حاولت السعودية مؤخراً أن تُقدّم نفسها في صورة سمسار النفوذ الوحيد في المنطقة. وسعت المملكة أيضاً جاهدة لإقناع المستثمرين بأن لديها اقتصاداً مبادِراً ومستداماً جديراً بأن يكون حاضناً للاستثمارات – وقد تجسّدت هذه الجهود في إطار "رؤية 2030"، وهي عبارة عن خطة اقتصادية أُطلِقت في العام 2016 لزيادة المشاركة الاقتصادية المحلية، وتنويع مصادر الدخل، وإنشاء سياق محلي وخارجي مستقر من أجل تحقيق هذه الأهداف. في غضون ذلك، تسلّط الخطوات الأخيرة التي قامت بها الرياض في السياسة الخارجية والتحولات الداخلية في السلطة، الضوء على أن القيادة الشابّة الجديدة في المملكة ستسعى بكل ما أوتيت من قوة لفرض سيطرتها في المنطقة. غير أن الأسلوب الذي تعتمده القيادة في السعي خلف تحقيق هذه الأهداف قد يؤدّي إلى عرقلة خططها الاقتصادية الداخلية.

من التحولات الأكثر أهمية إبعاد ولي العهد محمد بن نايف واستبداله بولي ولي العهد محمد بن سلمان في 21 حزيران/يونيو الماضي. إنه أيضاً التغيير الأبرز في المؤسسة الحاكمة منذ ارتقاء الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدّة العرش. تسليم الأمير الشاب الدفة من أجل قيادة التحول الكبير أمرٌ منطقي، كونه يتولّى زمام مبادرات كبرى في الاقتصاد والسياسة الخارجية. في هذا السياق، تجدر الإشارة في شكل خاص إلى أنه مهندس "رؤية 2030". بيد أن الشائعات عن وجود خلافات داخل آل سعود تثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة سليمة من الناحية السياسية. وقد عمد العاهل السعودي، بغية تأمين الدعم الشعبي لترقية نجله، إلى إصدار مراسيم ملكية لزيادة فرص التوظيف في القطاع العام، وإعادة العمل بعدد كبير من المستحقات والمنافع لموظّفي القطاع العام بعد خفضها أو تعليقها في أيلول/سبتمبر الماضي من أجل كبح عجز الموازنة. تُبطل هذه القرارات مفعول عدد كبير من التغييرات الأكثر محافظية وغير الشعبية في السياسة المالية، وتتناقض مع التركيز الأساسي لـ"رؤية 2030" على خفض الإنفاق الحكومي.

الاستقرار السياسي في السعودية ومكانتها القوية في المنطقة أساس الاتجاه الجديد في سياستها الاقتصادية. غير أن التقارير الإخبارية التي تحدّثت عن وضع ولي العهد السابق محمد بن نايف في الإقامة الجبرية، تُقوِّض السردية التي يروّج لها النظام الملكي عن الانتقال السلس والاستقرار الداخلي. من شأن الإنفاق المكثّف للحد من الاضطرابات الداخلية أن يُلقي بشكوك حول قدرة الحكومة على توسيع القطاع الخاص. تعتمد "رؤية 2030"جزئياً على استقطاب الاستثمارات الخارجية والمحلية المتنوعة، انطلاقاً من الاعتقاد بأنه بإمكان الحكومة المستقرة مساعدة القطاع الخاص على الازدهار عبر وضع سياسات وتوفير الأمن للرأسمال الخاص. غالب الظن أن المستثمرين لن يتحلوا بالثقة لتوظيف أموالهم في بلدٍ حيث انتقال السلطة محاط بالالتباس نظراً إلى وجود ولي العهد السابق في الإقامة الجبرية، وكانه قادر على التسبّب بدرجة معينة من الاضطرابات.

