الهجوم الناجح الذي شنّه حزب الله ضد مقاتلي هيئة تحرير الشام عند الحدود اللبنانية-السورية في أواخر تموز/يوليو الماضي، دفعَ بالميليشيا المدعومة من إيران إلى بلوغ مستويات سياسية مرتفعة جديدة، داخل لبنان والمنطقة الأوسع على السواء. الانتصار الذي حقّقه التنظيم في عرسال – والمتمثّل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار حيث وافقت هيئة تحرير الشام بموجبه على الخروج من لبنان – يجعله أكثر تداخلاً مع المؤسسات السياسية والعسكرية في البلاد.

في 26 تموز/يوليو الماضي، أطلّ أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، في خطاب متلفَز أثنى فيه على الانتصارات الأخيرة التي حقّقها مقاتلوه ضد هيئة تحرير الشام التابعة سابقاً لتنظيم القاعدة في محيط عرسال وعلى الحدود مع سورية. لم يكن خطاب نصرالله موجَّهاً لأتباعه وحسب، إنما أيضاً للجمهور الأوسع، معلناً أن هذا النصر يهدونه "إلى كل اللبنانيين وإلى كل شعوب المنطقة التي عانت وتعاني من الإرهاب التكفيري".

عمد حزب الله، على امتداد المعركة الأخيرة، إلى تضخيم رسالته القومية، وقد تجلّى ذلك في خطاب نصرالله الأخير، إنما ظهر أيضاً في التقارير من ساحة المعركة وحتى في الرسوم الكاريكاتورية السياسية. فقد جرى تشارُك عدد كبير من الصور ومقاطع الفيديو عبر حسابات على صلة بالحزب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يظهر فيها مقاتلو الحزب وهم ينزعون أعلام المتشدّدين ويستبدلونها بالعلم اللبناني في الأعلى وعلم حزب الله تحته. وقد تكرّرت هذه الصورة على الوثائق الخاصة بالعملية، وظهرت فوق كتف نصرالله اليمنى خلال خطابه في 26 تموز/يوليو. وظهر في صورة أخرى مقاتلون من حزب الله يحملون رايات عليها صور وأسماء جنود في الجيش اللبناني قضوا في القتال، ما يساهم بصورة مطردة في ترويج الوحدة والتعاطف المشترَك بين التنظيم الشيعي والجيش اللبناني.

في إحدى مجموعات الرسوم الكاريكاتورية، أطلقت وسائل الإعلام التابعة لحزب الله حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدا أن الهدف منها هو التشديد على دور الحزب في حماية الدولة والشعب في لبنان. تَظهر في أحد الرسوم الأرزة في وسط العلم اللبناني تُوجِّه تحيةً إلى مقاتلي حزب الله مع إرفاق الصورة بالتعليق الآتي: "مقاومة تحمي وطناً"، في حين يظهر في صورة ثانية العلَم اللبناني متوجِّهاً بالقول إلى علم حزب الله: "والله أنا بكبر فيكن". تَشي هذه الحملات  - فضلاً عن شعار "جيش شعب مقاومة" الذي يبذل حزب الله جهوداً متجدِّدة من أجل ترويجه، والتغطية الإعلامية لأحداث عرسال التي بدت مؤيّدة لحزب الله في المجمل – بأنه لدى التنظيم هدفٌ واضح يسعى من خلاله إلى تعزيز شعبيته داخل لبنان وترسيخ روابطه مع المؤسسات الأمنية في الدولة، بعدما كانت شعبيته قد تراجعت بطريقة لافتة منذ انضمامه إلى الحرب في سورية – حتى في أوساط قاعدته الشيعية، وذلك بسبب المعارك الضارية التي خاضها وأعداد الضحايا في صفوفه التي تُقدَّر بـ1048 ضحية.

