منذ السابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل من العام 2017 ، حيث صدر القانون رقم 13 للعام 2017، وهو القانون  الذي أُدخلت بموجبه تعديلات مثيرة للجدل على طريقة اختيار رؤساء الجهات القضائية في مصر، أظهرت شرائح من القضاة معارضة لتلك الخطوة التي رأوا فيها محاولة للسيطرة على القضاء. منح ذلك القانون رئيس الجمهورية سلطة تقديرية، دون مراجعة أو رقابة، لتعيين رؤساء السلطة القضائية، متجاوزاً بذلك مبدأ الأقدمية المطلقة المستقر منذ عقود. الطعون ضد هذا القانون وصلت بالفعل إلى المحكمة الدستورية العليا التي ستنظر في دعاوى المطالبة بعدم دستورية القانون في السابع عشر من شهر شباط/فبراير القادم. على الرغم من أن القضاء المصري في حاجة ماسة إلى الإصلاح، إلا أن القضاة، وأياً من القوى المدنية والاجتماعية الأخرى في مصر، لا يدعمون ما قدمه القانون 13/2017 من تغييرات.

يُصنَّف القضاء المصري بأنه من نوعية القضاء المتعدد، لا القضاء الموحد، أي إن السلطة القضائية المصرية تتشكل من جهات قضائية متعددة ومستقلة عن بعضها البعض، ولكل جهة منها اختصاصاتها وسلطاتها الحصرية الخاصة بها. هذه الجهات هي: القضاء العام، وعلى رأسه محكمة النقض، والقضاء الإداري، أو مجلس الدولة، وعلى رأسه المحكمة الإدارية العليا، والقضاء الدستوري وتمثله المحكمة الدستورية العليا. تختص هذه المحكمة الأخيرة بكل القضايا الدستورية بشكل حصري، في حين أن مجلس الدولة يختص بالقضايا المتعلقة بالقرارات الإدارية التي تصدر عن السلطة التنفيذية، أما القضاء العام فهو عبارة عن المحاكم التي تتولى الفصل في سائر أنواع المنازعات الأخرى، ومنها القضايا المدنية والجزائية، إلخ.

جرى العرف القضائي المستقر منذ إنشاء جهات القضاء المصري ــ بخاصة القضاء العام وقضاء مجلس الدولة ــ على اعتماد مبدأ الأقدمية بوصفه المعيار الأساس للترقية من درجة قضائية إلى أخرى أعلى منها، ومن بين ذلك الترقي لتولي المناصب العليا في الجهات القضائية. أهم هذه المناصب العليا هو، أولاً، رئيس محكمة النقض، أعلى محكمة في القضاء العام التي تأسست في العام 1931، وهو بحكم منصبه يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو المجلس المسؤول عن إدارة كافة شؤون القضاء العام. ثانياً، يسري مبدأ الأقدمية على تعيين رئيس مجلس الدولة، الذي أنشئ في العام 1945، وهو بصفته رئيس المحكمة الإدارية العليا أيضاً. على الرغم من أن مبدأ الأقدمية يمكن أن يكون مدخلاً لغير الأكفّاء، في بعض الأحيان، للوصول إلى منصب أعلى، إلا أنه، على الجانب الآخر، لطالما كان القضاة ينظرون إلى مبدأ الأقدمية ــ المذكور بالدستور المصري بالمادتَين 159 و209 ــ  باعتباره مبدأ مجرداً محايداً للترقي والوصول إلى المناصب العليا، وهو ما يكفل البعد عن التنافس على المناصب والتحزب بين القضاة وصولاً إلى تفرغهم لأداء عملهم القضائي.

في هذا الإطار، جاء القانون رقم 13/2017 بتعديلات على القانون رقم 46 للعام 1972 الخاص بالسلطة القضائية (الذي ينظم القضاء العادي) والقانون رقم 47 للعام 1972 الخاص بمجلس الدولة بما مفاده إلغاء الاعتماد على الأقدمية المطلقة كمعيار لتعيين رئيس محكمة النقض (رئيس مجلس القضاء الأعلى بصفته) ورئيس مجلس الدولة (رئيس المحكمة الإدارية العليا بصفته). قدّم القانون آلية جديدة تتلخص في قيام رئيس الجمهورية، بإرادته المنفردة ودون مراجعة من أي سلطة أخرى، بتعيين رئيس محكمة النقض ورئيس المحكمة الإدارية العليا. يكون اختيار رئيس الجمهورية لمن يشغل المنصبين من بين ثلاثة مرشحين يختارهم مجلس القضاء الأعلى، بالنسبة للقضاء العادي، والجمعية العمومية لمجلس الدولة، بالنسبة لرئيس هذا الأخير.

