإمداد والتموين في القوات المسلحة، بالإضافة لشعار صندوق "تحيا مصر" الخيري التابع للرئيس عبد الفتاح السيسي. ثم يقوم المجنّدون بتحميل هذه الصناديق في شاحنات عسكرية ضخمة ويتوجّهون بها إلى مختلف المحافظات. كانت هذه الصناديق تُوزَّع مجاناً من قبل، لكن في رمضان الحالي، تُباع لأول مرة بـ25 جنيهاً مصرياً (1.40 دولار أميركي) للصندوق الواحد، أقل من سعرها في السوق البالغ 87 جنيهاً مصرياً (4.80 دولارات) – وذلك على الرغم من حصولها على دعم مالي كبير من صندوق "تحيا مصر". هذه المعونات الغذائية، التي كانت في ما مضى أداةً تستخدمها القوى السياسية المدنية لحشد الدعم قبيل الانتخابات، باتت تُستعمَل الآن بمثابة تكتيك من الجيش للحؤول دون وقوع أعمال شغب بسبب غلاء لقمة العيش، وإرساء الاستقرار السياسي. بيد أن المشقّات المالية التي تعاني منها البلاد بعد الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي يبدو أنها قد أصابت الجيش أيضاً ، بما يجعله مضطراً إلى بيع الصناديق، وقد تجد المؤسسة العسكرية صعوبة في مواصلة تمويل تلك الآلية في المدى الطويل.

لقد انضم الجيش المصري إلى ممارسة توجه قائم في مصر، وهو توزيع حصص غذائية مجانية على الفقراء الصائمين خلال شهر رمضان. انتشر توزيع المعونات الغذائية على نطاق واسع في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، ففي ظل اقتصاده النيوليبرالي، كان شهر رمضان مخصّص للأعمال الخيرية "المسيَّسة". بعد إجراءات إصلاح السوق التي أطلقها مبارك اعتباراً من العام 1991، واجهت الطبقات الدنيا تقلُّص الدعم الحكومي للسلع الأساسية. ثم تنافست القوى السياسية المدنية على ملء الثغرة في اقتصاد دولة الرفاهة الاجتماعية. وبالأخص، كان الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت الحزب المعارِض الأكبر له، يستغلان فرصة حلول الشهر الفضيل للتبرع بالمواد الغذائية، فيخوضان بذلك منافسة في ما بينهما من أجل الفوز بأصوات الفقراء في الانتخابات النيابية. علاوةً على ذلك، لم تسعَ المنظمات الأهلية التي تزايد عددها بكثرة، وكان لبعض منها انتماءات سياسية، إلى تقديم الطعام إلى الفقراء وحسب، بل عملت أيضاً على بناء المستشفيات وتوزيع الملابس. ولم يشارك الجيش في هذه الجهود، لأنه لم يكن يسعى خلف مكاسب انتخابية في تلك المرحلة.

بعد خلع مبارك من الحكم، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتوزيع عشرات آلاف الحزم الغذائية المجانية خلال رمضان 2011، ونظّم "موائد الرحمان" التي قدمت وجبات إفطار مجانية على امتداد الشهر. على الرغم من أن تلك كانت خطة طوارئ بالأساس من أجل استرضاء الجماهير في خضم الاضطرابات الاقتصادية التي شهدتها البلاد إبان الثورة، إلا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة استخدمها أيضاً لترويج صورة شعبية عن الجيش على اعتبار أنه المنقذ صاحب الأيادي البيضاء وحارس الأمة. كان على المجلس أن يتنافس مع قوى مدنية أخرى، لا سيما مع الإسلاميين، للفوز بالدعم السياسي من الجماهير الشعبية. وهكذا بات الجيش يستخدم سنوياً شهر رمضان لإبراز نشاطه الخيري، بما في ذلك خلال صيف 2013 عندما استعاد السلطة من أيدي الإخوان المسلمين.

بعدما عمد النظام العسكري المصري إلى إلغاء خصومه المدنيين في الدولة أو إضعافهم إلى حد كبير، يعتمد راهناً على المعونات الغذائية لتجنّب الاضطرابات الاجتماعية. نيوليبرالية السيسي، التي قادت البلاد إلى الحصول على قرض من البنك الدولي في العام 2015، وقرض آخر من صندوق النقد الدولي في العام 2016، فرضت على النظام العسكري استكمال ما بدأه مبارك عبر إجراءات تخفيض حاد في الدعم الحكومي للمواد الغذائية والغاز والكهرباء والأدوية. الأهم من ذلك، فرضت خفض قيمة الجنيه المصري، ما أدّى إلى تضخم الأسعار فيما ظلّت دخول المواطنين كما هي. لم تعد المعونات الغذائية التي يقدّمها الجيش مسألة بروباغندا، بل أصبحت إجراء أمنياً ضرورياً لاحتواء الفتنة الاجتماعية المحتملة.