لم تكن نبرة نصرالله القومية أمر جديد، غير أن السياق الذي وردت فيه مختلفٌ إلى حد كبير بالمقارنة مع الأعوام الخمسة الماضية. حزب الله في حالة صعود راهناً. عندما دخل التنظيم على الملأ الحرب في سورية المجاورة، لم يكن جاهزاً للمهمة التي تنتظره. تكبّدَ خسائر كبيرة، مع وقوع تفجيرات في قلب معاقله. سقط عدد كبير من الضحايا في صفوف مقاتليه، وبما أنهم كانوا يركّزون سابقاً على محاربة إسرائيل، كانوا يفتقرون إلى التدريب والاستراتيجية لمحاربة عدوٍّ يعتمد أسلوباً في القتال شبيهاً إلى حد كبير بأسلوب الحزب. لم يصدّق مَن هم خارج دائرة الدعم المباشرة للحزب الرواية التي تحدّثت عن أن الحزب يقاتل لحماية جميع اللبنانيين من التكفيريين والحؤول دون وصول الحرب السورية إلى لبنان. هذا كان قبل صعود الدولة الإسلامية أو هيئة تحرير الشام في إدلب، وكذلك قبل تأقلم حزب الله مع القتال في سورية، واكتسابه روسيا حليفاً دولياً قوياً، وإظهاره قدرته على أن يكون شريكاً مُجدياً إلى جانب الأفرقاء الدولتيين.

على الرغم من أن الثوّار السوريين والتنظيمات الجهادية ينشطون في ضواحي عرسال عند الحدود اللبنانية-السورية منذ العام 2013، إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية وهيئة تحرير الشام أصبحا متجذّرَين بقوة في المنطقة الجبلية بعد جولات القتال العنيفة في العام 2014. يحقق حزب الله حتى تاريخه نصراً ميدانياً ودعائياً في الجولة الأخيرة من النزاع العسكري المفتوح ضد المجموعات الثورية السورية في منطقة القلمون. لن تطبع الهزيمة المرجّحة لمقاتلي الدولة الإسلامية عند الحدود اللبنانية-السورية، نهاية الوجود العسكري للثوّار على الأراضي اللبنانية وحسب، بل ستمنح أيضاً اندفاعة إضافية لخطاب حزب الله الذي يردّد من خلاله أن تدخّله في الحرب الأهلية السورية دعماً لنظام الأسد كان ضرورياً – ليس فقط من أجل حماية السيادة اللبنانية والحد من تداعيات الحرب السورية. إنما كان الهدف أيضاً من المشاركة في القتال تأمين استمرار تدفق الأسلحة من إيران إلى حزب الله.

تدخُّل القوات المسلحة اللبنانية، وحملتها المقبلة ضد الدولة الإسلامية، منطقيان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أداة العنف القانونية التي تلجأ إليها الحكومة. غير أن تدخّل الجيش اللبناني جاء نتيجة الضغوط التي مارسها حزب الله لنقل المعركة إلى عقر دار هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية، مع إعلان نصرالله على الملأ في 11 تموز/يوليو إرسال مقاتليه إلى عرسال. على الرغم من حصول الجيش اللبناني على مساعدات خارجية قدرها 80 مليون دولار أميركي، إلا أن إمكاناته العسكرية غير قادرة على مضاهاة إمكانات حزب الله (الذي يحصل على نحو مئة إلى مئتَي مليون دولار من إيران سنوياً للخدمات السياسية والاجتماعية فقط، فضلاً عن المساعدات العسكرية). لطالما كان وجود الجهاديين في عرسال يطرح مشكلة، ولم يتمكّن الجيش اللبناني، على الرغم من تأديته دوراً دفاعياً مهماً، من بذل أي جهود مُجدية لطردهم. في حين يمارس حزب الله وحلفاؤه اللبنانيون ضغوطاً على القوات المسلحة اللبنانية لقيادة المعركة، لم يكن أمام الجيش من خيار سوى شنّ العملية، حتى ولو كان يعلم أن ذلك سيُثير غضب المموّلين الدوليين لا سيما الولايات المتحدة والسعودية، بسبب التنسيق مع حزب الله، وأن الفضل في نجاح العملية سيُنسَب في نهاية المطاف إلى الحزب. لو لم يبادر الجيش اللبناني إلى شنّ العملية، كان ليبدو – ومعه الدولة اللبنانية – ضعيفاً، ما يولّد شكوكاً متزايدة لدى الرأي العام بشأن قدرته على حماية البلاد. يرتدي ذلك أهمية بالغة لا سيما على ضوء إعلان رئيس الجمهورية، ميشال عون، وهو حليف لحزب الله، أن الميليشيا الشيعية أساسية من أجل الدفاع عن لبنان. ومع تزايد التعاون بين الجيش اللبناني وحزب الله في العامَين 2013 و2014 في المسائل المتعلقة بأمن الحدود، يبدو أن الجيش يستخدم أيضاً ميليشيا حزب الله بمثابة مصدر قيِّم للاستخبارات يُتيح له الحؤول دون وقوع مزيد من التفجيرات داخل لبنان. بناءً عليه، الجيش اللبناني أسيرٌ لدى حزب الله إلى حد كبير.

