أثار إعلان السياسات الأساسي الأول الصادر عن رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى في 17 أيلول/سبتمبر الماضي، واحداً من السجالات الاقتصادية الأوسع نطاقاً التي يشهدها الجزائر في الأعوام القليلة الماضية. فقراره التعويل على المصرف المركزي لتمويل العجز المالي أغضب معظم الخبراء الاقتصاديين الذين رأوا في هذا الإجراء عودةً إلى الماضي. وقد برّر رئيس الوزراء خطوته هذه بالقول بأنه إذا لم يتم صكّ العملة وضخّها في صناديق الحكومة، سوف تعاني الدولة من نفاد السيولة بحلول تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، ولن تتمكّن من تسديد رواتب موظّفي القطاع العام. كانت الرسالة الضمنية وراء هذا الكلام أن هذه الآلية لتسييل الديون هي الأداة الوحيدة المتوافرة للسلطات من أجل تجنّب موجة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية من شأنها أن تتسّبب بزعزعة الاستقرار.

مما لا شك فيه أن ضخ سيولة إضافية في اقتصاد منغلق ومعتمد على السلع الأساسية بوجود قطاع غير هيدروكربوني صغير جداً، والقليل من المنافسة، وفي ظل التشدد في القيود على الواردات، سيؤدّي في المدى المنظور إلى ارتفاع سريع في التضخم، وتراجع في سعر الصرف. على النقيض من مزاعم أويحيى بأنه يمكن تشبيه هذا الإجراء بسياسات التيسير الكمّي في الولايات المتحدة وأوروبا، لن تفضي هذه السيولة الإضافية سوى إلى منح اندفاعة جزئية للنشاط في قطاع الأعمال، لا بل إنها ستتسبب بحماوة اقتصادية مرتفعة جداً. غير أن التضخم وانخفاض قيمة العملة سوف يتوقفان على كمية السيولة التي سيضخّها المصرف المركزي: لقد امتنعت الحكومة حتى الآن عن تعيين هدف أو سقف محدد لسياسة "المال بالهليكوبتر"، فساد التعتيم في ما يتعلق بالتأثير الفعلي لهذه السياسة.

سوف يتيح تسييل الديون للجزائر تمويل عجزها تلقائياً، والكف عن القلق بشأن اقتراض الأموال في السنوات القليلة المقبلة. تضع هذه السياسة حداً مؤقتاً للسجال شبه المتواصل عن التعديل الاقتصادي في البلاد، حيث تخبّطت السلطات من أجل وضع سياسةٍ لمعالجة التراجع في الحسابات المالية والخارجية خلال الأعوام القليلة الماضية. منذ العام 2014، عندما سجّلت الجزائر لأول مرة عجوزات كبيرة في الحسابات المالية والجارية بسبب الهبوط الحاد في أسعار النفط، سعت الحكومة جاهدة لإيجاد مصادر تمويل من أجل سدّ هذه العجوزات – لا سيما وأن النظام رفض باستمرار جمع الأموال في السوق الدولية أو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

هذا التعتيم على الديون الخارجية مثير للحيرة والإرباك نظراً إلى السياسات الشديدة الاختلاف التي انتهجها مؤخراً منتجون آخرون للنفط في المنطقة. ففي حين أصدرت السعودية وقطر سندات سيادية لتنويع مصادرهما التمويلية وتمويل برامجهما لإعادة هيكلة الاقتصاد، اختارت الجزائر في البداية اللجوء إلى صندوقها شبه السيادي (صندوق ضبط الإيرادات) من أجل إرجاء أي إجراءات تقشفية حسّاسة سياسياً. بعدما استُنفِدت الموارد المخصّصة لهذا الصندوق استنفاداً شبه تام، تحوّلت السلطات نحو المدّخرات الداخلية لسدّ العجز المالي.

يُشار في هذا الصدد إلى أن جزءاً كبيراً من المدّخرات الخاصة يُحفَظ خارج القطاع المصرفي النظامي، نظراً إلى تدنّي مستويات الاختراق المالي، وحجم القطاع غير النظامي. على الرغم من المحاولات المتعددة التي بُذِلت لتحفيز الأشخاص على الاستثمار في السندات الحكومية التي تستخدمها الدولة لتمويل عجزها، إلا أن هذه السيولة ظلّت خارج متناول الحكومة. لطالما تجنّب المدّخرون الجزائريون الاستثمار في السندات الحكومية وسواها من البرامج، ما يُسلّط الضوء على التدنّي الشديد في مستوى ثقة المواطنين بمؤسسات البلاد. نتيجةً لذلك، تحمّل قطاع الأعمال النظامي (لا سيما المصارف المملوكة من الدولة والشركات التابعة لجهات سياسية) الوطأة الأكبر للاقتراض الحكومي، ما أدّى بدوره إلى انخفاض السيولة في هذا القطاع وزيادة كلفة الائتمان للقطاعات الخاصة، الأمر الذي تسبّب فعلياً بحرمانها من القروض.