لا تزال النيوليبرالية والأعمال الخيرية تسيران جنباً إلى جنب كما كان الحال في عهد مبارك. في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، عندما وافق صندوق النقد الدولي على القرض وقام المصرف المركزي بتعويم الجنيه المصري، باع الجيش ثمانية ملايين صندوق من المواد الغذائية بسعر زهيد خشية وقوع أعمال شغب بسبب لقمة العيش. تستطيع المؤسسة العسكرية تأمين هذه الكميات الكبيرة جداً من الإمدادات الغذائية لأنها تملك أراضي زراعية شاسعة، وتدير العديد من مصانع الأغذية وأعمال استيراد المواد الغذائية، وتعوّل على اليد العاملة المجانية المؤلّفة من مئات آلاف الشباب الملتحقين بالتجنيد الإلزامي، من أجل إنتاج الأغذية. تحظى هذه الجهود بالدعم من صندوق "تحيا مصر"، وهو عبارة عن مبادرة خيرية أطلقها السيسي في العام 2014 بمؤازرة من الجيش، بهدف توسيع نطاق الأعمال الخيرية التي تتم برعاية الدولة. تبرّعت القوات المسلحة بمليار جنيه مصري (55 مليون دولار أميركي) لهذا الصندوق في عامه الأول، وتبرّع أقطاب الأعمال بملايين الدولارات، سواءً بدافع الولاء أو تحت ضغط وضعهم على قوائم سوداء. كذلك شجّعت عقيلة السيسي، السيدة انتصار عامر، النساء المصريات على التبرع من خلال إطلاق حملات حظيت بتغطية وترويج واسعَين عبر وسائل الإعلام التابعة للدولة.

اللافت هو أن أجهزة أمنية أخرى، تحديداً جهاز المخابرات العامة ووزارة الداخلية، تحاول أيضاً التواصل مع المجتمع وتسعى إلى الحصول على بعض الدعم من الرأي العام من خلال المعونات الغذائية خلال شهر رمضان، ما يضعها في تنافس مباشر مع الجيش. فهي توزّع صناديق مجانية من المواد الغذائية تحمل شعاراتها الخاصة في الأرياف والأحياء الفقيرة في المدن. بيد أن هذه الأجهزة الأمنية لا تتمتع بثروة تجارية وافرة أو بموارد بشرية كافية للتمكن من منافسة الجيش في هذا السباق من أجل الظهور في الصورة الأفضل أمام الرأي العام.

استخدام الجيش للمعونات الغذائية بغية الحؤول دون وقوع اضطرابات اجتماعية يستهدف في شكل أساسي المناطق التي شهدت احتجاجات عمالية واسعة النطاق قبل العام 2011 وبعده، مثل مدينة المحلة التي تضم مصنعاً كبيراً للأقمشة والمنسوجات مملوكاً من القطاع العام. ويحرص الجيش أيضاً على إيصال هذه المساعدات إلى المناطق التي تشهد هجمات إرهابية، مثل المنيا، حيث قتل تنظيم الدولة الإسلامية عشرات المسيحيين الأقباط في 26 أيار/مايو الماضي. وكذلك يحاول الوصول بالمعونات الغذائية إلى شبه جزيرة سيناء التي تعاني من التطرف ومن القمع الحكومي الشديد على السواء. على سبيل المثال، يُظهر مقطع فيديو نشرته وزارة الدفاع في 22 أيار/مايو سكّان محافظة شمال سيناء، حيث تشن الدولة الإسلامية هجمات منتظمة على وحدات الجيش والمدنيين، يُثنون على الجهود الخيرية التي يبذلها الجيش – فضلاً عن الاستقرار والأمن المتحققين – فيما يقفون بصبر في طوابير طويلة للحصول على صناديق المواد الغذائية الزهيدة الثمن.

بما أنه يبدو من المستبعد إلى حد كبير أن تشهد الأوضاع الاقتصادية المصرية تحسّناً في المدى القريب، غالب الظن أن المؤسسة العسكرية لن تتمكّن من مواصلة هذا العمل الخيري المكلف في مختلف أنحاء البلاد. يمكن أن يؤثّر ذلك في الاستقرار السياسي والأمني في المدى الطويل، ففي حال اندلعت أعمال شغب بسبب لقمة العيش، قد يلجأ الجيش إلى الأداة نفسها التي استخدمها لاحتواء الاحتجاجات الواسعة النطاق في العام 2011: العنف القاسي ضد الجماهير المستاءة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

زينب أبو المجد أستاذة مساعدة في تاريخ الشرق الأوسط في أوبرلين كولدج ومؤلّفة "عسكرة الأمة: الجيش والأعمال والثورة في مصر" (مطبعة جامعة كولومبيا، 2017).