في 16 حزيران/يونيو 2017، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانوناً جديداً للانتخابات التشريعية، وحدّد موعداً مبدئياً لإجراء الانتخابات في أيار/مايو 2018، ما يؤدّي إلى وضع حد لأكثر من ثماني سنوات من التأجيل والشلل. يساهم هذا القانون في تحسين عناصر الإطار الانتخابي: مثلاً، يعتمد التمثيل النسبي والصوت التفضيلي – وهذا النظام هو على الأرجح أكثر إشراكاً من النظام الأكثري الذي يستخدمه لبنان منذ استقلاله في العام 1943. بيد أن إعادة توزيع الدوائر الانتخابية قد يجعل السياسة المذهبية أكثر تجذّراً، كما أن الإجراءات التقنية تتسبب بتقويض التمثيل النسبي عبر تمييع المنافع التي يمكن أن يحققها للمجتمع. وكذلك يقف القانون عائقاً أمام النساء والفقراء والأحزاب السياسية الصغيرة والمستقلين الساعين إلى الترشح للانتخابات أو الاقتراع لنواب يدافعون عن مصالحهم.

الدوائر الانتخابية كما يُحدّدها القانون الجديد أكثر تمثيليةً – لناحية أنها تأخذ بالمطالب التي ترفعها الطوائف منذ وقت طويل للحصول على تمثيل أكثر دقة – من أي دوائر معتمَدة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. في الانتخابات التي أجريت خلال الاحتلال السوري للبنان (1992، و1996، و2000)، حدّدت الأجهزة الأمنية السورية الدوائر حسب المحافظات والأقضية والتقسيمات الخاصة بهدف تهميش معارضي الاحتلال. في العام 2005، إبان ثورة الأرز والانسحاب السوري، نُظِّمت الانتخابات التي أجريت على عجل، بالاستناد من جديد إلى توزيع الدوائر الانتخابية بحسب قانون العام 2000. أما القانون الخاص بالانتخابات التشريعية للعام 2009 فقد وُضِع خلال مؤتمر الدوحة الذي عُقِد بين الأفرقاء الأساسيين في العام 2008 من أجل وضع حد للصدامات المذهبية. وانعكاساً للاتفاق بين هؤلاء الأفرقاء، نص القانون على تقسيم لبنان إلى 26 دائرة انتخابية – استناداً إلى القضاء في شكل أساسي، باستثناء بعض الحالات حيث جرى جمع قضائَين في دائرة واحدة مثل دائرة بعلبك-الهرمل، أو اعتُمِد التقسيم إلى أكثر من دائرة، مثل دوائر بيروت الأولى والثانية والثالثة. في الجوهر، منحت هذه المنظومة كل واحد من الأحزاب الكبرى تمثيلاً في مجلس النواب – وأتاحت لها السيطرة على دوائر انتخابية معينة تجنّباً لوقوع مزيد من الصدامات.

ينص القانون الجديد على تقسيم الأقضية الـ27 إلى 15 دائرة انتخابية تملك معظمها أكثرية طائفية واضحة. مثلاً، تُقسَم بيروت إلى دائرتَين: بيروت الأولى المؤلفة من أكثرية من الناخبين المسلمين، والممثَّلة بـ11 نائباً في البرلمان، وبيروت الثانية المؤلفة من أكثرية من الناخبين المسيحيين والممثّلة بثمانية نوّاب. سوف يتنافس الموارنة أو يتعاونون في ما بينهم في دوائر مثل جبيل-كسروان، تماماً كما سوف يتنافس الشيعة أو يتعاونون معاً في دائرة بعلبك-الهرمل. لقد حُدِّدت الدوائر الجديدة بما يلبّي مصالح الأحزاب المتنفّذة، من أجل إتاحة المجال أمام التحالفات الانتخابية المقبلة لتحقيق أقصى قدر من المنافع والمكتسبات. غالب الظن أن القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر سوف يخوضان الانتخابات معاً في لوائح مشتركة، ما يعطي التحالف بينهما أفضلية كبرى في الدوائر ذات الأكثرية المارونية على غرار جبيل-كسروان والبترون-الكورة-زغرتا-بشري. وسوف يستمر حزب الله وحركة أمل، اللذان يجمع بينهما تحالف انتخابي غير مريح منذ العام 1992، في اكتساح المقاعد النيابية في المناطق ذات الغالبية الشيعية مثل بعلبك-الهرمل والزهراني-صور.

