يبدو على الأرجح أن حكومة إقليم كردستان ماضية باستعداداتها لإجراء "استفتاء على الاستقلال" في 25 أيلول/سبتمبر الجاري، على الرغم من استمرار جهود الوساطة من أجل تعليقه. يستند الاستفتاء، الذي يقوده في شكل أساسي زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، إلى التطلعات الكردية القائمة منذ وقت طويل إلى إنشاء دولة خاصة بالأكراد. لن يقود هذا التصويت إلى إقامة دولة، نظراً إلى غياب الآليات المؤسسية المطلوبة لهذه الغاية. بيد أن الخطة الآيلة إلى إدراج الأراضي المتنازَع عليها والمختلطة إثنياً في الاستفتاء، فضلاً عن النبرة الحادّة التي تلجأ إليها شخصيات كردية بارزة في خطاباتها، أثارت مخاوف داخل تلك المجتمعات من الضم، وطرحت احتمال اندلاع نزاع مسلّح محلي الطابع على أساس إثني.

يُشار إلى أن البارزاني الذي انتهت ولايته في 19 آب/أغسطس 2015، لكنه لا يزال رئيساً بالوكالة، أعلن أولاً عن إجراء الاستفتاء بموجب مرسوم تنفيذي صادر في الثامن من حزيران/يونيو 2017. من بين الأحزاب السياسة الكردية الأخرى، وحده الاتحاد الإسلامي الكردستاني أبدى دعماً لا لبس فيه للاستفتاء. لا يزال الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو ثاني أكبر حزب كردي في إقليم كردستان، منقسماً حول موقفه منه، في حين أبدى حزب غوران (التغيير) والجماعة الإسلامية الكردستانية معارضتهما له. بعد توقّف البرلمان الكردستاني عن الانعقاد لمدّة عامَين، لم يحضر سوى 68 عضواً من أصل 111 من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الإسلامي الكردستاني وقسم من كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني، جلسة البرلمان الافتتاحية في 15 أيلول/سبتمبر. غير أن 65 صوتاً كانت كافية للموافقة على الاستفتاء والتأكيد على وجوب إجرائه في 25 أيلول/سبتمبر. في حين يمضي البرلمان قدماً بإجراءات تنظيم الاستفتاء، تبقى هناك علامات استفهام حول دستوريته على جبهتَين اثنتين. أولاً، كان المرسوم الذي نص على إجراء الاستفتاء موضع تشكيك حتى من جانب عدد كبير من الأكراد لأن البارزاني أصدره بموجب مرسوم تنفيذي بعد انقضاء مدّة ولايته. ثانياً، والأهم، من وجهة النظر غير الكردية، حق الانفصال غير منصوص عليه في الدستور الاتحادي الذي تؤكّد المادّة الأولى منه على "وحدة العراق".

من المزمع أن يطال الاستفتاء مناطق لا يقتصر سكّانها حصراً على الأكراد، بل تضم أيضاً عرباً وتركماناً وأقليات دينية ناطقة باللغة العربية، ما يزيد من السجال المثار حوله. يشدّد نص المرسوم على أن الاستفتاء هو لجميع الشعوب التي تعيش في المناطق الكردية وليس فقط للأكراد الإثنيين. على الرغم من إعلان البارزاني بأن الأقليات في الأراضي المتنازع عليها سوف تتمكّن من تنظيم عمليات تصويت منفصلة لتحديد مستقبلها، إلا أنه من شأن النص الحرفي للمرسوم التنفيذي أن يُتيح إدراج السكّان غير الأكراد قسراً في الاستفتاء ما دامت هناك أكثرية إجمالية في جميع المناطق تشارك فيه، وهو ما سيحدث حكماً. يمكن أن يؤدّي ضم المناطق المختلطة إلى تحويل الاستفتاء إلى شرارة نزاع إثني، لا سيما على ضوء تصريحات البارزاني بعد العام 2014 عن الحدود الجديدة التي "تُرسَم بالدماء"، وخطابه في آب/أغسطس الماضي الذي أعلن فيه أن الأكراد سوف يضحّون بأرواحهم "ويقاتلون حتى آخر شخص في كركوك". يعني ذلك، في نظر عدد كبير من العرب، أنهم ينخرطون في أعمال عدوانية. على الرغم من أن الاستفتاء لن يؤدّي، في مختلف الأحوال، إلى الاستقلال، إلا أن النظرة بأنه من شأن كردستان مستقل أن يضم أقليات غير كردية تثير ردود فعل غاضبة.