كان مطلب إصلاح القضاء وما زال على رأس المطالب التي تنادي بها كافة القوى والحركات السياسية والمجتمعية بمصر، وهو مطلب لم يتزامن مع اندلاع ثورة كانون الثاني/يناير من العام 2011 فحسب، بل يعود ذلك إلى عقود مضت. أسباب المطالبة بإصلاح القضاء ظاهرة للكثيرين، فعلى الرغم من المكانة الهامة التي يتمتع بها القضاء المصري كإحدى المؤسسات الكبيرة والقديمة بالدولة المصرية، إلا أن هذا لم ينفِ الحاجة الماسة للإصلاح على الدوام، لاسيما بعد ثورة كانون الثاني/يناير. كثيرة هي المقترحات التي قُدِّمت ونوقشت من أطراف عدة لإصلاح القضاء، ومنها على سبيل المثال مكننة إجراءات التقاضي وتحديثها بما يكفل فاعليتها وسرعتها جنباً إلى جنب مع إصلاحات أخرى واجبة حلاً للمعضلة المزمنة المتعلقة ببطء التقاضي؛ وكذلك تدريب القضاة ورفع كفاءتهم المهنية ودعم استقلالهم على المستويين الفردي والمؤسسي. لم يكن من بين مقترحات إصلاح القضاء، أبداً، استئثار رئيس الجمهورية بعملية تعيين رئيسَي مجلس الدولة ومحكمة النقض كما جاء بها القانون 13/2017، وهو ما يثير شكوك كثيرة حول الغرض من هذه الخطوة.  

منذ إعلان مجلس النواب المصري عن مناقشة مقترح القانون 13/2017، أثيرت اعتراضات عدّة ليس فقط من جانب القضاة والقضاء ، بل أيضاً من جانب بعض القوى السياسية والعديد من منظمات المجتمع المدني. تركزت الاعتراضات في مجملها على أن هكذا قانون من شأنه تقويض استقلال القضاء بشكل كلي والسيطرة على قياداته من خلال التحكم بعملية تعيينهم، فضلاً عن إهداره للمبدأ التاريخي المستقر عند القضاء المصري وهو مبدأ الأقدمية، ذلك المبدأ الذي كان يضمن ابتعاد القضاة عن التحزب واحتكامهم إلى معيار جامد بشأن الترقيات والتعيينات للمناصب العليا. أخيراً، فإن تطبيق هذا القانون من شأنه إثارة الحساسيات بين قضاة المناصب العليا، من خلال تخطي أحدهم في الاختيار وبالتالي خلق مساحات للتحزب ونشوء مجموعات قضائية لدعم بعض الأسماء في مقابل البعض الآخر، وهو الأمر الغريب تماماً عن طبيعة الجسد القضائي المصري.  

بالرغم من أهمية القانون كونه يتصل بالسلطة القضائية، وبالتالي يحتاج إلى استنفاد الوقت الكافي لدراسته ومناقشته، إلا أن الطريقة التي أدار مجلس النواب بها عملية إصدار هذا القانون أثارت علامات استفهام كبيرة. فبحسب الدستور المصري، يتعين عرض مشروع القانون على مجلس القضاء الأعلى لاستطلاع رأيه فيه، وهو ما لم يحدث؛ كما أن قسم التشريع بمجلس الدولة (وهو المختص بإبداء الرأي القانوني حول مشروعات القوانين) أبدى رفضه الكامل لمشروع القانون وقرر أنه يخالف الدستور مخالفة صارخة في مواضع عدة. إضافة لذلك، تجاهل مجلس النواب كل البيانات الصادرة عن نوادي القضاة برفض المشروع كلية، وأخيراً، بحسب ما صرح به أحد النواب ، تفاجأ نواب البرلمان بعرض مشروع القانون عليهم في جلسة عامة من دون الإعلان عن ذلك، ولم يمنح للقلة من نواب "المعارضة" الحق في مناقشة المشروع، وانتهى الأمر إلى تصويت مشكوك في نصاب أعضائه الحاضرين للجلسة، وقد صدر القانون ووقّع عليه رئيس الجمهورية في غضون ساعات وسط هكذا أجواء وتفاعلات.  

بصدور القانون رسمياً في أواخر نيسان/أبريل من العام الماضي، كان الترقب لتنفيذه في غضون أسابيع قليلة. دخل القانون حيز النفاذ بالفعل بعد أقل من شهرين بخروج رئيس محكمة النقض للمعاش. رشّح مجلس القضاء الأعلى، تنفيذاً للقانون الجديد، أقدم ثلاثة نواب من أعضائه، أي إن مجلس القضاء الأعلى استمر في تطبيق قاعدة الأقدمية. اختار رئيس الجمهورية رئيساً جديداً لمحكمة النقض من بين الأسماء الثلاثة إلا أنه اختار النائب الثاني للرئيس ومن ثم خرج رئيس الجمهورية، لأول مرة في تاريخ القضاء المصري، عن تقليد الأقدمية بتجاوزه للنائب الأول لرئيس محكمة النقض، القاضي أنس عمارة، مستعملاً الصلاحية التي منحه إياها القانون رقم 13 للعام 2017.

