في أعقاب الاستفتاء الكردي على الاستقلال في 25 أيلول/سبتمبر الماضي، وقعت صدامات بين قوات البشمركة الكردية وقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران في كركوك في 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ما يُطلق على الأرجح شرارة معركة طويلة للسيطرة على المدينة. كما يرتدي النزاع بين العراق وحكومة إقليم كردستان على المدينة الاستراتيجية أهمية جيو-اقتصادية، نظراً إلى أن الفريق الذي يخرج منتصراً سوف يتمكّن من السيطرة على حقول النفط واستخدامها لانتزاع تنازلات. تساهم هذه التشنّجات في تحقيق تقارب بين طهران وبغداد اللتين تخشى كل منهما خسارة نفوذها في إقليم كردستان وحجم التجارة الواسع الذي يمرّ عبره. 

تتفوّق بغداد وقوات الحشد الشعبي على حكومة إقليم كردستان، لجملة أسباب منها التنسيق مع دول الجوار. في 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وبناءً على طلب من بغداد، أغلقت إيران معبر برويز خان الحدودي الذي يُعتبَر حيوياً على المستوى الاقتصادي، واشترطت قيام حكومة إقليم كردستان بتسليم السيطرة عليه إلى القوى الأمنية العراقية كي تعيد فتحه. كما أنها أقدمت، من دون أن تعطي سبباً لذلك، على إغلاق معبرَي بيرانشهر (حاج عمران) وباشماخ الحدوديَّين في 15 تشرين الأول/أكتوبر حتى إشعار آخر – ففرضت فعلياً حظراً تجارياً غير رسمي. يُشار إلى أن نحو خمسين إلى ستين في المئة من الصادرات الإيرانية دخلت العراق عن طريق هذه المعابر الثلاثة، ونحو ثمانين في المئة من الصادرات الإيرانية إلى العراق تمر عبر إقليم كردستان في شكل عام. بدلاً من هذه المعابر، وافقت طهران وبغداد على استخدام معبر خسروي الحدودي، الذي كان من المقرر إعادة فتحه في تشرين الثاني/نوفمبر، ويخضع من الجانب العراقي لسيطرة القوى الأمنية التابعة لحكومة بغداد. تسلّط هذه الخطوة الضوء على تنويع إيران لطرقاتها التجارية مع العراق من أجل معالجة الهشاشة الجيو-اقتصادية الناجمة عن اعتمادها الشديد على حكومة إقليم كردستان في التجارة.

إزاء التشنّجات المستفحلة التي أدّت إلى اندلاع الصدامات في كركوك، قال رئيس اتحاد الصادرات الإيرانية في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، إنه على التجّار الإيرانيين التعويض عن الحدود المغلَقة مع إقليم كردستان عبر العمل على تطوير المعابر الحدودية والمناطق التجارية المشتركة نحو الشمال والجنوب. في حين تحاول إيران تنويع الطرقات التي تستخدمها في الشحن البري في العراق، قد يؤدّي النزاع على كركوك إلى التسريع في هذه الجهود. لكن غالب الظن أن إيران لن تُبقي لفترة طويلة على الحظر التجاري الذي تفرضه بحكم الأمر الواقع، شرط أن تقوم حكومة إقليم كردستان بتسليم المعابر الحدودية مع إيران إلى القوى الأمنية العراقية. يُشار في هذا الصدد إلى أن إيران، التي تضم عدداً كبيراً من الأكراد في محافظاتها الشمالية الغربية، هي ثاني أكبر شريك تجاري لحكومة إقليم كردستان بعد تركيا، وفي حين أن إغلاق المعابر الحدودية قد يكون سلاحاً فعّالاً في المدى القصير، من شأن قطع العلاقات التجارية مع حكومة إقليم كردستان أن يعطّل قدرة إيران على ممارسة تأثيرها في الإقليم في المدى البعيد.

وفقاً للتقارير، يعتمد 75 في المئة من الاستهلاك المحلي في إقليم كردستان، بما في ذلك 90 في المئة من المواد الغذائية، على الواردات. بيد أن الهبوط المطوَّل في أسعار النفط الخام تسبّب بنشوء أزمة اقتصادية في الإقليم، ما أدّى إلى تراجع قيمة وارداته غير النفطية من طهران من ثمانية مليارات دولار في العام 2014 إلى أربعة مليارات دولار في أيلول/سبتمبر 2017. لكن فيما تستعيد أسعار النفط الخام العالمية عافيتها تدريجاً، وفيما يُرتقَب أن تنطلق عملية إعادة الإعمار في المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لتنظيم الدولة الإسلامية، من المتوقّع أن تزداد أيضاً واردات حكومة إقليم كردستان. كذلك ازدادت الصادرات الإيرانية: فقد أوردت منظمة ترويج التجارة الإيرانية أن قيمة الصادرات الإيرانية إلى العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، ارتفعت بنسبة أربعة في المئة في الأشهر الخمسة الأولى من السنة الفارسية الحالية 1396 (21 آذار/مارس 2017 إلى 20 آذار/مارس 2018) بالمقارنة مع الفترة نفسها في العام السابق. إنه تحسّن نسبي بالمقارنة مع الأشهر الخمسة الأولى من العام 1395 (20 آذار/مارس 2016 إلى 20 آذار/مارس 2017)، الذي شهد، بسبب تدنّي أسعار النفط، نمواً سلبياً بنسبة اثنين في المئة، أي أقل بكثير من نمو الصادرات بنسبة 19 في المئة الذي سُجِّل في الفترة نفسها من العام 1394 (من 21 آذار/مارس 2015 إلى 19 آذار/مارس 2016)، بحسب منظمة ترويج التجارة.