كركوك هي خير مثال عن المخاوف والتشنّجات السائدة في المناطق المختلَطة إثنياً، وتُعيد إلى الواجهة الأوضاع المشحونة التي عانت منها المدينة لوقت طويل. بما أن الاستفتاء لن يشمل قضاء الحويجة العربي، الذي يضم الجزء الأكبر من العرب في محافظة كركوك ولا يزال محتلاً من تنظيم الدولة الإسلامية، غالب الظن أن نتيجة التصويت في كركوك ستكون "نعم". يُثير إجراء الاستفتاء في كركوك سجالاً شديداً لأنه تمت الموافقة عليه من قبل مجلس المحافظة الذي يسيطر عليه الأكراد، والذي انتُخِب في كانون الثاني/يناير 2005 في عملية قاطعها العرب. يسلّط استخدام البارزاني للغة الدفاع عن النفس في حديثه عن كركوك، الضوء على الافتراض بأن المدينة هي ملكٌ للأكراد. بالمثل، يستخدم العرب والتركمان لغة الدفاع في مواجهة الضم الكردي العدواني، لأنهم يعتبرون، شأنهم في ذلك شأن الأكراد، أن كركوك هي مدينتهم. في حين أن بعض "الأراضي المتنازع عليها" هو حالياً أقل تجانساً في طابعه الكردي لأن النظام البعثي استقدم إليه عرباً من شمال العراق، الأقلية التركمانية الكبيرة موجودة في كركوك منذ الحقبة العثمانية. بسبب الاستفتاء، يشعر هؤلاء التركمان الآن بأنهم مهدّدون بفصلهم قسراً عن البلد الوحيد الذي عرفوه في حياتهم. في العام 2015، تولّى محمد مهدي البياتي، وهو قيادي تركماني شيعي في قوات الحشد الشعبي، قيادة صِدامات مع البشمركة الكردية في طوز خورماتو، على بعد 55 ميلاً (90 كلم) جنوب شرق كركوك من أجل الحؤول دون تحوّل طوز خورماتو إلى جزء من دولة يسيطر عليها الأكراد. مؤخراً، وجّه البياتي رسالة إلى القبائل العربية والتركمانية في كركوك أشار فيها إلى الحاجة إلى اللجوء إلى القوة لمقاومة "القمع" الذي يمارسه الأكراد. كذلك أطلق التركمان السنّة نداءات للتعبئة العسكرية، وطالبوا بغداد بفرض قانون الأحكام العرفية في كركوك ونشر القوات المسلحة لمنع حدوث الاستفتاء.

حتى المناطق ذات الأكثرية الكردية الساحقة قد تكون مصدراً للنزاع، بحسب ما تُظهره حادثة وقعت مؤخراً في بلدة مندلي في محافظة ديالى، والتي هي جنوب قضاء خانقين الخاضع لسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، ويبدو أنها تضم أكثرية عربية. في 10 و11 أيلول/سبتمبر، اندلعت احتجاجات سلمية ومسلّحة على السواء اعتراضاً على إدراج البلدة في الاستفتاء. رداً على الأحداث، عمدت السلطات الكردية إلى إلغاء إجراءات فتح مركز اقتراع في البلدة، وأصدرت تعليماتها إلى سكّان مندلي للتوجّه إلى مدينة خانقين من أجل الإدلاء بأصواتهم. غير أن ذلك عنى ضمنياً أنه قد يجري ضم السكان العرب في المدينة إلى كردستان من خلال تصويت سكّانها الأكراد في أراضٍ خاضعة للسيطرة الكردية. 