يرغب حزب الله في زيادة شعبيته في الداخل، لا سيما على مشارف الانتخابات التشريعية المقبلة التي من المرتقب إجراؤها في أيار/مايو 2018، وذلك بموجب القانون الانتخابي الجديد الذي يمنح المعسكر الموالي لحزب الله فرصة أفضل في دوائر كانت تخضع تقليدياً لسيطرة خصومه. يحاول الحزب، عبر ربط عملياته ضد المقاتلين في المنطقة الحدودية بالمصلحة الوطنية والسيادة اللبنانية وبهويةٍ تتجاوز الخطوط الفاصلة الطائفية، أن يكتسب مزيداً من الشعبية. لهذا الأمر تأثيرٌ إضافي يتمثّل في إظهار تصميمه وعزيمته أمام القاعدة الداعِمة له، ليس في صفوف الشيعة وحسب إنما أيضاً في صفوف حلفائه المسيحيين. في هذا السياق، كان الهدف من الموكب الذي سار فيه مقاتلو حزب الله المحرَّرون في الثالث من آب/أغسطس الجاري في منطقة القاع، والذين جرى تحريرهم في إطار المفاوضات مع هيئة تحرير الشام – كان الهدف إذاً طمأنة الحلفاء المسيحيين بشأن تصميم الحزب على حماية الطائفة في مواجهة عدوٍّ كان ليقوم بإخضاعها، في حال نجاحه، أو كان ليفعل ما هو أسوأ من ذلك. كما أن الرسائل التي وجّهها حزب الله إلى مختلف الأديان ومعركته ضد تنظيمات أخرى مصنَّفة في خانة الإرهاب، بما في ذلك الحملة المناهضة للدولة الإسلامية في العراق، ساهمت في تليين صورته على الساحة الدولية – إلى درجة أن القوات الخاصة الأميركية، التي أكّدت وزارة الدفاع الأميركية في الثالث من آب/أغسطس وجودها في لبنان لتأمين التدريب والدعم، قد تلتحق بالجيش اللبناني وتخوض قتالاً ضد الدولة الإسلامية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية في مجهود منفصل عن الجيش السوري وحزب الله إنما بالتنسيق معهما.

يسعى حزب الله، عبر تقديم نفسه بأنه يقاتل من أجل مصلحة لبنان، إلى الحصول على الدعم من الرأي العام في لبنان، ولا سيما في أوساط اللبنانيين من غير الشيعة، ما يتسبّب بتقويض الدولة اللبنانية ويقدّم تبريرات إضافية لوجود الحزب المستمر كفريق مسلّح غير دولي. يولّد ترويج الخطاب والرموز القومية، التي تلقى أصداءً في أوساط المواطنين وتحمل إمكانية استقطاب اللبنانيين من مختلف الأطياف السياسية، الثقة بما يقوم به حزب الله. ليس المقصود بذلك أن الحزب يعتقد أنه سيكسب شعبية هائلة خارج القاعدة الداعِمة له، بل إنه يعتبر أنه قادر على نشر شعور عام بين اللبنانيين بأن دوره المسلّح ضروري ولا بد من استمراره. بعد سنوات عدة من الخبرة في سورية، يصوّر حزب الله نفسه بأنه حامي لبنان من التهديدات الجهادية في أي نزاع مستقبلي مع إسرائيل. يؤدّي التنظيم المموَّل من إيران دوراً أكبر في المنطقة – يتجلّى من خلال تدخّله في سورية والعراق واليمن – ويقتضي منه هذا الدور ترسيخ نفوذه أكثر في لبنان.

