أشارت وزارة التربية والتعليم التركية إلى أنه اعتباراً من السنة الأكاديمية 2016-2017، لا يزال هناك 380000 طالب فقط من أصل 870000 طالب سوري في سن التمدرس (أي نسبة 40 في المئة)، خارج المدرسة، وهي المرة الأولى التي يكون فيها "عدد الأولاد السوريين في المدارس أكبر من عددهم خارج المدارس" في تركيا. عندما وصل الطلاب السوريون لأول مرة إلى تركيا، ارتادت غالبيتهم مراكز التعليم المؤقتة، التي تحظى بالدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). وقد تحوّلت هذه المراكز إلى "مراكز تعليم انتقالية"، فيما تنوي وزارة التربية التركية دمج جميع السوريين في المدارس الحكومية التركية بحلول سنة 2020. تحول تحدّيات عدة دون بذل جهود فعلية من أجل الاندماج، ومنها معوّقات اللغة، ومحدودية التدريب الذي يحصل عليه المعلمون السوريون حول المنهاج الدراسي التركي، وغياب التعليم المتفاعِل مع الصدمة النفسية الذي يأخذ احتياجات الطلاب النفسية في الاعتبار، والتمييز الذي يواجهه الطلاب والمعلمون السوريون على السواء. لكن في الإجمال، يُثني السوريون في تركيا على إطار العمل الذي تعتمده تركيا لدمجهم، ويحظى بالاستحسان لديهم.1 

منذ انطلاق مراكز التعليم المؤقتة، لم يطلب القيّمون عليها الحصول على أوراق ثبوتية أو إفادات مدرسية، وعلى الرغم من أن بعض التقارير تحدّثت عن اعتماد تدابير جديدة لقبول الطلاب اعتباراً من آذار/مارس 2016، إلا أن معظم المراكز لا يتقيّد بها حتى الآن. فقد ظلّ التسجّل مفتوحاً إلى حد كبير في نحو 300 مركز في المخيمات والمدن في مختلف أنحاء تركيا، مع أن معدلات التسرّب المدرسي والتغيّب تبقى مرتفعة – على الرغم من المحفّزات المادية التي تُقدَّم للطلاب ذوي الحضور شبه الكامل، وهي نحو 60 ليرة تركية (16 دولاراً) في الشهر للطالبات الإناث، و50 ليرة تركية (13 دولاراً) للطلاب الذكور.2 وعلى مستوى المضمون، طبّقت المراكز، من 2011 إلى 2015، نسخة معدَّلة، باللغة العربية، عن المنهاج السوري الرسمي من دون المقررات الإلزامية عن "القومية" التي تروّج لبروباغندا الدولة السورية.

في مطلع العام 2015، قررت وزارة التربية التركية أن الاحتياجات التعليمية للأولاد السوريين لم تعد "مؤقتة"، وبدأت في العام الدراسي 2016-2017 إعداد الطلاب للالتحاق بالمدارس الرسمية التركية.3 وهكذا في العام 2016، عمدت الوزارة إلى إلغاء الصفوف الأولى والخامسة والتاسعة في مراكز التعليم المؤقتة من أجل دفع الطلاب في هذه الصفوف إلى التسجّل في المدارس الرسمية التركية. وفي العام 2017، أُلغيَت الصفوف الثانية والسادسة والعاشرة أيضاً. تحقق الاندماج الكامل في محافظة مرسين الساحلية، لكنّ مراكز التعليم المؤقتة في محافظتَي غازي عنتاب وأورفة جنوب تركيا لا تزال في طور المرحلة الانتقالية التي يُسعى إلى إتمامها بحلول سنة 2020. 4 اعتباراً من أيلول/سبتمبر 2017، يرتاد أكثر من 315000 طالب سوري المدارس الرسمية التركية، أي نحو 64 في المئة من الطلاب السوريين الملتحقين بالمدارس راهناً. لقد أدّى هذا الدمج الفوري لطلاب المرحلة الثانوية، إلى تسجيل معدلات تسرّب مرتفعة.5 فضلاً عن ذلك، روى أحد أولياء الأمور في أنطاكية أن مدير المدرسة الرسمية المحلية لم يسمح له بتسجيل أولاده في المدرسة، على الرغم من تقديمهم إثباتات عن امتلاكهم الجنسية التركية.6 مع أن وزارة التربية التركية ومديريات التعليم المحلية تعطي الطلاب السوريين الأفضلية للتسجّل في المدارس الحكومية، تُظهر هذه الرواية من أنطاكية أن هذا الحق ليس مضموناً على الدوام.

