نيل بارتريك محرّر ومساهم أساسي في "السياسة الخارجية السعودية: النزاع والتعاون" (آي بي توريس، 2016). لمتابعته عبر تويتر: neilpartrick@

تُختصَر الأزمة التي تعصف بمجلس التعاون الخليجي، بالمحاولة الواضحة والصريحة التي تُبذَل لكبح الاستقلالية القطرية. يكشف هذا التطور، الذي تقوده السعودية والإمارات، مع انضمام البحرين إلى الركب، عن الفشل الذريع لمشروع الوحدة الخليجية.

في عهد الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود، كان الاندماج يقتصر على الكلام والتأكيدات التي تُطلَق في الخطب والتصريحات، غير أن حاكم السعودية بحكم الأمر الواقع، محمد بن سلمان، يعتمد استراتيجية عملية: إذا لم تبدّل سياستك الخارجية رأساً على عقب، سنقضي على اقتصادك واستقلاليتك.

الأكثر إثارة للقلق هو أن ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد حصلا على التشجيع، في هذه المغامرة المتهوّرة، من السياسة الأميركية البائسة في الشرق الأوسط التي تستند إلى مفاهيم مغلوطة عن مصالح الولايات المتحدة ومصالح حلفائها الخليجيين.

يرفض القطريون أن يتم تصنيف الإخوان المسلمين بأنهم أساس الإرهاب الإقليمي بمختلف أشكاله، أو تصنيف إيران بأنها التهديد الأمني الأكبر لهم. والسبب هو أن الإخوان ليسوا أساس الإرهاب الإقليمي، وإيران ليست التهديد الأمني الأكبر، ومن وجهة النظر القطرية، ادّعاء ذلك أمرٌ غير منطقي. في حين خلقَ القطريون لأنفسهم أعداء في مجلس التعاون الخليجي، ليست قناة "الجزيرة" بالخبر الجديد، والدعم القطري للمقاتلين الإسلاميين في سورية جرى تحجيمه لمصلحة الاحتكار السعودي لذلك الدور. لقد أثارت الدعوة التي وُجِّهت إلى تركيا، التي تشارك قطر إعجابها بالإخوان، لنشر عدد قليل من القوات في الدوحة، غضب السعوديين والإماراتيين، لكنها لا تُقارَن بالمنصّات العسكرية التي يمنحها القطريون والسعوديون والإماراتيون للولايات المتحدة. في آخر أزمة اندلعت في مجلس التعاون الخليجي وكان محورها قطر في العام 2014، خرجت الدوحة من المأزق عبر طرد بعض الشخصيات الإخوانية وقطع وعد بالحدّ من التغطية المتعاطفة مع الإخوان التي تبثها قناة "الجزيرة". في الأزمة الراهنة، أرُسِلت بعض الشخصيات البارزة في حركة حماس إلى تركيا أو قيل لهم إنهم لا يستطيعون أن يستقروا في قطر. لكن هذه الإجراءات ليست كافية بالنسبة إلى المقاربة السعودية الجديدة التي لا تقبل بأي انحراف عن الخط من قبل باقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

في مواجهة الضغوط التي تقودها السعودية لعزل قطر براً وجواً، اضطُرّ القطريون، وهذه مفارقة، إلى توسيع علاقاتهم مع إيران التي باتت منشآتها المرفئية ومجالها الجوي ترتدي أهمية محورية من أجل وصول قطر إلى العالم الخارجي. قام وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بزيارة إلى روسيا مؤخراً، وتبدو موسكو متيقّنة من أن قطر ستُبقي على استثماراتها في عملاق الطاقة الروسي "روزنفت". قد يرحّب السعوديون والإماراتيون، في خطوة عبثية، بهذه التطورات، لأنها قد تشجّع الولايات المتحدة على إغلاق مركز قيادتها العسكرية الإقليمية في قاعدة العُديد في قطر.

تحتاج قطر إلى القاعدة الأميركية لأنها تمنحها تحوّطاً مستمراً في مواجهة السيطرة السعودية؛ وتريد الولايات المتحدة الاحتفاظ بها خشية أن تتحوّل قطر، في غياب هذه القاعدة، إلى "بوّابة" لإيران تماماً كما يتّهمها جيرانها. أكثر من ذلك، إذا تخلّت الولايات المتحدة عن قطر، فقد تُحوِّل هذه الأخيرة الوجود الرمزي للقوات التركية على أراضيها إلى حامية عسكرية، والأسوأ من ذلك، من وجهة نظر المؤسسة الأمنية الأميركية، أنه قد يصبح للروس موطئ قدم هناك أيضاً. فيما يعي وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون وشخصيات أخرى في الإدارة الأميركية، المخاطر التي أطلق لها الرئيس ترامب العنان في الخليج، قد تكون القاعدة الأميركية قرب الدوحة الأداة التي ستستخدمها واشنطن لتشجيع القطريين على تغيير بعض الجوانب في سياستهم الخارجية.

قبل العام 1990، حاول السعوديون الاستقواء على الكويت، وأصيبت الولايات المتحدة بالبارانويا لأجل ذلك. وقد اضطُرّت الكويت، التي لم تكن تضم قاعدة أميركية على أراضيها بسبب مواقفها العروبية، إلى إغلاق مجلس نوابها المثير للمتاعب تحت تأثير الضغوط السعودية في العام 1976. تدرك قطر أن المنشأة العسكرية الأميركية الضخمة الموجودة على أراضيها، هي التي تحول دون إدارة السعوديين لعلاقاتهم الداخلية والخارجية بالطريقة نفسها اليوم. قد يدفع عدد قليل من القادة الإخوانيين الثمن من أجل الاحتفاظ بالقاعدة الأميركية. لكن غالب الظن أن قطر لن تقدّم مزيداً من التنازلات، وهي تتمتع ببعض النفوذ الخاص بها. في حال تعرّضت قطر لليّ الأذرع، وعلى ضوء الأهمية التي ترتديها في الوصول الإقليمي والعالمي إلى الغاز، سوف يعاني أصدقاؤها الغربيون والإمارات العربية المتحدة (المستهلِكة الأولى للمنتجات القطرية في الخليج)، من التداعيات. سوف يكون على محمد بن سلمان ومحمد بن زايد التراجع إلى حد كبير عن مواقفهما لتجنّب استفحال الأزمة. إنه تحدٍّ ديبلوماسي على الولايات المتحدة أن تدعمه بقوة لتكون لدى الكويتيين والوسطاء المحتملين الآخرين مادّة مهمة ومجدية يمكن طرحها في النقاش.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.