سامر عبود، أستاذ مساعد في مادة الدراسات الدولية في جامعة أركاديا وزميل في مركز الدراسات السورية في جامعة سانت أندروز، اسكتلنده. لمتابعته عبر تويتر: samer_abboud@.

فيما يتحوّل مسار النزاع السوري بطريقة حاسمة لمصلحة النظام وحلفائه، يبرز بصورة متزايدة النقاش حول إعادة الإعمار. إلا أنه يتعذّر عملياً وضع برنامج وطني واسع النطاق لإعادة الإعمار يحظى بالتأييد من أفرقاء محليين وإقليميين كبار. لا تُبدي الدول الغربية استعداداً لتمويل إعادة الإعمار ما دام بشار الأسد في السلطة، كما أن النظام عاجز عن حشد الموارد المالية الضرورية لتمويل برنامج وطني. ونظراً إلى التفاوت في طبيعة العنف في سورية، يتعذّر عملياً الوصول إلى بعض المناطق. ليس هذا وحسب، بل إن الجزء الأكبر من النقاش في دمشق حول إعادة الإعمار يتركّز على المناطق الحضرية، ما يؤدّي، أيضاً وأيضاً، إلى تهميش المناطق الريفية وتلك الواقعة في الأطراف. مما لا شك فيه أن إعادة الإعمار في سورية ستكون غير متوازنة جغرافياً، ومجزّأة، وعشوائية، وغير مندرجة في إطار برنامج وطني أوسع نطاقاً. بما أن الحكومة المركزية تفتقر إلى الموارد المالية، والتخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، والإمكانات المؤسسية لتنفيذ إعادة الإعمار في مختلف أنحاء البلاد، سوف تتولّى السلطات المحلية تخطيط المشاريع ووضعها حيز التنفيذ، وغالب الظن أنها لن تحصل على الدعم من الحكومة المركزية.

هذا ليس سوى غيض من فيض العقبات التي تواجهها الإدارة المحلية لمدينة الرقة بقيادة قوات سورية الديمقراطية التي فرضت سيطرتها على الرقة بعد انسحاب مقاتلي الدولة الإسلامية. ففي الرقة، كما في المدن السورية الأخرى، سوف تتوقّف جدوى إعادة الإعمار على قدرة السلطات المحلية على حشد الموارد الوطنية والإقليمية. يقتضي ذلك، من جملة أمور أخرى، إفساح المجال أمام دخول مجموعات المساعدات، وتحفيز عودة الرساميل السورية، وتأمين الموارد المالية الضرورية لتقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل الرعاية الصحية والتعليم.

وفي هذا الإطار، القول أسهل من الفعل حتى في الظروف العادية، فكم بالأحرى في الظروف الاستثنائية التي تواجهها السلطات راهناً في الرقة. لقد أثبتت قوات سورية الديمقراطية كفاءتها في ساحة المعركة، ونجحت في استيعاب القبائل العربية المحلية في هيكلية السلطة التي أرستها، لكنها تبقى قوة خاضعة لسيطرة الأكراد وتتصرّف على هذا الأساس. تلتقي القوى الثلاثية – تركيا وروسيا وإيران – التي تفرض سلطتها على سورية، حول شعورها الموحّد بالريبة من التوسّع السياسي الكردي السوري، وغالب الظن أنها لن تساهم في تسهيل توظيف الموارد في المدينة. هذا فضلاً عن أن النزاع الذي يلوح في الأفق بين النظام والقوات التي يقودها الأكراد، يزيد من هشاشة الأوضاع في الرقة، ويُثني على الأرجح الشركات الخارجية أو رجال الأعمال عن الإقبال على العمل والاستثمار في المدينة. سوف تواجه السلطات المحلية تحدّيات أكبر بكثير من المهمّة الشاقّة أصلاً المتمثّلة في إعادة إعمار المدينة التي لحق بها دمار واسع جرّاء أعمال العنف.

إذاً ترتبط إعادة إعمار الرقة ارتباطاً وثيقاً بمستقبل التطلعات الكردية السورية، وبما أنها مركزٌ سكني كبير، سوف تشكّل محك الاختبار الأكثر جدّية للمحاولات التي يبذلها الأكراد من أجل بسط حكمهم الذاتي على مساحات أوسع في شمال شرق سورية. وهذه المعطيات تزيد من الرهانات السياسية المحيطة بإعادة إعمار المدينة، وتشي بأن معاناة السكّان قد تستمر على الرغم من إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية وطرده من الرقة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.