ترافقت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة في أيار/مايو الماضي خلال القمة العربية-الإسلامية-الأميركية، مع قدر كبير من الاستعراض الرمزي عبر تنصيب السعودية في موقع القائد المطلق للمنطقة، والتأكيد من جديد على العلاقات الأميركية-السعودية المستندة إلى السلاح والنفط، وعلى التعاون الاستراتيجي الوثيق في الشؤون السياسية الإقليمية. لقد استخدمت الرياض هذه المظاهر التي ولّدت انطباعاً بأنها تقف في جبهة موحّدة مع الولايات المتحدة، بغية عزل قطر وفرض حصار عليها، متّهمةً إياها بتمويل الإرهاب. غالب الظن أن السبب الأكبر وراء الحصار هو أن السعودية ضاقت ذرعاً بالجهود القطرية (أو المموّلة من قطر) لتقويض سياساتها. لكن وبعيداً من تأكيد النفوذ السعودي في المنطقة – وبسط الاستقرار داخل المملكة، كما كان محمد بن سلمان يأمل على الأرجح – تلقي هذه الخطوات بشكوك حول مستقبل الاستقرار في الخليج، لا سيما مع تراجع الإنتاج النفطي. بدلاً من ذلك، يكشف حصار قطر النقاب عن الشقاق الملموس في المنطقة، والأهم من ذلك، يزيد من حدّة التشنجات السعودية مع الدولتين الحليفتين لقطر، إيران وتركيا. وقد يؤدّي أيضاً إلى اصطدام السعودية بتحديات مشابهة لتلك التي تواجهها في حربها الباهظة الكلفة في اليمن والتي تترتب عنها أضرار واسعة.

تشي الخطوات الآيلة إلى عزل قطر وترسيخ السيطرة في قبضة محمد بن سلمان، بأن الأخير تصرّف بدرجة معيّنة من التعمّد وسبق الإصرار والترصد، انطلاقاً من قائمة المطالب المفصّلة جداً التي رفعتها الرياض إلى قطر، والسرعة في فرض الحصار. لكن وفي حين أن بن سلمان يسيطر على مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وعلى وزارة الدفاع (ناهيك عن تولّيه منصبَي النائب الأول لرئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي)، يؤشر توقيت عزل قطر إلى أن السعوديين على الأرجح لم يفكّروا ملياً في تأثيره المحتمل على اقتصاد بلادهم. على سبيل المثال، درست السعودية، خلال العام المنصرم، طرحاً عاماً أولياً لبيع نسبة خمسة في المئة من شركة أرامكو السعودية، التي تتولى إنتاج النفط في البلاد والتي قد تكون الشركة الأكبر في العالم. يمكن أن تتعرض القيمة المقدّرة لشركة أرامكو (التي تتراوح من 1.5 إلى تريليونَي دولار) للتقلبات في حال اعتبر المستثمرون المحتملون والأفرقاء السياسيون أن السعودية سوف تُضطر إلى خفض موازنة الشركة من أجل مواجهة أعدائها في جهتَين من حدودها. على الرغم من أن إقدام السعودية مؤخراً على خفض الإنتاج النفطي من أجل زيادة الأسعار بما يؤدّي ربما إلى رفع القيمة المقدّرة لأرامكو (من العوامل المساهِمة تراجع العجز المالي وارتفاع أسعار النفط)، تكلل بالنجاح نسبياً، إلا أنه لن ينجح سوى لفترة قصيرة نظراً إلى تقلبات الأسواق. هذا فضلاً عن أن الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية لتنفيذ الأجندة المحلية والخارجية يتعارض إلى حد كبير مع روحية "رؤية 2030".

إذا لم تتمكّن الرياض من احتواء التأثير السلبي للتوريث وأزماتها الإقليمية، فسوف تجد نفسها مضطرة إلى وضع "رؤية 2030" جانباً. إذا كانت السعودية تريد المضي قدماً بتطبيق الرؤية، لم تبقَ لديها سوى خيارات قليلة. فمن أجل تأمين مبلغ الـ72 مليار دولار المطلوب لتنفيذ الرؤية، بإمكانها إجراء زيادة إضافية – أكبر من الزيادة المقررة بمعدل عشرة أضعاف – في صندوق الاستثمارات العامة، أي صندوق الثروة السيادية الذي يرأسه ولي العهد. مع تراجع الاحتياطيات النفطية، والتقلبات في الأسعار، والانخفاض الإجمالي المرجّح في الطلب، تؤمّن "رؤية 2030" التغيير المحتوم في المسار الذي تحتاج إليه المملكة. وهكذا من شأن وضع الرؤية على الرف أن يتسبب في المدى الطويل بتقويض جوهر الدافع الذي يحرّك السعودية – ألا وهو أن تكون قوة إقليمية عظمى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

محمد المشد صحافي وباحث مصري وطالب دكتوراه في كلية الدراسات المشرقية والأفريقية في لندن.