تجدد الأمر نفسه مع مجلس الدولة، حيث خرج رئيسه للمعاش أيضاً في حزيران/يونيو من العام نفسه، غير أن رد فعل قضاة مجلس الدولة في مجموعه كان الأكثر رفضاً لهذا القانون، وقد ظهر ذلك الرفض جلياً حينما اجتمعت الجمعية العمومية لمجلس الدولة، في 13 أيار/مايو 2017، لتختار ثلاثة مرشحين – تنفيذاً للقانون – ترسل أسماءهم إلى رئيس الجمهورية. أقدمت الجمعية العمومية على اختيار اسم واحد فقط ، وهو النائب الأول لرئيس مجلس الدولة الذي يجب أن يشغل مقعد رئيس مجلس الدولة طبقاً لقاعدة الأقدمية. مثّل ذلك صداماً مع السلطة وتحدّياً لها رد عليه رئيس الجمهورية بتعيين القاضي الرابع في الترتيب من حيث الأقدمية، القاضي أحمد أبو العزم، متجاوزاً بذلك ترشيح الجمعية العمومية لمجلس الدولة، ومتخطياً القضاة الثلاثة الأقدم بتعيينه للرئيس الجديد.

يرى كثير من المراقبين أن هذا القانون الجديد بما أعطاه من سلطة لرئيس الجمهورية كان المقصود الأساسي منه تخطي تعيين النائب الأول لرئيس مجلس الدولة آنذاك، القاضي يحيى دكروري، حيث أصدر هذا الأخير عدداً من الأحكام القضائية التي يمكن النظر إليها على أنها مناوئة للنظام السياسي. أهم هذه الأحكام ما صدر في 21 حزيران/يونيو من العام 2016  ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية الخاصة بجزيرتي تيران وصنافير ومن ثم استمرار السيادة المصرية عليهما، حيث كان القاضي يحيى دكروري رئيس محكمة القضاء الإداري التي أصدرت هذا الحكم. كما أن هذا الحكم القضائي كان قد سبقه بأسابيع قليلة تصريح من رئيس الجمهورية المصري يطلب بموجبه ــ من الجميع داخل مصر ــ عدم الحديث عن موضوع الجزيرتين مجدداً، بما معناه أن نقل السيادة عليهما إلى السعودية قد حُسِم.

الحقيقة أن إصدار هذا القانون يمثّل خطوة تبدو مفاجئة من زاوية معينة؛ ذلك أن القضاء المصري، في مجموعه، كان وما زال يُصنَّف على أنه جزء لا يتجزأ من الدولة المصرية بمفهومها الوطني العام، وعلى هذا الأساس والمفهوم كانت تحركات القضاء، بمحاكمه المتنوعة، عقب ثورة كانون الثاني/يناير وبخاصة في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين ورئاسة الرئيس الأسبق محمد مرسي. دفع ذلك الكثيرين إلى النظر للقضاء المصري بوصفه "حليفاً" لنظام حكم الثالث من تموز/يوليو من العام 2013 وشريكاً أساسياً فيه، بوصف ذلك النظام قادماً من قلب الدولة وأهم مؤسسة فيها، الجيش المصري. في هذا السياق، يمكن فهم القانون 13/2017 على أنه رسالة جليّة إلى القضاء ــ والقوى السياسية والمؤسسات الأخرى من خلفه ــ بأن لا أحد شريك لنظام الحكم الحالي في إدارته للبلاد.

لم تنتهِ معركة القانون 13/2017 بعد، فالرفض المعلن تحول إلى رفض ممنهج بانتقاله إلى ساحات المحاكم. فقد قام كل من القاضي يحيى دكروري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، والقاضي أنس عمارة، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، وهما مَن تجاوزهما رئيس الجمهورية في التعيين - قاما بالطعن بقرارات رئيس الجمهورية أمام المحاكم المختصة، وأحيلت الدعوى للمحكمة الدستورية العليا طعناً على القانون برمته، وستبدأ أولى جلسات الدعوى الدستورية خلال شهر شباط/ فبراير القادم. من المتوقع أن تنتهي المحكمة الدستورية إلى عدم دستورية ذلك القانون ومن ثم عدم شرعية قرارات رئيس الجمهورية بناءً عليه، وهو ما سيمثّل تحدياً كبيراً لنظام الثالث من تموز/يوليو الذي لا يعتمد إلا "السيطرة والإخضاع" كآليات لتسيير شؤون الحكم والدولة في مواجهة سائر المؤسسات والجهات والأفراد على المستوى الداخلي، حال أن هذا النظام قد أخطأ التقدير بدخوله في معركة مع إحدى أقدم المؤسسات المصرية صاحبة التقاليد الممتدة والقادرة على المواجهة بشكل أو بآخر، خصوصاً في حال الاعتداء عليها، وهو ما سيكون له آثاره بالمستقبل.

يوسف عوف قاضٍ مصري، وباحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري التابع للمجلس الأطلنطي، وزميل بحثي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة ماكس بلانك للسلام الدولي وسيادة القانون في ألمانيا.