وافقت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في ليبيا على المسوّدة النهائية لدستور جديد في 29 تموز/يوليو الماضي. وقبل ذلك بأربعة أيام، استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء المعترَف به دولياً فايز السراج وخصمه خليفة حفتر في باريس، حيث اتّفقوا على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية "بأسرع وقت ممكن". مع انعقاد الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 أيلول/سبتمبر المقبل، يُتوقَّع أن يقوم ممثل الأمم المتحدة الخاص الجديد في ليبيا، غسان سلامة، بإعداد خطة أو خريطة طريق قد تشتمل على دعم الأمم المتحدة للدستور الجديد والانتخابات اللاحقة – على أن تكون مسوّدة الدستور التي وضعتها الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الخطوة الأولى نحو الاستقرار. يعاني مشروع الدستور، الذي يشكّل جزءاً مهماً من هذه الخطة، من الشوائب في مجالات عدة، إلا أنه سيكون على الليبيين أن يقرّروا قريباً إذا كان بإمكانه معالجة أزمة الشرعية المستفحِلة التي تتخبّط فيها معظم المؤسسات الليبية.

تمت الموافقة على مشروع الدستور من دون استشارات واسعة النطاق أو نقاش عام، كما أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور انتُخِبت قبل ثلاث سنوات ونصف السنة بنسبة اقتراع متدنّية جداً – أقل من خمسين في المئة من الناخبين المسجّلين الذين كانوا بدورهم يشكّلون سدس الليبيين فقط – ومنذ ذلك الوقت، لم تُجرِ استشارات تُذكَر مع المجتمع المدني والأفرقاء السياسيين. يُشار أيضاً إلى أن نسبة تمثيل الأقليات الثلاث الأبرز – التبو والطوارق والأمازيغ – ضئيلة في الهيئة. تعتبر هذه الأقليات، التي جُرِّد بعضها من الجنسية في عهد القذافي، أن مشروع الدستور قد يتسبّب بتعميق مشاعر التهميش، لا سيما وأنه يفرض تعليق التجنيس لمدّة عشر سنوات.

في ما يتعلق بمؤسسات الدولة، منظومة الضوابط والتوازنات ضعيفة. سوف تتخذ غرفتان تشريعيتان منتخَبتان بصورة مباشرة، وهما مجلس الشيوخ ومجلس النواب، من بنغازي مقراً لهما؛ وسوف تتألف السلطة التنفيذية، ومقرها طرابلس، من رئيس البلاد ورئيس وزرائه الذي يتولى منصبه عن طريق التعيين، وحكومته؛ وسوف تتخذ المحكمة الدستورية من مدينة سبها مقراً لها. إلا أنه يجوز للرئيس إجراء استفتاء لحل مجلس الشورى (المادة 109)؛ وإعلان حال الطوارئ على أن يُقرّها مجلس الشورى بالأكثرية البسيطة (المادة 187)، والتي يستطيع بموجبها فرض قيود على "الحقوق والحريات الأساسية... بالقدر الضروري للمحافظة على الأمن العام والسلامة العامة للبلاد" (المادة 189). فضلاً عن ذلك، لا يحدّد الدستور آلية انتخاب المجلس الأعلى للقضاء، أي الهيئة التي تشرف على استقلال السلطة القضائية، وينص في هذا الإطار على أن مجلس الشورى سيضع مشروع قانون للبتّ في هذه التفاصيل، مع الاكتفاء بأكثرية عادية لإقراره (المادة 126).

بعد سنوات من الانقسامات المؤسسية بين التحالفَين المتناحرين – عملية الكرامة المناهضة للإسلاميين بقيادة اللواء خليفة حفتر والتي تتركّز في شكل أساسي في شرق البلاد في مقابل تحالف فجر ليبيا المؤلّف من ميليشيات تتحدّر في معظمها من البلدات الغربية في البلاد – تنص الخطة الجديدة على الموافقة على المراجعة الدستورية وإجراء الانتخابات من أجل استبدال الاتفاق السياسي الليبي الذي جرى التوصل إليه بوساطة من الأمم المتحدة وبقيادة فايز السراج. ينتهي العمل بالاتفاق السياسي الليبي، الذي وجد صعوبة في كسب الدعم والشرعية، بعد سنتَين من تاريخ توقيعه في 17 كانون الأول/ديسمبر 2015 (بحسب القراءة السائدة في القاهرة وأبوظبي وشرق ليبيا)، ما يجعل البلاد من دون قواعد أساسية متَّفق عليها. لقد أظهرت انتخابات 2014 أنه في غياب هذا الإطار المؤسسي الذي من شأنه دفع المعنيين إلى التوصل إلى حلول توافقية، يمكن أن تتسبّب الانتخابات بتأجيج العنف بدلاً من بسط الاستقرار في البلاد.