اللغة من العوائق التي تعترض الطلاب السوريين في عملية الدمج. في مواجهة هذا التحدي، عمدت مراكز التعليم المؤقتة إلى خفض عدد ساعات التدريس باللغة العربية ليتمكن الطلاب من التأقلم مع التدريس باللغة التركية؛ فباتت ساعات التدريس موزَّعة على النحو الآتي: نحو 15 ساعة باللغة العربية، و15 ساعة باللغة التركية، بعدما كان عدد ساعات التدريس باللغة التركية سبع ساعات في السابق.7 الهدف هو إعداد الطلاب لتلقّي الدروس باللغة التركية حصراً لدى انتقالهم إلى المدارس الحكومية التي يُفترَض بها مثالياً أن تُخضِع الطلاب لامتحانات من أجل تقويم مستوى إتقانهم للغة التركية. واقع الحال هو أن الطلاب السوريين تعلّموا اللغة التركية بوتيرات مختلفة، حتى إن بعضهم تلقّوا دروساً خصوصية إلى جانب الدروس في مراكز التعليم المؤقتة، ما جعل بعض الطلاب السوريين أكثر إتقاناً للغة التركية من سواهم. لكن بسبب الإشراف من إدارات المدارس والتفاوت العام بين مدرسة وأخرى، لا يجري دائماً تقييم إتقان الطلاب للغة التركية عند دخولهم المدارس الرسمية. فبعض الطلاب الذين يتمتعون بالكفاءة اللازمة لتلقّي الدروس باللغة التركية حصراً، لم يحصلوا على فرصة اختبار إتقانهم للغة، وفُرِض عليهم إتمام مختلف مستويات تعلم اللغة التركية التي حدّدتها المدرسة، بدءاً بتعلم الأبجدية. من الأجدى أن يخضع الطلاب ذوو المستوى المتوسط في إتقان اللغة، للتقييم كي لا يُضطروا إلى إعادة مستويات في اللغة التركية سبق أن أنجزوها، ما يؤدّي إلى تأخير انتقالهم من المقررات اللغوية إلى التعليم العام، وإلى تأخرهم عن أترابهم الأتراك. علاوةً على ذلك، من شأن توزيع الطلاب السوريين على قاعات تدريس منفصلة بالاستناد إلى إتقانهم للغة التركية أن يُتيح للمدرّسين الوصول في شكل أفضل إلى جميع المتعلِّمين. 

عائق اللغة التركية مرتبط بمسألة الدمج على نطاق واسع، كما أن رد فعل السوريين يُظهر كيف يمكن أن تمارس اللغة تأثيراً على الاندماج. فقد أبدى بعض أولياء الأمور السوريين – لا سيما أولئك الذين يرون إمكانية العودة إلى سورية – تردداً في إرسال أولادهم إلى مدارس تركية، خشية أن يخسروا مهاراتهم في اللغة العربية الأم، ولجأ بعضهم إلى خيارات تعليم أولادهم في المنزل بالاستناد إلى المنهاجَين السوداني والليبي اللذين اكتسبا أهمية في تركيا لأنهما باللغة العربية حصراً، ويتيحان للطلاب الحصول على شهادات معترَف بها. يترك الترابط بين اللغة والاندماج بعض الطلاب السوريين في حالة من الضياع والتخبط فيما يبذلون جهوداً حثيثة للتوفيق بين خلفيتهم السورية ورغبتهم في الشعور بالاندماج في المجتمع التركي.