لكن عبر السعي إلى تلبية المطالب الطائفية والتفضيلات السياسية، يتسبّب القانون الجديد بترسيخ المجموعات المذهبية، متخلياً بذلك عن الهدف الاندماجي الذي حدّده اتفاق الطائف. فبموجب ذلك الاتفاق، تُقسَم الدوائر الانتخابية على أساس المحافظة – الوحدة الإدارية الأكبر حجماً، مثل محافظة جبل لبنان أو محافظة البقاع. بما أن هذه المحافظات أكثر تنوّعاً على المستويات الطائفية والاجتماعية والأيديولوجية، كان الافتراض بأن الأحزاب السياسية والنخب التقليدية سوف تميل أكثر إلى تشكيل تحالفات عابرة للطوائف والمذاهب، وبالتالي استقطاب شريحة أوسع من الناخبين. كما في السابق، لا تزال المقاعد تُوزَّع في الدائرة الانتخابية بحسب الانتماء الطائفي لأبنائها، لكن عبر تقسيم الدوائر على أساس طائفي، تمارس الطائفة الأكثرية في نهاية المطاف تأثيراً أكبر في تحديد هوية الفائزين بالمقاعد عن الطوائف الأقلية. على سبيل المثال، سوف يقترع الناخبون في طرابلس-المنية-الضنية، حيث غالبية السكان من الطائفة السنّية، لأحد عشر نائباً من بينهم ثلاثة نواب للموارنة والعلويين والروم الأرثوذكس. وفي الدائرة الانتخابية التي تضم أقضية البترون وبشري وزغرتا والكورة، سوف يقترع الناخبون (ومعظمهم موارنة) لعشرة نواب، بما في ذلك المقاعد الثلاثة المخصصة للروم الأرثوذكس. 

فضلاً عن ذلك، ينص القانون الجديد على اعتماد التمثيل النسبي بدلاً من النظام الأكثري الذي طُبِّق في الانتخابات السابقة. بموجب المنظومة القديمة، كان المرشحون الذين ينالون العدد الأكبر من الأصوات في كل دائرة انتخابية يحصلون على المقاعد المخصصة للدائرة في مجلس النواب – بغض النظر عن انتمائهم أو أداء التحالف الذي ينتمون إليه، أو أداء خصومهم. أما بموجب النظام النسبي الجديد، فيتنافس المرشحون و/أو التحالفات في ما بينهم على حصص معيّنة من المقاعد في الدوائر الانتخابية. العتبة المطلوبة من الأصوات للفوز بمقعد في مجلس النواب يحدّدها "الحاصل الانتخابي"، الذي يُحتسَب عبر قسمة عدد الناخبين في الدائرة الانتخابية على عدد المقاعد المخصصة لها. كذلك لدى المواطنين خيار انتقاء مرشّح مفضّل لديهم في دائرتهم الفرعية. في هذا النظام النسبي، أمام اللبنانيين فرصة أفضل لانتخاب مجلس نواب يمثّلهم بكل ما للكلمة من معنى. ففي حين أن الأحزاب قد ترغب في إعادة انتخاب النواب الحاليين والشخصيات السياسية المتنفّذة، بات الناخبون الآن أكثر قدرة على رفع أعضاء الأحزاب السياسية الصغرى، أو الإصلاحيين التكنوقراط، أو المنظِّمين في المجتمع المدني، إلى صدارة اللوائح الانتخابية للأحزاب.

بيد أن القانون يشتمل على إجراءت تقنية تقلل من آثار التمثيل النسبي إلى الحد الأدنى. بما أن "الحاصل الانتخابي" هو معادلة حسابية وليس ثابتاً، فإن العتبة المطلوبة لدخول البرلمان في الدوائر الانتخابية الأصغر حجماً هي أعلى بالمقارنة مع الدوائر الأكبر. في دائرتَي صيدا-جزين وبعبدا، اللتين تحصل كل منهما على خمسة مقاعد، تصل هذه العتبة إلى عشرين في المئة – أي ضعف العتبة الثابتة المحددة بعشرة في المئة التي لحظها القانون أيضاً. أما في دائرة عاليه-الشوف، فعدد المقاعد 13، والعتبة هي بالتالي 7.7 في المئة.

علاوةً على ذلك، يجري تصنيف المرشحين الأفراد بحسب النسبة المئوية للأصوات التفضيلية التي ينالونها في كل واحدة من الدوائر الفرعية الـ27. سوف يكون للناخبين في الدوائر الصغيرة الحجم – الذين يكونون عادةً موالين للقادة المحليين، سواءً بسبب العلاقات العائلية أو الانتماءات الأيديولوجية أو التبعية لشبكات المحسوبيات – تأثير أكبر على تصنيف تراتبية المرشحين في كل دائرة. أما الناخبون في الدوائر الأكبر حجماً، فسوف يجري الانتقاص من تأثيرهم. سيجد المرشحون الإصلاحيون الذين لا يملكون قاعدة نفوذ محلية، إنما الذين تمكّنوا ربما من حشد أصوات في دائرة ما، صعوبة أكبر في التنافس على المقاعد بالمقارنة مع النظام النسبي المحض أو حتى نظام الصوت التفضيلي على مستوى الدوائر الانتخابية.