بعد التصويت في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، ووفقاً للقواعد المعمول بها التي جرى إقرارها في العام 2014، أمام مجلس الشورى 30 يوماً للدعوة إلى إجراء استفتاء حول نص الدستور. يجب أن يحظى مشروع الدستور بموافقة ثلثَي الناخبين، وإلا أمام الهيئة ثلاثون يوماً إضافياً لتعديله وإجراء استفتاء جديد. بعد أن يصبح الدستور نافذاً، أمام مجلس الشورى، بموجب أحكام الدستور الجديد، ثلاثة أشهر لإقرار القوانين التي تنظّم الانتخابات، على أن تجرى هذه الانتخابات في غضون ثمانية أشهر من البتّ في القوانين المذكورة. من شأن خريطة الطريق هذه أن تمنح ليبيا، في غضون عام واحد، دستوراً جديداً، ورئيساً منتخَباً، وغرفتَين في مجلس الشورى، ما يضع على الأرجح حداً لأزمة الشرعية التي تعاني منها المؤسسات راهناً.

الرجل الذي يحمل مفتاح هذه العملية هو رئيس مجلس النواب عقيلة صالح. ينبغي على المجلس أن يوافق أولاً على قانون الاستفتاء، الأمر الذي يتيح بدوره للمصرف المركزي صرف الأموال الضرورية لتنظيم الاستفتاء على الدستور. وفقاً لأستاذ القانون الليبي عزة مغور، ليست لمجلس النواب صفة قانونية تُخوّله الاعتراض على هذا القانون، لكن واقع الحال هو أن عقيلة صالح قد يعمد إلى تأجيل هذا التصويت لأسابيع إن لم يكن لأشهر.1 يعارض صالح الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وحاول مراراً وتكراراً حلّها، خشية أن تتسبّب خريطة الطريق الدستورية والانتخابات بتهميشه. يقضي حكم صادر عن محكمة استئنافية في مدينة البيضاء شرق البلاد في 17 آب/أغسطس الجاري، بإبطال التصويت الذي أجري في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور والذي كانت نتيجته الموافقة على المسودة النهائية؛ سوف تنتقل القضية إلى المحكمة العليا في طرابلس، غير أن هذا التأخير يصب في مصلحة رئيس مجلس النواب.

بيد أن رئيس الوزراء المعترف به دولياً السراج يرى في خريطة الطريق الدستورية فرصة للبقاء في السلطة سنة إضافية على الأقل، بانتظار إجراء انتخابات برلمانية جديدة. وفي حين أن خليفة حفتر قد لا يروقه أن الدستور الجديد يفرض بعض القيود على سلطات الرئيس، إلا أنه من الممكن أن يدعمه ما دام يتيح له الترشّح لمنصب الرئاسة (لهذه الغاية، سيكون عليه التخلي عن الجنسية الأميركية التي يمتلكها إلى جانب الجنسية الليبية). علاوةً على ذلك، من شأن التسريع في إجراء الانتخابات أن يُتيح لحفتر استثمار الانتصارات العسكرية والسياسية الكبيرة التي حققها مؤخراً: تحرير بنغازي؛ والاعتراف الدولي الذي حصل عليه في قمة باريس؛ والدعم الذي يحظى به في مختلف أنحاء البلاد، والذي يستمدّ الزخم من غياب الثقة بالسراج. أما في حال استغرق تنظيم الانتخابات وقتاً طويلاً، فقد يصطدم حفتر بخيبة الأمل الشعبية من أسلوبه في إدارة الأراضي التي سيطر عليها مؤخراً، مثل بنغازي التي سوف تتطلب عملية مكلفة لإعادة الإعمار. في غضون ذلك، قد تظهر انقسامات داخل معسكره على خلفية الاختيار بين ترسيخ السيطرة على برقة أو التقدّم نحو طرابلس.