كذلك تطرح اللغة عائقاً أمام المعلمين الذين يعملون في المدارس الحكومية التركية. تحدّثت إحدى المعلمات في محافظة مرسين عن شعورها بعدم الأمان كونها ذات مستوى مبتدئ في مهارات التكلم باللغة التركية. تروي في هذا الإطار: "أدخل قاعة التدريس مع المعلمة التركية؛ تلقي المحاضرة، ثم تنظر إلي وتطلب مني ترجمة الدرس بكامله دفعةً واحدة... لقد بدوتُ عديمة الذكاء أمام الطلاب". على الرغم من أن عدداً كبيراً من المعلمين السوريين الذين أُجريَت معهم مقابلات أعربوا عن رغبة قوية لديهم في التمكّن من تكلّم اللغة التركية بطلاقة، إلا أن الضغوط الناجمة عن حالة النزوح وعدم امتلاكهم الوقت الكافي من أجل أخذ دروس في اللغة التركية وسط انشغالاتهم في التعليم، تحول دون تمكّنهم من إتقان اللغة. وقد أشارت معلّمة أخرى في مرسين إلى أنه لهذه الأسباب، يُستخدَم المعلمون السوريون كـ"معاوِنين" في التدريس، ولا يتم الركون إلى معارفهم في مجال المحتوى ومهاراتهم البيداغوجية. في محافظة غازي عنتاب جنوب البلاد، أشار المعلمون إلى أنه وقع الاختيار فقط على الأساتذة السوريين الضالعين جيداً في اللغة التركية لحضور جلسات تدريبية، والتي لم تشتمل أيضاً على التدريب على التدريس المشترك من أجل تنسيق الدروس للطلاب الناطقين باللغة التركية وأولئك الناطقين باللغة العربية.

يواجه المعلمون السوريون تحدّيات أخرى أيضاً. في حين تحدّث المعلمون في المقابلات عن تجارب إيجابية مع فرق العمل التركية في مراكز التعليم المؤقتة والمدارس الرسمية التي تضم أعداداً كبيرة من الطلاب السوريين، تطرقوا إلى المعضلة التي تواجهها وزارة التربية التركية في تأمين الوظائف للمعلمين الأتراك العاطلين عن العمل وكذلك للمعلمين السوريين. على الرغم من أن المعلمين السوريين يحصلون على رواتبهم عن طريق اليونيسيف ويعملون لعشر ساعات فقط أسبوعياً، أي أقل من ساعات عمل زملائهم الأتراك، إلا أن كثراً يشعرون بأن هذه المنافسة على الوظائف تجعل من المعلمين السوريين عبئاً على المنظومة التركية، ما يُضاف إلى التحديات الأخرى التي يواجهونها. أشار المعلمون إلى أن المديرين، لا سيما أولئك الذين يشكّلون قدوة للموظفين في التنوع وإشراك الآخر، يؤمّنون قيادة مجدية وفعّالة. لكن على الرغم من هذا الدعم، يعاني بعض المدرِّسين السوريين من عدم الاحترام من جانب زملائهم الأتراك، ما يحول دون حدوث تعاون مثمر. على سبيل المثال، يُشير المعلمون الأتراك إلى زميلاتهم السوريات بـSuriye Kadinlari (أي نساء سوريات) بدلاً من öğretmen، وهي التسمية التي تُطلَق على المعلّمين في تركيا. وقد لفت المعلمون في غازي عنتاب إلى أن الفصل الذاتي بين المعلمين الأتراك والسوريين أمرٌ شائع في قاعات الأساتذة، على الرغم من الجهود التي يبذلها مديرو المدارس للتشجيع على التعاون. تدفع هذه الاختلافات بالطلاب الأتراك إلى النظر إلى معلّميهم السوريين بأنهم غير متساوين مع زملائهم الأتراك.