في بغداد، أطلق نوري المالكي، نائب رئيس الجمهورية حالياً ورئيس الوزراء سابقاً، خطابات حادّة اللهجة ضد الاستفتاء، معلناً أنه قد تكون هناك حاجة إلى اللجوء إلى القوة العسكرية ضد البارزاني. يواظب المالكي على شنّ هجمات لاذعة على الحزب الديمقراطي الكردستاني، مصوِّراً الأكراد بأنهم جزء من مجهود تدعمه تركيا بهدف تغيير الحدود وممارسة التطهير الإثني. أما رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، فقد تجنّب من جهته اللجوء إلى لغة التهديد والوعيد، إلا أنه أبدى رفضه للاستفتاء معتبراً أنه غير دستوري. ولدى سؤاله في المؤتمر الصحافي الذي عقده في السادس من أيلول/سبتمبر عن "الإجراءات الملموسة" التي سيبادر إلى اتخاذها، شنّ هجوماً على سياسات حكومة إقليم كردستان بغية حماية نفسه من الانتقادات لكنه لم يأتِ على ذكر أي تحرّك ملموس. لاحقاً، مع استفحال التشنّجات بصورة دراماتيكية، أعلن العبادي أن العراق قد يلجأ إلى القوة "لحماية شعبنا الكردي والعربي والتركماني وبقية مكوّنات شعبنا الإثنية". تمارس التشنجات المتعاظمة أيضاً ضغوطاً على العبادي لاعتماد موقف أكثر تشدّداً في مسائل أخرى يواجه فيها البرلمان الاتحادي مشكلات مع محافظ كركوك نجم الدين كريم المنتمي إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، والذي تحدّى القضاء رافعاً العلم الكردي فوق المباني الحكومية. لقد تجاهل العبادي مطالبات النوّاب العرب والتركمان بمساءلة كريم تمهيداً لعزله من منصبه، لكن بعدما أبدى كريم دعمه لإدراج كركوك في الاستفتاء، طلب العبادي من البرلمان عزله، فصوّت على الفور لإقالته من منصبه. 

لعل البارزاني أدرك مخاطر هذه التشنّجات، ولذلك عمد على ما يبدو إلى تليين موقفه في خطاب ألقاه في 16 أيلول/سبتمبر في دهوك أمام تجمّع من الأشخاص من سهل نينوى الذي يضم أكثرية طاغية من العرب. شدّد البارزاني، الذي تكلّم باللغة العربية، على أن الهدف من الاستفتاء ليس "تحديد حدود" بل إنه يهدف ببساطة إلى "استطلاع آراء الناس، ثم ندخل في مفاوضات". لكنه وجّه في الوقت نفسه كلاماً قاسياً إلى بغداد، وقال رداً على قيام البرلمان بعزل محافظ كركوك: "بالنسبة إلينا، لا توجد حكومة اتحادية ولا برلمان اتحادي، فالبرلمان العراقي أصبح أداة بيد مجموعة من الشوفينيين".

في هذه المرحلة، كان الخطاب التصعيدي قد بلغ مستوى مرتفعاً جداً من الحماوة؛ لو أن البارزاني أكّد منذ البداية أن الاستفتاء لن يؤدّي إلى ترسيم الحدود، لساهم ذلك في التخفيف من التشنّجات. يبذل البارزاني الآن قصارى جهده للتأكيد على أن التصويت إجراءٌ محض رمزي، لكن الضرر قد وقع. بات الخطاب العدواني متجذّراً، ما يثير حفيظة المناطق المختلطة إثنياً ويزيد من حدّة التشنّجات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان. على الرغم من أنه يُستبعَد حدوث نزاع عسكري واسع النطاق، إلا أن الاحتمال قائم باندلاع صدامات مسلّحة محلية الطابع في العديد من المناطق. في الحد الأدنى، فإنّ التصويت الذي لن يعدو كونه خطوة رمزية، أدّى إلى تعطيل العملية السياسية في العراق ووضْع العمليات العسكرية المشتركة لمكافحة الإرهاب في دائرة الخطر.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل هو ناشر الرسالة الإخبارية التي تصدر كل أسبوعَين Inside Iraqi Politics. لمتابعته عبر تويتر: UticaRisk@