تارا سبهري فار، باحثة إيرانية في منظمة هيومن رايتس ووتش. لمتابعتها عبر تويتر: sepehrifar@

عندما اندلعت الاحتجاجات في مشهد في 28 كانون الأول/ديسمبر وانتشرت سريعاً إلى عشرات المدن الأخرى في مختلف أنحاء إيران، قلّة قليلة فقط بدت قادرة على تحديد هوية المحتجّين الفعلية، وما هي بالضبط المظالم التي دفعت بهم إلى النزول إلى الشارع. حتى في المجموعات الإلكترونية عبر موقع "تلغرام"، والتي تضم مئات النشطاء السياسيين والاجتماعيين داخل البلاد وخارجها، قلّة فقط استطاعت أن تقدّم رواية مباشرة حول ما يجري.

لكن عند الربط بين مقاطع الفيديو وروايات الشهود العيان لتوثيق الانتهاكات الحكومية المحتملة، يتّضح أنه بغض النظر عن الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات، يعبّر المحتجّون عن مجموعة واسعة من المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المستمرة منذ وقت طويل. تدفع هذه المخاوف بعشرات آلاف الإيرانيين الذين لم تكن لديهم في السابق أية انتماءات سياسية أو انتماءات إلى مجموعات ناشطة، إلى التعبير عن امتعاضهم الشديد، والمطالبة بإعارتهم آذاناً صاغية في الحال.

قد يكون هناك سببٌ وراء عدم وجود قادة معروفي الهوية أو مجموعات معروفة الهوية وراء هذه الاحتجاجات. فمنذ التظاهرات الطالبية في العام 1999، سعت الأجهزة الأمنية في إيران إلى إسكات أي تعبئة وحِراك منظّمَين. في الحال، يصبح الطلاب، والمدافعون عن حقوق الإنسان، وأنصار حقوق المرأة، وقادة العمّال، والنشطاء الذين يرفعون لواء حقوق الأقليات الإثنية، مستهدَفين، ويسيرون في حقل ألغام من القيود القانونية والخارجة عن نطاق القانون التي تُفرَض على حقّهم في حرية التعبير والتجمّع.

في العام 2009، ذهبت القوى الأمنية إلى حد توقيف أشخاص ينتمون إلى أحزاب سياسية قانونية. غادر مئات الناشطين البلاد، وأمضى العشرات عقوبات قاسية بالسجن. وقد استأنف الصحافيون والنشطاء جهودهم من أجل إعادة بناء المجتمع المدني، لكنهم واجهوا من جديد المعوّقات نفسها. قررت نرجس محمدي، نائبة رئيس مركز المدافعين عن حقوق الإنسان المحظور، البقاء في إيران فيما غادرت أسرتها البلاد، وذلك لأنها أرادت أن تواصل نضالها، بما في ذلك النضال ضد العدد الهائل لأحكام الإعدام في إيران. تمضي راهناً عقوبة بالسجن لمدة عشرة أعوام. أما رضا شهابي، الناشط البارز في مجال الدفاع عن حقوق العمّال، فقد زُجّ في السجن بـ"تهمة" محاولة إنشاء نقابات عمّالية مستقلّة. حتى الأشخاص الذين يكتفون فقط بتسليط الضوء على الفساد المستشري، يدفعون الثمن. يخضع الصحافي ياشار سلطاني الذي فضح الممارسات المالية السيئة للمسؤولين في بلدية طهران، للمحاكمة بسبب جهوده.

نظراً إلى القبضة الخانقة التي يمارسها النظام القمعي الإيراني على المجتمع المدني المنظَّم، درجت السلطات الإيرانية على إلغاء اجتماعات مقرّرة، ورفض طلبات تتقدّم بها مجموعات مستقلّة من أجل تنظيم تجمّعات سلمية في مناسبات معيّنة، على غرار عيد العمّال أو يوم الطالب الوطني. يقول عدد كبير من النشطاء السياسيين إن السعي إلى الحصول على ترخيص لتنظيم تجمّع سلمي ليس خياراً عملياً في إيران.

تعتبر إيران في شكل أساسي أن الحِراك السلمي هو "تهديد للأمن القومي"، ويجري التعامل مع الأشخاص الذين يحذّرون من استفحال المظالم الشعبية وتفشّي الفساد، على أنهم مثيرون للقلاقل والفتنة. في غياب صمّام الأمان الذي يوفّره المجتمع المدني والحِراك السياسي، ليس مفاجئاً أن تنزل حشود كبيرة إلى الشارع تعبيراً عن إحباطها وغضبها.

هل ستُدرك السلطات، على ضوء هذه الأحداث، أن الحق في تكوين الجمعيات وفي التجمّع السلمي أمرٌ صحّي وضروري من أجل حسن سير المجتمع؟ كان أسلوب النظام في التعاطي مخيِّباً للآمال حتى تاريخه – فقد لجأ إلى الاتهامات المعهودة عن وجود مؤامرة خارجية تستهدف البلاد، وعمد فوراً إلى اعتقال طلاب ناشطين معروفين، أي الأشخاص الذين هم في الموقع الأفضل للتعبير عن المطالب عن طريق قنوات سلمية منظَّمة.