محمود جرابعة، باحث ومحاضر في "مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا" (EZIRE) وفي الأكاديمية البافارية للعلوم والإنسانيات في ألمانيا. لمتابعته عبر تويتر: MahmoudJaraba@

أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما صرح، من اعترافه بمدينة القدس بشقَّيها الغربي والشرقي عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى المدينة، أن يحقق مردوداً إيجابياً على السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. خلافا لهدفه المعلن، خلقت هذه الخطوة أزمة تهدد مستقبل السلطة الفلسطينية، وفتحت الطريق عوضا عن ذلك لحلقة جديدة من الاحتجاجات الشعبية. 

منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، تعمل السلطة الفلسطينية على إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. ليس من الوارد أن يقبل الفلسطينيون بأن تعترف الإدارة الأمريكية من جهة بالقدس عاصمة لإسرائيل وفي نفس الوقت أن تكون وسيطا عادلا ونزيها. وهنا يكمن المأزق الحالي للقيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس. فهي وإن قبلت الوساطة الأمريكية مجددا، ستراهن على خسارة شرعيتها بين الشعب الفلسطيني. وإن رفضتها سوف تغضب إدارة ترمب وربما سينتج عن ذلك تكاليف لا تستطيع تحملها، مثل حصارها أو انهيارها. وفي كلا الحالتين، يبدو أن السلطة ستكون الخاسر الأكبر. فقرار ترمب لم "يجرّد الولايات المتحدة من اهليتها في لعب الدور الوسيط في عملية السلام"، كما صرح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي فقط، بل أيضا يمكن أن تؤدي إلى انهيار السلطة ومؤسساتها الهشة. وفي هذه الحالة، سيكون الوضع السياسي الفلسطيني مفتوحا أمام جميع الخيارات، بما في ذلك إعادة احتلال إسرائيل للضفة الغربية وترك غزة للفلسطينيين.

وفي مواجهة تحدي القرار الأميركي والخوف من فقدان شرعيته الشعبية، ستحاول السلطة الفلسطينية التوفيق بين هذين الخيارين المتعارضين بشدة. وعلى الرغم من سلسلة التصريحات التي ادلى بها مسؤولون في السلطة الفلسطينية انهم لن يلتقوا بمسؤولين اميركيين بينهم نائب الرئيس مايك بينس الذي من المقرر ان يزور تل ابيب في 18 كانون الاول / ديسمبر الجاري، اعلنت السلطة الفلسطينية انها ستواصل البحث عن حل سلمي للصراع. لكنها تحاول استخدام تكتيكات مختلفة لا تعتمد فقط على الوساطة الأمريكية. كان ذلك واضحا في خطاب محمود عباس أمام القمة الإسلامية في اسطنبول يوم 13 ديسمبر / كانون الأول، الذي دعا فيه الدول الإسلامية إلى "باتخاذ قرار بنقل ملف الصراع برمته للأمم المتحدة وتشكيل آلية جديدة تتبنى تطبيق قرارات الشرعية الدولية اذ ان الولايات المتحدة لم تعد اهلا لتكون راعية للمفاوضات". وبعبارة أخرى، يحاول عباس البحث عن راعيين جدد للعملية الدبلوماسية من أجل تحقيق السلام.

كما غضت السلطة الفلسطينية الطرف عن الاحتجاجات الجماهيرية في الضفة الغربية، مع إبقائها تحت السيطرة ومنعها من الانزلاق إلى أعمال عنف واسعة النطاق. وبعد إعلان ترامب، دعت جميع القوى السياسية الفلسطينية إلى احتجاجات عامة. وقد دعم اللاعبان الرئيسيان على الساحة الفلسطينية، حركتي حماس وفتح، هذه الخطوة، ولكن حماس فقط دعت إلى انتفاضة جديدة.

أنهى ترامب، في قراره، أي أمال فلسطينية في عملية سلام. فقد تحدث في خطابه وكأن الحقوق الفلسطينية غير مطروحة على الطاولة، حيث لم يخاطب الفلسطينيين كشريك أساسي في العملية السياسية. وهذا يؤشر، ربما، إلى أن إدارة ترامب بدأت التخطيط لمرحلة ما بعد أوسلو التي لا تزال معالمها غير واضحة وفي حالة تشكل. فمن المحتمل ألا تتضمن الخطوات الجديدة الفلسطينيين كفاعل أساسي، بل تنطوي على تنسيق أمريكي مع بعض الحلفاء العرب مثل السعودية ومصر.