تطبع عملية عرسال أيضاً تنسيقاً غير مباشر لم يسبق له مثيل بين الدولة اللبنانية والنظام السوري عن طريق حزب الله في دور الوسيط. وقد يشكّل ذلك الأساس لتطبيع العلاقات بين الدولة اللبنانية والنظام السوري برئاسة بشار الأسد. يتجلّى هذا الاحتمال بالوضوح الأكبر في ترحيل أكثر من عشرة آلاف لاجئ سوري وإعادتهم إلى بلادهم منذ عملية عرسال، انطلاقاً من مشاعر العداء للاجئين التي يتشاركها حزب الله والدولة اللبنانية. لقد وجّه كل من الرئيس عون ونصرالله دعوات متكرّرة إلى حكومة سعد الحريري لاستئناف العلاقات مع نظام الأسد من أجل تسهيل عودة اللاجئين السوريين من لبنان إلى ديارهم. وقد أغار سلاح الجو السوري، كما أُفيد، على أهداف في سهل البقاع دعماً لمعركة عرسال. لكن يبقى أن نرى إذا كان الجيش اللبناني سوف يعمد إلى التنسيق في شكل مباشر مع نظام الأسد لمواصلة العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في عرسال، وإذا كانت حكومة الحريري ستُقدِم على تطبيع العلاقات مع الأسد.

في هذه المرحلة، ليس واضحاً إلى أي حد يمكن أن تكون الدولة اللبنانية مرنة في تعاونها مع حزب الله في المستقبل – لا سيما على ضوء قيام الحزب بتأكيد نفسه في صورة قوة الشعب. مما لا شك فيه أن توطُّد العلاقات بين الجيش اللبناني وحزب الله – ليس في قضية عرسال وحسب، إنما أيضاً من خلال تعزيز تبادل الاستخبارات حول سورية والتنسيق في مسائل أمنية داخلية أخرى على غرار التصدّي للتيار السلفي المتشدد بقيادة أحمد الأسير في صيدا في العام 2013 – سوف يؤدّي إلى استفحال المخاوف المذهبية في أوساط الطائفة السنّية. فقد أشارت تقارير إلى أن السنّة في لبنان، لا سيما في طرابلس، يفقدون ثقتهم بحياد الجيش. وقد يغرق الجيش عميقاً في الفخ الطائفي على ضوء النظرة التي تعتبر أنه يتقرّب من التنظيم الشيعي. علاوةً على ذلك، من شأن تعزيز العلاقات بين الجيش اللبناني وحزب الله أن يثير مخاوف لدى الولايات المتحدة (يحتل لبنان المرتبة السادسة في حجم المساعدات العسكرية الأميركية)، وبلدان أخرى على الساحتَين الدولية والإقليمية، من أن الدولة اللبنانية تخدم المصالح الإيرانية في المنطقة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

عبد الرحمن المصري صحافي وزميل أبحاث في مشروع سلامتك في مؤسسة سيكديف (SecDev Foundation). لمتابعته عبر تويتر: AbdulrhmanMasri@. ألكسندر كورباي زميل أبحاث في مؤسسة سيكديف وزميل متخصص بالمجال الرقمي لدى معهد مونريال لدراسات الإبادة وحقوق الإنسان. لمتابعته عبر تويتر: alex_corbeil@