على مشارف الجلسة المقبلة لافتتاح الدورة البرلمانية في الكويت في 24 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، عرض تحالف النواب العشائريين والإسلاميين الذي يشكّل المعارضة الراهنة ويستحوذ على نحو نصف المقاعد الخمسين في مجلس الأمة، جدول أعماله الذي يتضمن خططاً لتعزيز حقوق البدون، وهم أبناء عشائر في الكويت محرومون من الجنسية وحقوق التصويت. بيد أن العلاقات العشائرية بين البدون والمواطنين من أبناء العشائر في الكويت، هي السبب وراء مبادرة النواب المعارِضين إلى إثارة المسألة في هذا التوقيت بالذات. ففي أجواء سياسية تسيطر عليها النقاشات عن إجراءات التقشف رداً على تدنّي أسعار النفط عالمياً وعن فرض ضرائب على العمال الوافدين الذين يأتون من جنوب آسيا، من شأن إيلاء اهتمام لمسألة البدون أن يُبقي الانشغالات العشائرية في صلب القضايا السياسية المطروحة، ويساهم في تشجيع الناخبين على المشاركة في الحياة السياسية.

البدون موجودون في مختلف بلدان شبه الجزيرة العربية. في الكويت، إنهم أعضاء في مجموعات قبلية جاءت من السعودية بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين بحثاً عن عمل في الاقتصاد النفطي الذي كان يشهد تطوراً سريعاً. حصل بعض أبناء هذه العشائر على الجنسية خلال تلك المرحلة بهدف تعزيز قاعدة الدعم العشائرية للأسرة الحاكمة وزيادة عديد القوى الأمنية الكويتية، فيما أُبقي البعض الآخر خارج هذه الصفقة لأنه لم يكن جزءاً من مجموعات عشائرية مهمّة سياسياً، أو لأنهم لم ينجحوا في إقناع الحكومة بأنهم عاشوا في الكويت لفترة طويلة كي يصبحوا مواطنين فيها، أو لأنهم جاؤوا إلى البلاد للخدمة في جيشها ومكثوا فيها بعد تسريحهم من الجيش.

عام 2015، سجّلت الحكومة الكويتية 110729 شخصاً على قائمة البدون في البلاد. هؤلاء محرومون من عدد كبير من منافع الرعاية الاجتماعية التي تؤمّنها الدولة لمواطنيها، ويعيش كثرٌ منهم في الفقر. بما أن عدد سكان الكويت يبلغ نحو أربعة ملايين نسمة فقط، معظمهم من غير الكويتيين، لطالما كانت فكرة منح البدون الجنسية مسألة شديدة الحساسية على المستوى السياسي، لا سيما مع انتقال العشائر في الكويت من دعم الحكومة إلى المعارضة بعدما واجهت تلك القبائل خطر تراجع تمثيلها جراء التغييرات التي طالت النظام الانتخابي من أربع أصوات إلى صوت واحد للشخص. فمن شأن زيادة فجائية في أعداد أبناء العشائر الحائزين على الجنسية الكويتية أن تُحدث خللاً في التوازن بين الناخبين من أبناء العشائر والناخبين في المدن. يدعم جميع الحضر في الكويت أسرة الصباح الحاكمة، وغالباً ما يرون في السياسة العشائرية عودةً إلى تقديم الولاءات التقليدية على السياسة الدستورية. على الرغم من طبيعة المسألة المشحونة سياسياً واجتماعياً، درست الكويت في العام 2015 خطة تمنح جزر القمر بموجبها الجنسية لـ34000 شخص من البدون في مقابل حصولها على مساعدات مالية. لم تُوضَع الخطة موضع التنفيذ، بيد أن مجرد التفكير فيها يسلّط الضوء على الضغوط التي تتعرض لها الحكومة الكويتية من أجل التوصل إلى حل. إنما لم توضَع منذ العام 2015 خطة كبرى من أجل إيجاد حل لقضية البدون. حتى إن بعض البدون غادروا الكويت، وتوجّهوا إلى فرنسا واليونان في إطار موجات أوسع من اللاجئين الذين توافدوا من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

المآرب السياسية هي التي تقف في شكل أساسي خلف الموجة الأخيرة من التصريحات التي صدرت عن نواب معارِضين من أبناء العشائر ناشدوا فيها الحكومة الكويتية معالجة قضية البدون. في 16 أيلول/سبتمبر الماضي، وافقت الحكومة الكويتية على إصدار بطاقات هوية للبدون من شأنها أن تتيح لهم الوصول إلى منظومة الرعاية الصحية العامة في الكويت، وأن تكون بمثابة شكل من أشكال مستندات التعريف الشخصي الممنوحة من الدولة. وقد عمد بعض النواب، في محاولة للبناء على هذا الزخم السياسي، إلى الضغط على الحكومة للقيام بالمزيد. هؤلاء النواب لا يمثّلون البدون ولا ينتمون إلى الكتلة الليبرالية التي تطالب أحياناً بالحريات الشخصية والحقوق المدنية. بل إن أهمية الهوية العشائرية وروابط الدم في السياسة الكويتية هي التي تقف خلف تصريحاتهم.