عمدت إيران، أملاً في استعادة النمو والحفاظ على تأثيرها الاقتصادي، إلى تكثيف جهودها لتحسين علاقاتها التجارية مع حكومة إقليم كردستان في الأشهر السابقة للاستفتاء الكردي. فقد التقى مسؤولون تجاريون أكراد وإيرانيون في وقت سابق من العام 2017 للتركيز على تعزيز الربط بين الأسواق الكردية والمقاطعات الإيرانية المحاذية، بما في ذلك من خلال عقد مؤتمرات في إقليم كردستان في تموز/يوليو وآب/أغسطس لمناقشة الاتفاقات التجارية والخطط الآيلة إلى فتح مكاتب تجارية مشتركة في إربيل وطهران. كذلك، سعت إيران إلى زيادة سككها الحديد وطرقاتها التي تمر عبر إقليم كردستان. ودعا الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى توسيع مشروع السكة الحديد بين حمدان وسنندج في إيران ليصل إلى الحدود السورية من أجل ربط إيران بالمنطقة المتوسطية. لكن، على ضوء الأزمة التي أثارها الاستفتاء، ليس واضحاً إلى أي حد ستواصل طهران سعيها إلى تنفيذ مشاريع جديدة مع حكومة إقليم كردستان. على سبيل المثال، قُدِّم عام 2014 اقتراحٌ لإنشاء خط أنابيب بغية تصدير النفط الخام من كركوك عن طريق الموانئ الإيرانية في الخليج، في الفترة التي سادت فيها خلافات بين إربيل وبغداد حول تقاسم إيرادات النفط الخام المصدَّر عن طريق خط أنابيب جيهان التركي. غالب الظن أن المشاريع الاستراتيجية على غرار مشروع خط الأنابيب لن تسلك طريقها نحو التنفيذ في المستقبل القريب، فمن شأنها أن تمنح إربيل شريان حياة إضافياً، إلا في حال أُدرِجت ضمن اتفاق شامل لتسوية الخلاف حول تصدير النفط الخام المستخرَج من حقول كركوك.

في غضون ذلك، تسعى حكومة حيدر العبادي إلى التقليل من اعتمادها على إيران، وزيادة انفتاحها السياسي على جيرانها العرب، لا سيما السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن. في منتصف آب/أغسطس 2017، وافق العراق والسعودية على إعادة فتح معبر عرعر الحدودي. وفقاً لوزير النقل العراقي، تُجرى مباحثات لإعادة فتح سبعة معابر حدودية أخرى مع السعودية، التي تحاول أيضاً تحقيق زيادة كبيرة في صادراتها غير النفطية في إطار "رؤية 2030". كذلك، أعاد العراق والأردن فتح معبر الكرامة الحدودي في 30 آب/أغسطس بعد تحرير الطرقات السريعة التي كانت تحت سيطرة الدولة الإسلامية. علاوةً على ذلك، تتفاوض عمان مع بغداد لإعفاء الصادرات الأردنية من الرسوم الجمركية.

إذاً تساهم التشنّجات المتصاعدة في حدوث تقارب بين طهران وبغداد، لكن كلما اشتدّت مخاوف إيران من خسارة تأثيرها في إقليم كردستان، عمدت بصورة متزايدة إلى إثبات نفوذها في العراق من أجل استثمار المكاسب التي حققتها بغية مواصلة امتدادها الاقتصادي والاستراتيجي نحو المتوسط. في المقابل، سوف يدفع ذلك بالعبادي إلى اعتماد سياسة خارجية أكثر تشعّباً، مع تحسين الروابط السياسية والاقتصادية مع جيرانه العرب. وفي نتيجة غير مباشرة وبعيدة المدى من نتائج الاستفتاء، قد تواجه إيران مزيداً من التحديات التي يمكن أن تعترض سعيها إلى توسيع حصتها في السوق العراقية وتعزيز حضورها في أسواق المحافظات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

تامر بدوي زميل أبحاث في منتدى الشرق الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له، متخصص في الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط مع التركيز على إيران. لمتابعته عبر تويتر: TamerBadawi1@

* تصحيح: ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن سنندج في إقليمم كردستان.