هولي داغريس، محلّلة أميركية-إيرانية لشؤون الشرق الأوسط وقيّمة على الرسالة الإخبارية The Iranist. لمتابعتها عبر تويتر: HDagres@

"لا غزة، لا لبنان، أرواحنا من أجل إيران"، "دعكم من سورية، فكّروا بنا"، هذه بعض الهتافات التي سُمِعت في مقاطع الفيديو التي صُوِّرت خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران الأسبوع الماضي، والتي جرى تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لم تعبّر الاحتجاجات فقط عن الغضب والإحباط اللذين يشعر بهما الإيرانيون بسبب الوضع الاقتصادي في البلاد، والفساد، والنظام الثيوقراطي، بل لفتت الانتباه أيضاً إلى الأكلاف البشرية والمادّية التي تتكبّدها إيران جراء دعمها لنظام بشار الأسد في سورية، والميليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله في لبنان، والفصائل المسلّحة في قطاع غزة، فضلاً عن روابطها المحدودة مع المتمرّدين الحوثيين في اليمن. سبق أن ظهرت مشاعر مماثلة من حين لآخر – ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، انتشر مقطع فيديو لسيدة في طهران تعبّر عن معارضتها لقيام المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بإنفاق الأموال في الخارج في حين أنه ثمة حاجة إليها في الداخل – إلا أنها لم تصل على الإطلاق إلى المستوى الذي بلغته الأسبوع الماضي. 

على الرغم من أن الاحتجاجات الإيرانية تتصدّر الأخبار الدولية، إلا أن هذه الشعارات لا تعكس بالضرورة مشاعر المجتمع الإيراني ككل. وفقاً لاستطلاع أجراه مركز الدراسات الدولية والأمنية في مريلاند (CISSM) في تموز/يوليو الماضي، يعتبر 18 في المئة فقط من الإيرانيين أنه على إيران أن تتوقّف عن مساعدة مجموعات وأطراف على غرار حزب الله ونظام الأسد. ويرى 31 في المئة فقط من المستطلَعين أنه لا يجدر بإيران إرسال عسكريين إلى سورية لمساعدة الأسد في القتال ضد الثوّار السوريين وتنظيمات على غرار الدولة الإسلامية.

منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام 2011، أنفقت إيران المليارات على التمويل والسلاح والعديد البشري لتعزيز نظام الأسد. وقد تكبّدت خسائر جراء تدخلها في سورية: لقي أكثر من 2100 مقاتل إيراني ومدعوم من إيران مصرعهم، ونصف هؤلاء المقاتلين هم "متطوّعون" من أفغانستان وباكستان. كذلك قُتِل العديد من الجنرالات ذوي المراتب العليا في الحرس الثوري الإسلامي، وفي أيلول/سبتمبر، شارك آلاف الإيرانيين في تشييع محسن حججي، الجندي في الحرس الثوري الذي قُتِل ذبحاً على يد تنظيم الدولة الإسلامية. لكن طهران تحتفظ، من خلال دعمها للأسد، بحليف قوي في دمشق كما  تُبقي على سيطرتها على طرقات التهريب باتجاه لبنان.

أتاح صعود الدولة الإسلامية في العراق وسورية فرصةً للنظام الإيراني من أجل زيادة تأثيره في هذَين البلدَين. كان الاعتقاد، أو أقلّه الرسالة الموجَّهة من المسؤولين الإيرانيين، أنهم إذا لم يقاتلوا المتطرّفين السنّة في الخارج، فسوف يُضطرّون في نهاية المطاف إلى محاربتهم في الداخل. وقد تجلّى ذلك، في ناحية من النواحي، في حزيران/يونيو 2017، عندما تسبّب تنظيم الدولة الإسلامية بمقتل 12 شخصاً على الأقل وإصابة 46 شخصاً بجروح في هجوم على صرحَين أساسيين ورمزيين في طهران، هما مقر مجلس الشورى، ومتحف آية الله روح الله الخميني، مؤسّس الجمهورية الإسلامية.

بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية، وخسارة الثوّار السوريين مزيداً من الأراضي، بدأ بعض الإيرانيين يتساءلون حول ما سيحصلون عليه مقابل علاقات الصداقة الراسخة التي تقيمها بلادهم مع أفرقاء في المنطقة – لا سيما على ضوء صعود الكتلة السنّية بقيادة السعودية وبتشجيع من ترامب. بيد أن هذه المخاوف تبقى ثانوية بالنسبة إلى معظم الإيرانيين. فحتى مع انحسار الاحتجاجات ونجاح الحكومة في حملة القمع التي تشنّها، تستمر المظالم الأساسية التي يشتكون منها، ألا وهي التضخم والبطالة والفساد.