تُشكّل روابط الدم العشائرية مكوّناً أساسياً من مكوّنات السياسة الكويتية. العشائر العابرة للأوطان على غرار قبائل عنزة ومطير والظفير وشمر، هي شكلٌ مهم من أشكال التنظيم السياسي في بلدٍ حيث الأحزاب السياسية غير قانونية. زعماء هؤلاء القبائل هم شيوخ يمارسون تأثيراً شخصياً لدى أبناء القبيلة وكذلك لدى القيادة الكويتية، بما في ذلك أمير البلاد. يرتدي هذا التأثير أهمية أساسية في مراحل الخلافات السياسية. على سبيل المثال، عندما احتجّ أبناء العشائر على السياسات الحكومية في العام 2011، لجأ القادة الكويتيون إلى مشايخ القبائل ليؤدّوا دوء الوسطاء الأساسيين من أجل التخفيف من حدّة التشنّجات. قبل الانتخابات في الكويت، غالباً ما تُجري القبائل انتخابات تمهيدية، ما يساهم في توحيد أصوات أبناء القبيلة حول مرشّحين معينين من أجل ضمان تمثيل مصالح القبيلة في مجلس الأمة. هذه الانتخابات التمهيدية غير قانونية، إلا أن ما تتمتع به العشائر الكويتية من نفوذ وتأثير سياسي يشكّل حافزاً قوياً لتغضّ الحكومة النظر عنها. وفي حين أقدمت السلطات على مقاضاة بعض العشائر لقيامها بتنظيم انتخابات تمهيدية، يُفلت معظمها من العقاب القانوني. في انتخابات 2016، ذهب بعض أبناء العشائر إلى حد نشر مقاطع فيديو فضلاً عن نتائج الانتخابات التمهيدية على موقع "تويتر". علاوةً على ذلك، يمكن أن تحدّد الهوية العشائرية القدرة على الوصول إلى بعض الوظائف وتساهم في تسهيل إنجاز الطلبات والمعاملات في البيروقراطية الحكومية البطيئة.

لا يملك البدون، كمجموعة، حق التصويت، لكنهم يتحدّرون من هذه المجموعات العشائرية المهمة التي ينبغي على نوّابها دعم سياسات تحظى بتأييد الناخبين في هذه المجموعات، ويُتيح منح بطاقات صحية إلى البدون فرصة التركيز على قضيتهم بصورة أوسع نطاقاً. تمارس الوعود التي يقطعها النواب بالعمل على تحسين أوضاع البدون، وقعاً إيجابياً لدى مواطني هذه العشائر – الذين يملكون حق التصويت. تلبّي الوعود بتعزيز الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبدون، احتياجات المحرومين في هذه المجموعة. وتُوجِّه أيضاً موارد الدولة المالية والاجتماعية نحو البدون، فتساهم في تحسين مكانتهم وسط كوكبة القبائل والمجموعات الناخِبة الأخرى في الكويت. وهذه المكانة المحسَّنة تمنح بدورها البدون قدرة أكبر على المساومة ومزيداً من التأثير السياسي إزاء الأسرة الحاكمة.

القلق على البدون لا يحرّكه فقط جدول أعمال متعلق بالعدالة الاجتماعية، ومن الأدلة الإضافية على ذلك خطاب النواب عن العمالة الوافدة الجنوب آسيوية في الكويت. لقد نظرت الكويت في عدم تجديد أذون الإقامة لهؤلاء العمّال الوافدين، وفرضت رسماً جديداً على العمال الوافدين الذين يحصلون على رعاية طبية في المستشفيات الحكومية، ما أدّى إلى خفض أعداد العمال الوافدين الذين ينشدون مثل هذه الرعاية الطبية بنسبة ثلاثين في المئة. النائب وليد الطبطبائي من الأشخاص الذين أبدوا تأييداً شديداً لفرض ضرائب على العمال الوافدين، لكنه دعا الحكومة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة كي لا تؤثّر هذه الرسوم في الأشد فقراً بينهم. بيد أن نواباً آخرين، على غرار صفاء الهاشم، يدعمون الرسوم الجديدة. حتى إن النائب خالد العتيبي اقترح فرض رسم سنوي إضافي قدره 1200 دينار كويتي (3970 دولاراً أميركياً) على العمال الوافدين الحائزين على تراخيص سوق. لا يملك العمال الوافدون ولا البدون تمثيلاً سياسياً في الكويت. غير أن التركيز الأخير على حقوق البدون يتعارض إلى حد كبير مع السياسات المعتمدة تجاه العمال الوافدين من جنوب آسيا، الذين تُفرَض عليهم ضرائب ورسوم على الرغم من أنهم من الفئات السكّانية الأكثر هشاشةً على المستوى الاقتصادي في البلاد. الفارق هو أن البدون هم جزء من الهيكليات العشائرية نفسها التي ينتمي إليها المواطنون الكويتيون، في حين أنه يُنظَر في شكل أساسي إلى العمال الوافدين بأنهم مصدر للعمالة الخارجية الرخيصة الكلفة.

يسعى النواب، عبر طرح قضية البدون، إلى شقّ طريقهم عبر تعقيدات الهويات الوطنية والعشائرية لناخبيهم. يرتدي فهم التفاعل بين السياسات العشائرية والبيروقراطية أهمية محورية لتقييم ما يمكن أن تحمله الجلسة المقبلة لمجلس الأمة الكويتي. غالب الظن أن النواب العشائريين سيستمرون في ممارسة ضغوط على الحكومة لمعالجة مسألة البدون التي لا تتوافر لها، على أهمّيتها، حلول فعلية مقبولة من جميع الأفرقاء. في مرحلة من التقشف، يمثّل عدد كبير من النواب ناخبين من شأنهم أن يبدوا تردداً في إنفاق الثروات الكويتية على غير المواطنين. في الوقت نفسه، يبقى أن نرى إذا كانت الحكومة سوف تُحاور النواب العشائريين في هذه القضية في محاولة لاسترضائهم أو استيعابهم، أم أنها ستحاول إعادة التركيز على خططها التقشفية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

سكوت وينر رئيس "مجموعة النقاش الشرق أوسطية للمهنيين الشباب في السياسة الخارجية". نال مؤخراً شهادة دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة جورج واشنطن.