تامر بدوي، زميل أبحاث في منتدى الشرق الذي يتخذ من اسطنبول مقراً له. لمتابعته عبر تويتر: TamerBadawi1@

كان للتغييرات الاقتصادية والاجتماعية، النابعة في شكل أساسي من السياسات الاقتصادية للرئيس حسن روحاني منذ تسلّمه منصبه، التأثير الأكبر (من جملة عوامل أخرى) في إشعال شرارة الاحتجاجات الأخيرة في إيران ورسم معالمها. انطلقت الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي في مدينة مشهد، التي تشكّل معقلاً للمبدئيين المحافظين في شمال شرق البلاد، بعدما قدّم الرئيس روحاني مشروع الموازنة للسنة المالية 2018-2019 في العاشر من كانون الأول/ديسمبر. اللافت هو أن الموازنة المقترَحة تتضمن خطة لزيادة أسعار المحروقات بنسبة خمسين في المئة. يتم راهناً توزيع المساعدات النقدية على نحو 75 مليون إيراني، غير أن الحكومة تنوي شطب 35 مليون متلقٍّ من قائمة المستفيدين العام المقبل. حذّر تقرير صادر عن مركز الأبحاث الإسلامي في مجلس الشورى من أن الصدمة الاقتصادية التي يمكن أن يتسبّب بها خفض الدعم الحكومي للمحروقات، قد تؤدّي إلى القضاء على 360000 إلى 480000 وظيفة، في حين يتوقّع أحد المحللين الاقتصاديين الإيرانيين أن يتسبّب ذلك بخسارة 800000 وظيفة. في نيسان/أبريل 2017، قطع مرشّح المحافظين للرئاسة، ابراهيم رئيسي، وعداً بزيادة المساعدات النقدية ثلاثة أضعاف. ربما أثار قرار الحكومة شطب عدد من الأشخاص من قائمة المستفيدين من المساعدات النقدية، وذلك على النقيض من الوعود التي أطلقها رئيسي، صدمةً وهيّأ الساحة أمام نزول المواطنين المحافظين المستائين إلى الشارع في مدينة مشهد احتجاجاً على سياسات روحاني الاقتصادية والتضخّم الآخذ تدريجاً في الارتفاع.

يتكهّن بعض المحلّلين أن السواد الأعظم من المحتجّين ينتمي إلى الطبقة الوسطى الدنيا أو إلى خلفيات فقيرة. على الرغم من إبرام الاتفاق النووي في العام 2015 وما أعقبه من رفع للعقوبات، لم تشهد نوعية الحياة في إيران الكثير من التحسّن، لا بل تدهورت في نواحٍ عدّة، وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة لكبح التضخّم الذي يسجّل مستويات مرتفعة جداً. لقد ارتفع معامل جيني، وهو مؤشّر لقياس عدم المساواة، من 0.35 في العام الفارسي 1392 (21 آذار/مارس 2013-20 آذار/مارس 2014)، أي السنة الأولى من عهد روحاني، إلى 0.37 في العام الفارسي 1395 (20 آذار/مارس 2016-20 آذار/مارس 2017)، أي السنة المالية الأخيرة، ما يُظهر تفاقم عدم المساواة في البلاد. تشير إحصاءات المصرف المركزي الإيراني إلى أن النمو الحقيقي في الرواتب بلغ 2.3 في المئة في السنة الفارسية 1395، وهو رقم أعلى من نسبة الـ1.2 في المئة التي تحقّقت في العام السابق. غير أن هذه الزيادة لم تساهم في تعزيز القدرة الشرائية للأسر. فقد ازداد متوسط العجز في الموازنة الأسرية بمعدّل نحو 19 في المئة في العام 1395 بالمقارنة مع العام السابق. على صعيد الوزن (بالكيلوغرام)، تراجع متوسط الاستهلاك الأسري للمأكولات والمشروبات والتبغ بنسبة نحو ستة في المئة في العام 1395 بالمقارنة مع العام 1392، أي السنة الأولى من عهد روحاني.

سرعان ما انتشرت الاحتجاجات إلى طهران وسواها من المحافظات الكبرى، لكن اللافت هو أنها اندلعت أيضاً على نطاق واسع في المحافظات الشمالية الغربية الهشّة اقتصادياً التي تقطنها أعداد كبيرة من الأقليات الإثنية. في حين أن محافظة خراسان رضوي، حيث تقع مشهد، صوّتت لصالح رئيسي في الانتخابات الرئاسية، كانت المحافظات الكردية مثلاً بين المحافظات التي تصدّرت قائمة المناطق التي صوّتت لروحاني.

في تشرين الثاني/نوفمبر، تعرّضت محافظة كارمانشاه لزلزال مدمّر أسفر عن مقتل نحو 400 شخص وإصابة نحو سبعة آلاف آخرين بجروح، وسدّد ضربة قاضية للاقتصاد المحلي المتعثّر أصلاً في أدائه. تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن البطالة في كارمانشاه سجّلت، في السنة المالية 1395 (20 آذار/مارس 2016-20 آذار/مارس 2017)، المستوى الأعلى في البلاد مع 22 في المئة، وحلّت محافظة كردستان في المرتبة الثالثة مع بلوغ نسبة البطالة فيها 15.2 في المئة – بالمقارنة مع 12.4 في المئة على مستوى البلاد. كذلك تعاني هاتان المنطقتان والمحافظات المجاورة لهما، التي شهدت أيضاً عدداً كبيراً من التظاهرات، من معدّلات البطالة الأعلى في البلاد في صفوف الشباب المنتمين إلى الشريحة العمرية 15-29 عاماً. في حين بلغت نسبة البطالة لدى هذه الفئة من الأشخاص 25.9 في المئة في العام 1395، يصل معدل بطالة الشباب في كارمانشاه وكردستان إلى 38.9 و33.4 في المئة على التوالي. وقد كانت للنقص الحاد في المياه في الأعوام القليلة الماضية في المحافظات الغربية الشمالية، تداعيات كارثية على الزراعة، وربما كان أحد الأسباب الأساسية خلف ارتفاع معدّلات البطالة. بحسب الإحصاءات الرسمية، تراجع متوسّط النمو في الدخل الأسري الخاص الذي يتم كسبه من القطاع الزراعي، من 50.5 في المئة في العام 1392 (21 آذار/مارس 2013-20 آذار/مارس 2014)، إلى 4.2 في المئة في العام 1395.

يُعتبَر عدم المساواة الاقتصادية بين المناطق في إيران من الأسباب الأساسية خلف الطابع الجغرافي لحدّة التظاهرات وانتشارها، بيد أن المحفّزات المباشرة للاحتجاجات تبقى مرتبطة على الأرجح بالديناميات السياسية والأمنية في البلاد وداخل كل واحدة من المحافظات. مع تقدّم الإيرانيين في السن – وبالتالي زيادة الاهتمام بالشؤون الاقتصادية – ستكتسب اللامساواة بين المناطق مزيداً من الأهمية في فهم التعبئة الاجتماعية في إيران.