من الخيارات المطروحة وضع العملية الدستورية جانباً بانتظار تراجع حدّة النزاع، والتركيز على سلسلة محدودة من التعديلات للاتفاق السياسي الليبي المعمول به راهناً، والذي هو عبارة فعلياً عن دستور مصغّر يعرض بالتفصيل آلية سير العمل في مؤسسات الدولة. بموجب هذا الاقتراح، يتم خفض عدد أعضاء المجلس الرئاسي الحالي من تسعة إلى ثلاثة فقط  (ويريد أنصار حفتر أن يكون هذا الأخير أحد هؤلاء الأعضاء). يُعتبَر تعديل الاتفاق السياسي الليبي الخيار المفضّل بالنسبة إلى عدد كبير من أتباع حفتر في شرق ليبيا. ويحظى هذا التعديل بالدعم من مصر، حتى إن له بعض المؤيّدين في أوساط القوى الداعِمة للسراج. غير أنه يتطلب وقتاً طويلاً: ففي حين أن الجميع قد يوافقون على الأرجح على أن يكون المجلس الرئاسي مؤلفاً من ثلاثة أعضاء فقط، يمكن أن يستغرق اختيار هؤلاء الأعضاء في غياب الانتخابات وقتاً طويلاً – بحسب ما لمسته الأمم المتحدة ومصر.

من الوسائل الأخرى لتخطّي الاعتراض على خريطة الطريق قيام الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور بإبطال البند الذي يمنع إجراء أي تعديلات في نص الدستور في السنوات الخمس المقبلة، وتركه مفتوحاً أمام المراجعات – على أن يُفرَض مثالياً الحصول على غالبية مطلقة من الثلثَين لإجراء تعديلات، وذلك حرصاً على التوافق. وهكذا تصبح لليبيا قواعد أساسية تنظّم سير العمل في المؤسسات وإجراء الانتخابات، إنما تصبح لديها أيضاً منظومة لتغيير تلك القواعد وتحسينها. بحسب الاقتراح الذي تقدّمت به المنظمة غير الحكومية "محامون من أجل العدالة في ليبيا"، يجب أن يستوفي الاستفتاء على الدستور شرطَين اثنين كي تكون نتائجه نافذة: تسجيل حد أدنى من نسبة الاقتراع، وإجراء الاستفتاء بعد بضعة أشهر، ما يمنح الليبيين وقتاً كافياً لقراءة النص الجديد ومناقشته، على أن تُجرى الانتخابات في مرحلة لاحقة. يتيح ذلك تلبية عدد من المعايير المهمة في الفترة الفاصلة: تأمين الخدمات العامة للسكان؛ الاستعانة بمبادئ التوزيع العادل للموارد المنصوص عليها في مشروع الدستور الراهن لمعالجة الأزمة الاقتصادية وأزمة السيولة؛ إعادة إعمار بنغازي وتأمين عودة النازحين داخلياً في العاصمة وسواها من المناطق في ليبيا؛ العمل على سحب الأسلحة الثقيلة من المدن؛ والشروع في إجراء مفاوضات محلية حول الأمن. يمكن القيام بكل هذه الخطوات تحت إشراف الأمم المتحدة.

من شأن خريطة طريق مستندة إلى دستور قابل للتعديل أن تشكّل جزءاً مما يسعى سلامة إلى تأمين الدعم له خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر المقبل، شرط أن تقترن باستراتيجية أوسع نطاقاً لنشر الاستقرار وتلبية الاحتياجات الملموسة للمواطنين. في غياب مثل هذه الاستراتيجية، قد يؤدّي دستورٌ انبثق عن عملية تعاني من مثل هذه الشوائب، إلى إطلاق ممارسة شكلية لا تقدّم الكثير من أجل بسط الاستقرار في ليبيا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ماتيا توالدو زميل سياسات رفيع المستوى في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. لمتابعته عبر تويتر: mattiatoaldo@


1. مقابلة مع الكاتبعبر البريد الإلكتروني،1 آب/أغسطس 2017.