كذلك تشتمل خطة وزارة التربية لتعزيز دمج الطلاب وإشراكهم، على مبادرة تحت عنوان "تعزيز دمج الأولاد السوريين في النظام التربوي التركي". يقدّم الاتحاد الأوروبي دعماً مالياً وعملانياً لهذه المبادرة التي تتضمن دعم اللغة التركية وتأمين الاحتياجات النفسية والاجتماعية، مثلاً من خلال دروس في الموسيقى والفن من خارج المنهاج الدراسي. قدّم المشروع الدعم للطلاب في 23 محافظة في تركيا حتى تاريخه. وجرى تعيين نحو ستة آلاف مدرّس تركي في مراكز التعلّم، ومنهم مستشارون لدعم الطلاب السوريين. لا يكتفي هؤلاء المستشارون بمساعدة الطلاب على مواجهة الاستقواء أو ما يُعرَف بالتنمّر، إنما يساهمون أيضاً في معالجة التحديات التي تعترض الطالب في المنزل والتي تؤثّر في أدائه في المدرسة. لسوء الحظ، لا يزال غياب المعرفة السياقية ومشكلة اللغة يتسببان بنشوء حواجز بين الطلاب وفريق الدعم، وفي تعميق العزلة التي يواجهها بعض الطلاب السوريين في مدارسهم الجديدة. يروي معلّم في غازي عنتاب أنه جرى توظيف مستشار تركي في أحد مراكز التعليم المؤقتة في المحافظة، "لكن الطلاب لم يتمكّنوا من التحدث معه... يجب تعيين أشخاص يفهمون ثقافة الطلاب ويجيدون لغتهم الأم من أجل مناقشة المواضيع الحسّاسة". والمدارس الرسمية في المجتمعات المحرومة، كما في أورفة، غير مجهّزة للاستجابة للاحتياجات النفسية والاجتماعية ومعالجة المسائل الداخلية التي تؤثّر في التعلّم. وهذا أمر مؤسف جداً نظراً إلى التأثير الذي تمارسه التحديات الاقتصادية والاجتماعية على التعلم والاندماج.

لقد وضعت وزارة التربية التركية، بالتعاون مع جهات معنية أخرى على غرار اليونيسيف والاتحاد الأوروبي، سياسات ومبادرات تُظهر التزام تركيا بتأمين تعليم ذي جودة عالية للسوريين في البلاد. مع اندماج مزيد من السوريين في المدارس الرسمية التركية، من شأن بذل جهود إضافية من أجل تعزيز الالتزام والاهتمام لدى المجتمعات المضيفة أن يساهم في تحسين التماسك والانسجام في المدارس، وفي إعداد المعلمين السوريين على أكمل وجه للانخراط في القوة العاملة التعليمية، ومكافحة الاستقواء، والحد من معدلات التسرّب المدرسي الآخذة في الارتفاع. يرتدي القيام بهذه الخطوات عن طريق تجديد الالتزامات التي قطعتها وزارة التربية والحكومة التركية، أهمية أساسية من أجل نجاح عملية دمج السوريين في المدارس التركية في المدى الطويل.

* يستند هذا المقال إلى مقابلات أجريت بصورة مباشرة وعن طريق أطراف ثالثة، مع معلمين وأولياء أمور وطلاب سوريين في مرسين وغازي عنتاب وأورفة وأنطاكية في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2017.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كنانة قدور معلّمة أميركية من أصل سوري ذات خبرة في التدريب والمبادرات الشبابية بهدف الاستجابة الإنسانية في سورية. لمتابعتها عبر تويتر: kqaddour@


1. مقابلات مع معلّمين وأولياء أمور سوريين في تركيا خلال العامَين 2016 و2017.
2. مقابلات مع معلمين وفريق اليونيسيف للاستجابة الخاص بسورية، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2017.
3. مقابلة مع موظف لدى اليونيسيف، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2017.
4. مقابلات مع معلمين في مرسين وأورفة وغازي عنتاب، أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2017.
5. مقابلة مع فريق عمل برنامج اليونيسيف، غازي عنتاب، تشرين الأول/أكتوبر 2017.
6. مقابلة مع أسرة سورية، أنطاكية، تشرين الأول/أكتوبر 2017.
7. مقابلات مع معلمين وطلاب سوريين، أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2017.