غنيٌّ عن القول أن هذه الاستراتيجية مارست تأثيراً سلبياً على نشاط الأعمال. فإلى جانب النقص المتفاقِم في السيولة الذي أفضى إلى زيادة الأكلاف الائتمانية على كاهل الأعمال، أدّى لجوء الحكومة إلى خفض الإنفاق الرأسمالي إلى معاناة الشركات الجزائرية من التأخير في السداد، ومن مشاكل في التدفق المالي. يعتمد الجزء الأكبر من الاقتصاد غير الهيدروكربوني الصغير الحجم في البلاد على العقود الحكومية والإنفاق الحكومي في شكل عام. مما لا شك فيه أن الخفوضات في الإنفاق الاستثماري مقرونةً بصعوبة الوصول إلى الائتمان دفعت بعدد كبير من الشركات إلى حافة الإفلاس خلال الأعوام القليلة الماضية، كما حصل مثلاً في قطاع البناء والإنشاءات، حيث تواجه ستون في المئة من الشركات، بحسب التقارير، خطر الإفلاس.

على ضوء هذا السياق الذي يزداد صعوبة يمكن أن تُفهَم التجربة الفاشلة التي خاضها رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون في إطار محاولته وضع سياسة اقتصادية. فقد حاول تبون، معالجة الأزمة بطريقتَين اثنتين: التشدد في القيود والحصص المفروضة على الواردات للحد من العجز في الحساب المالي، واستهداف الأوليغارشيين الجزائريين وتدخلهم السياسي المزعوم من أجل الحصول على الدعم لسياسات التقشف الحكومية. في حين أنه ليس واضحاً ما هي الاستراتيجية التي كان تبون ينوي اتباعها في المدى الطويل (وعلى الأرجح أنه لم تكن لديه أية استراتيجية)، عكسَ جدول أعماله في السياسات اعتراضاً واضحاً على منظومة التهريب والمحسوبيات الفوضوية التي انطبع بها التحرير الاقتصادي للبلاد منذ الثمانينيات. فهو اعتبر أنه يجب أن يدفع المورّدون وطبقة الأعمال ثمن التعديل الاقتصادي المؤلم في البلاد.

سرعان ما ارتدّت هذه الإجراءات بنتائج عكسية، فاستراتيجيته لم تنجح سوى في توحيد ائتلاف نافذ من مجموعات المصالح – يتألف من لوبي الاستيراد، والأوليغارشيين، وشرائح واسعة من النظام – ضد سياساته. حاول تبون ليّ ذراع البورجوازية الخاصة النظامية وغير النظامية في الجزائر لدفعها إلى الرضوخ، وتنظيم أنشطتها، وضخ شرعية جديدة في مؤسسات الدولة. لكن في نهاية المطاف، كان هو، ممثّل بورجوازية الدولة، من طُرِد من منصبه واستُبدِل بأويحيى الذي يتمتّع بالحنكة السياسية.

بناءً على ما تقدّم، سياسة "المال بالهليكوبتر" التي ينتهجها أويحيى هي مجرد حل قصير المدى ليس فقط للمشاكل الاقتصادية التي تتخبّط فيها الجزائر، إنما أيضاً لتوازنها السياسي الهش. يتيح تسييل الديون المباشر للحكومة تسديد الديون المتأخّرة المستحقّة عليها لطبقة الأعمال، والحد من اعتمادها على الائتمان المحلي، وزيادة الرأسمال والإنفاق بما يعود بالفائدة على الشركات والأسر الجزائرية. سوف يؤمّن ذلك بعض المتنفّس لقطاع الأعمال فيما يؤدّي إلى إرجاء أي خفوضات مؤلمة سواءً في رواتب موظفي القطاع العام، والتي من شأنها أن تقوّض الدعم من موظّفي الخدمة المدنية، وفي رواتب المعلمين، أو في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وفي هذه الحالة، من شأن الخفوضات أن تثير غضب الرأي العام. ويتصرّف أويحيى بحذر أكبر في موضوع الواردات، محاولاً التوفيق بين مصالح لوبي الاستيراد الذي يعمل في الظل إنما يتمتع بالنفوذ، وبين الحاجة إلى خفض مشتريات السلع الأجنبية. وقد عمد رئيس الوزراء، حتى تاريخه، إلى إلغاء القيود التي فرضها تبون على التجارة، لكنه أعلن أيضاً في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر أنه ينوي تطبيق شروط أشد صرامة على تمويل الواردات عن طريق المصارف المحلية.

غير أن النقطة الأهم هي أن الهدف من هذا المسار الجديد هو تفادي التداخل بين الانتقال السياسي والانتقال الاقتصادي في البلاد. في هذا السباق مع الوقت، تحاول السلطات ضمان الدعم لها من الشرائح الأساسية الموالية للنظام – موظفي القطاع العام، وعمّال الاقتصاد النظامي، والأوليغارشيين، والمستوردين – على مشارف انتقال الرئاسة الذي لا يزال محاطاً بقدر كبير من الالتباس. سواءً ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة في الانتخابات الرئاسية في العام 2019 أو استُبدِل برئيس يجري اختياره بتأنٍّ، سوف تسعى السلطات، في الانتظار، جاهدةً لتجنّب مواجهة التداعيات السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تترتب عن اعتماد إجراءات تقشفية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ريكاردو فابياني محلل رفيع لشؤون شمال أفريقيا في مجموعة أوراسيا. لمتابعته عبر تويتر: ricfabiani@