يشتمل القانون على بعض الإصلاحات الاجتماعية والتقنية التقدّمية. فبعد عقود من النقاشات وحملات الضغط، سوف يتمكن اللبنانيون في الاغتراب من الاقتراع انطلاقاً من البلدان حيث يقيمون بدلاً من الاضطرار إلى السفر إلى لبنان – وسوف تكون لدى الأحزاب السياسية فرصة أقل لشراء الأصوات عن طريق تسديد ثمن تذاكر الطيران، كما فعلت في انتخابات 2005 و2009. سوف يتمكّن المغتربون اللبنانيون أيضاً من اختيار ممثّليهم في مجلس النواب، إنما ليس قبل العام 2022. وهكذا سيصبح باستطاعة هؤلاء المواطنين، الذين تشكّل التحويلات المالية التي يرسلونها إلى لبنان نحو سدس إجمالي الناتج المحلي اللبناني، المشاركة في العملية السياسية على أكمل وجه وبسهولة أكبر.

علاوةً على ذلك، سيصوّت اللبنانيون في يوم واحد، وليس في أربعة آحاد متتالية كما كان الحال في ظل القوانين السابقة. ومع تحديد موعد الانتخابات في أيار/مايو 2018، أمام المسؤولين أحد عشر شهراً لإعداد الخطط الأمنية؛ وتدريب الموظفين في مراكز الاقتراع على القواعد والإجراءات والأساليب؛ وتجهيز صناديق ومراكز الاقتراع وسواها من المنشآت. لدى جميع المشاركين، بدءاً من الأحزاب السياسية وصولاً إلى الجهات المنظِّمة في المجتمع المدني والمستقلين، ما يكفي من الوقت والمساحة راهناً لتنسيق جهودهم الانتخابية والتعاون في هذا المجال وتركيز هذه الجهود.

غير أن القانون الجديد لا يعالج مسائل سياسية واجتماعية بالغة الأهمية. فهو لا يحدّد كوتا للنساء في مجلس النواب، أو يعتمد إجراءات لتعزيز مكانة المرأة في الميدان العام. لا تزال النساء يعانين من النقص في التمثيل في مؤسسات الدولة، ومن التهميش في السياسة. يضم مجلس النواب راهناً أربع نساء فقط من أصل 128 نائباً. وهناك وزيرة واحدة فقط في الحكومة اللبنانية.

كذلك يُبقي القانون على القيود التي تحول دون تمكّن الأكثر فقراً من الترشّح. فقد بات على المرشحين تسديد رسمٍ قدره ثمانية ملايين ليرة لبنانية (5300 دولار أميركي) – أربعة أضعاف الرسم الذي كان معتمداً في العام 2009 – ما يشكّل عائقاً أمام الفقراء والأحزاب الصغيرة والمستقلين. في المقابل، يزيد القانون من المنافع المادية التي يُفيد منها القادة المتنفّذون والأحزاب السياسية. ففي مرحلة الحملات الانتخابية، بإمكان المرشح أن ينفق بموجب القانون مبلغاً يصل إلى مئة ألف دولار فضلاً عن 3.33 دولارات عن كل ناخب مسجّل في الدائرة المعنية – أي بزيادة عشرين في المئة ما يتيح للأحزاب المتنفّذة والأثرياء إنفاق ملايين إضافية في كل دائرة بالمقارنة مع العام 2009. قد تعمد الأحزاب (وهي لا تحصل على أموال من الدولة) إلى تعيين مندوبين وتسديد أتعابهم لمراقبة العملية الانتخابية في مراكز الاقتراع، ما يعني أن الأحزاب الكبرى سوف تُقدِم – كما فعلت في العام 2009 – على توظيف عشرات آلاف الأشخاص الذين لن يكونوا مستعدّين للتبليغ عن المخالفات التي تصبّ في مصلحة حزبهم. فضلاً عن ذلك، يجيز القانون الجديد للمنظمات والمؤسسات – التي يمكن أن تكون بمثابة أدوات للترويج لأشخاص ميسورين أو أحزاب سياسية أو حتى كيانات أجنبية – إنفاق الأموال لتسويق بعض التحالفات أو المرشحين.

أبعد من الشوائب، تتسبّب الطريقة التي اعتمدها السياسيون في إقرار القانون – والتي تمت بصورة أساسية خلف الأبواب الموصدة وخارج إطار المؤسسات الرسمية – في الإبقاء على المساومات التي تنتشر في صفوف النخبة والتي تقوم عليها المنظومة اللبنانية. يُتيح القانون فرصة انتخاب نواب جدد في البرلمان أو المصادقة على سياسات الأحزاب الممثَّلة حالياً في مجلس النواب ومقارباتها، لكنه لا يجعل السياسة اللبنانية حرّة ونزيهة بقدر الأمنيات التي راودت الكثيرين. طوال عقد تقريباً، نادى القادة اللبنانيون بالتمثيل النسبي – وسواه من التدابير – والذي من شأنه أن يتيح للبنانيين المستقلين أن يشقّوا طريقهم نحو مؤسسات الدولة. لكنهم حرصوا عملياً على ألا يتغير أي شيء تقريباً.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

أنطوني الغصين محامٍ وكاتب مقيم في بيروت. لمتابعته عبر تويتر: aelghossain@