في خضم التحديات المستعصية، ينصب اهتمام رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على بناء سرديات سياسية عن عراق ظافر وقوي حيث تُلحق الأجهزة الأمنية الشجاعة الهزيمة بعدوّ إرهابي فيما تعمل على تحقيق المصالحة الوطنية. لقد استند هجوم الموصل، الذي انطلق في تشرين الأول/أكتوبر 2016، إلى الاعتبارات السياسية في شكل أساسي، مع تعثُّر الحملة الإصلاحية الكبرى التي أطلقها العبادي في آب/أغسطس 2015 والتراجع في الاقتصاد العراقي بسبب تدنّي أسعار النفط. يُتيح انتهاء الهجوم للعبادي فرصةً سانحة لاستخدام التبجّح الخطابي من أجل تجاوز المشكلات التي يفتقر إلى النفوذ والموارد لتسويتها قبل الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها العام المقبل.

لقد أعلن العبادي النصر في الموصل في الخامس من تموز/يوليو الماضي، ثم نُظِّم عرض عسكري احتفالي في بغداد في 15 تموز/يوليو أتاح للعراقيين فرصة الاعتزاز بالقوات المسلحة. وتبنّى سياسيون آخرون سرديات النصر. فقد دعت الكتلة الشيعية في مجلس النواب إلى تسميته "يوم النصر". وأعلن رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، وهو يشغل المنصب السنّي العربي الأرفع في البلاد، بأبّهة ووقار: "اليوم أصبح [النصر] حقيقة، وداعش ولّت إلى الأبد". هذا المجهود الآيل إلى توليد سرديةٍ جديدة أمرٌ لا بدّ منه كي يتمكّن العبادي من اجتياز العام الأخير من ولايته. يرفع منتقدوه في الداخل – وبينهم عراقيون ذوو شكاوى مشروعة وخصومٌ سياسيون يستغلون المشكلات بنزعة تهكّمية – والحلفاء والمانحون في الخارج، مطالب لن يتمكّن على الأرجح من تلبيتها قبل الانتخابات. والسبب هو أن العبادي يواجه تحدّيات في المجالَين الأمني والاقتصادي تفتقر الدولة إلى القدرات المؤسسية لمعالجتها.

من النقاط المتكرّرة في هذه السردية الحديث عن مهنيّة الأجهزة الأمنية وعلاقاتها الطيّبة مع المواطنين في الموصل وسواها من المناطق المحرَّرة. قال العبادي، في المؤتمر الصحافي الذي عقده في 25 تموز/يوليو الماضي، إن "تعامل القوات الأمنية كان راقياً وإنسانياً مع المواطنين والنازحين. فعلاً ضربت هذه القوات أوعى الأمثلة في حماية المدنيين والنازحين والاهتمام بهم والحرص عليهم". كما أنه رفض مراراً وتكراراً تقارير المنظمات غير الحكومية عن الانتهاكات وأحكام الإعدام غير القانونية في الموصل، قائلاً في 12 تموز/يوليو: "أنا لا أنفي أن البعض هنا وهناك يتجاوز على المواطنين، ولكننا لا نرضى بذلك. في كل حرب وكل مواجهة، هناك شذوذ... أطلب من هذه المنظمات أن تحقق في صفوفها... ما هي مصادر معلوماتها؟... هل نسلّمهم بلدنا؟ نسلّم بلدنا كله للإرهاب؟... هؤلاء الأبطال هم المدافعون عن حقوق الإنسان!". يعكس موقفه النظرة السائدة في أوساط المؤسسة السياسية العراقية.

أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فضلاً عن منظمات غير حكومية أخرى، تقارير عدّة أوردت فيها أدلّة وإثباتات عن الإعدامات وسوء معاملة السجناء، وقد باتت جزءاً أساسياً في التقارير التي تعدّها وسائل الإعلام الدولية عن الموصل. إلا أننا لا نستشفّ نمطاً واضحاً من التعصّب المذهبي في الممارسات، وعددٌ كبير إنما يتعذّر إحصاؤه من عمليات الإعدام نُفِّذ على أيدي مواطنين سنّة يثأرون من أبناء قومهم السنّة. الجزء الأكبر من الاهتمام الذي يتم إيلاؤه للإعدامات غير القانونية مصدره شخصيات أو وسائل إعلامية لا تتمتع بالمصداقية وتقدّم الدعم للتمرد السنّي أو عملت مع تنظيم الدولة الإسلامية في السابق. واقع الحال هو أن عدداً كبيراً من عمليات الإعدام مدفوعٌ في معظم الأحيان بالاعتقاد الواسع النطاق بأن الفساد في القضاء سوف يُتيح لعناصر الدولة الإسلامية المشتبه بهم شراء حريتهم والإفلات من العقاب. لقد توصَّل تقرير استقصائي نشرته صحيفة "تلغراف" عن المحكمة الوحيدة في شمال العراق التي تقوم بمحاكمة أشخاص يُشتبَه في ضلوعهم في الإرهاب، إلى أن التعذيب ممارسة روتينية في البلاد، والوفاة بسبب سوء المعاملة أمرٌ شائع، والإجراءات القضائية سطحية ومتسرّعة في شكل عام. خلافاً لما حصل في بغداد في العام 2005 ثم 2006، لا تمارس الميلشيات الشيعية التطهير المذهبي، بيد أن القوات الأمنية النظامية تعمد إلى إعدام المشتبه بهم بدلاً من إحالتهم إلى القضاء الذي لا يثق به أحد.

على الرغم من أن هذه المسألة قد لا تكون ذات أهمية بالنسبة إلى معظم وسائل الإعلام العراقية، أو قد لا يكون لها تأثير كبير في السياسة الداخلية، إلا أن الإعدامات الميدانية تؤثّر سلباً في صورة العبادي في نظر الأفرقاء الدوليين، ومن غير المرجّح أن يتخذ تدابير جدّية في هذا المجال. فنظراً إلى أن رفض العبادي لهذه التقارير الصادرة عن المنظمات غير الحكومية يعكس وجهة النظر السائدة داخل المؤسسة السياسية، إنه الردّ الوحيد الملائم سياسياً الذي يمكنه اللجوء إليه. حتى لو كان العبادي مستعدّاً للمجازفة بمستقبله السياسي عبر الضغط في هذه المسألة، فإن الأوامر بتوقيف العناصر الأمنيين ومحاكمتهم قد لا تلقى طريقها نحو التنفيذ، كما أنه لا يتوافر إطار قضائي موثوق للقيام بهذه الإجراءات. مع ذلك، فإن السجال حول ممارسات القوى الأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يطارد العبادي.

على الجبهة الاقتصادية، ثمة حاجة إلى إعادة الإعمار في البلدات المحرّرة بعد الدمار الذي ألحقه بها تنظيم الدولة الإسلامية والعمليات المطوّلة التي شُنَّت ضده. تُروّج الحكومة لصندوق جديد لإعادة الإعمار، لكنها تلتمس التبرعات الخارجية، نظراً إلى أن بغداد لا تملك ديناراً واحداً لإنفاقه على إعادة إعمار المناطق التي عاثت فيها الحرب فساداً. على سبيل المثال، من أصل 100.7 تريليون دينار (86 مليار دولار) هي قيمة الإنفاق الإجمالي في قانون الموازنة للعام 2017، تُخصَّص نسبة 75 في المئة تقريباً للنفقات التشغيلية، في حين أن الباقي عبارة عن نفقات رأسمالية. من أجل استيفاء النفقات التشغيلية، تحتاج الحكومة إلى إيرادات تفوق 4.7 مليارات دولار في الشهر، ونظراً إلى تدنّي حجم العائدات غير النفطية، يُفترَض بالعائدات النفطية أن تؤمّن الجزء الأكبر من تلك الإيرادات. في شهر حزيران/يونيو، وبسبب التراجع في أسعار النفط، لم تتعدَّ الإيرادات التي حققتها بغداد 4.2 مليارات دولار أميركي. يُشار إلى أن كانون الثاني/يناير هو الشهر الوحيد هذا العام الذي سجّل إيرادات كافية، 5.0 مليارات دولار، للاستثمار الرأسمالي، في حين أن الرقم كان أقرب إلى نقطة التعادل بين الإيرادات والنفقات في الأشهر الأخرى.

إذاً، وفيما يجري الكلام عن إعادة بناء المدارس في الموصل، لا مجال لمزيد من الإنفاق في الموازنة المخصّصة لقطاع التعليم. لقد بلغ مجموع مخصصات وزارة التربية في العام 2017، 1.46 مليار دينار (1.25 مليون دولار)، وخُصِّصت نسبة تفوق الـ99 في المئة من هذا المبلغ للنفقات التشغيلية، مع استخدام نسبة 85 في المئة تقريباً من هذه النفقات – 1.25 مليار دينار (1.07 مليون دولار) – لتسديد تعويضات الموظفين التي تشكّل مصدر إنفاق أساسياً في المدارس. في غياب مصادر جديدة للمساعدات الخارجية، المبالغ المتوافرة لإعادة الإعمار أقرب إلى الصفر، وهذا هو حالها منذ بعض الوقت: فالمدن التي جرى تحريرها منذ فترة طويلة، على غرار الرمادي والفلوجة، لا تزال أنقاضاً وركاماً في الجزء الأكبر منها.

على نطاق أوسع، كانت الإصلاحات الاقتصادية المحدودة في الأعوام القليلة الماضية غير كافية لتوليد مزيد من العائدات غير النفطية. على سبيل المثال، كانت الموصل مركزاً صناعياً كبيراً قبل العام 2014، وعلى الرغم من أن الدولة الإسلامية حوّلت عدداً كبيراً من ورش العمل في المدينة إلى مصانع للقنابل والعبوات الناسفة، يمكن أن تصبح هذه البنى التحتية، في نهاية المطاف، ركيزة للانبعاث الاقتصادي. بيد أن هذه المصانع هي جزءٌ من شبكة مرتبطة بوزارة الصناعة، والتي يُفترَض بها أن تموِّل نفسها عن طريق مبيعات المنتجات، لكنها لطالما اعتمدت في الممارسة على الدعم المالي الحكومي. شهدت الوزارة، في عهد العبادي، دمجاً للشركات التي تقوم بتصنيع منتجات متشابهة بغية التوفير في الأكلاف. مع ذلك، لا يزال القطاع الصناعي عبئاً على الدولة – تنفق الوزارة أكثر من 98 في المئة من موازنتها على الأكلاف التشغيلية، فلا يبقى هناك مجال كافٍ لرفع مستويات الاستثمار، كما أنها تقترض ثلاثمئة مليون دولار إضافية سنوياً لتسديد رواتب العمّال. السبب بسيط: من أصل 33 شركة جرى دمجها مؤخراً، اثنتان فقط تحققان أرباحاً، بحسب رئيس مكتب التخطيط في وزارة الصناعة. لذلك فإن أي خطة لإعادة بناء الاقتصاد لا تتطلب أموالاً للتدريب والتكنولوجيا وحسب، إنما أيضاً تغييراً في ثقافة الأعمال بغية إدارة المصانع بطريقة أكثر فعالية وكفاءة.

تُعِدّ المؤسسة السياسية العدّة للانتخابات الوطنية المقبلة، التي يُرجَّح إجراؤها في نيسان/أبريل أو أيار/مايو 2018. لقد بدأ العبادي باستخدام الموصل أداة محورية في خطبه وتصريحاته للمحاججة بأن هذا النصر تحقّق لأن الإصلاحات التي أجرتها حكومته ساهمت في تعزيز القوة العسكرية، وللمطالبة بأن يتحلّى القادة المدنيون بالشجاعة نفسها التي أظهرها القادة العسكريون الذين عيّنهم وقاموا بتحرير الموصل. من غير المرجّح أن تنطلق عملية سريعة لإعادة الإعمار، كما أنه يُستبعَد أن تكون هناك استجابة جوهرية وفعلية للانتقادات الدولية حول مسار الحرب. تحتاج إعادة الإعمار وتحقيق التحديث الكامل للأجهزة الأمنية والقضائية التابعة للدولة، إلى سنوات طويلة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل محلل متخصص في المخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics التي تصدر كل أسبوعَين. لمتابعته عبر تويتر: UticaRisk@