خلال العام المنصرم، أولى وزراء المال وحكّام المصارف المركزية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط اهتماماً عن كثب لكيفية استجابة الاقتصاد المصري للتراجع الشديد في سعر الجنيه، والزيادات في أسعار الفوائد، ومجموعة منوّعة من الإصلاحات البنيوية التي وافقت عليها الحكومة قبل حصولها على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار أميركي. يشكّل الاقتصاد المصري المتفرّد بخصائصه، مثالاً عن التأثير الذي تمارسه المماطلة والمواربة في معالجة التشنّجات في السياسات الاقتصادية التي تراكمت على مر العقود، بما يؤدّي إلى استفحال الأزمات القصيرة الأمد – إنما أيضاً عن كيفية اكتساب ثقة الشعب السياسية في مناخ من التضخم الشديد.

في الوقت الراهن، ينبغي على تونس والسودان، على وجه الخصوص، أن تستمدّا العِبَر من مصر، حيث أثبتت الجهود المتواضعة لإصلاح الدعم الحكومي نجاحها. على الرغم من أن الهيكلية الحكومية والفلسفة الاقتصادية تختلفان إلى حد كبير بين بلدٍ وآخر، مع اعتماد تونس منظومة أكثر ليبرالية ومرونة لتحديد أسعار الصرف فيما تستمر السودان في التعويل على منظومة مشوِّشة قوامها التثبيت الجامد (hard peg) مع تراجع مستمر في قيمة العملة، إلا أن الدولتَين تشهدان، على الصعيد الداخلي، أجواء اقتصادية وسياسية مضطربة.

لطالما قدّمت مصر الدعم للمواد الغذائية والأصناف المختلفة من الطاقة، لا سيما الكهرباء والمحروقات المستخدمة في الآليات السيّارة. لكن مع اتّساع العجز المالي وظهور جوقة من الخبراء الاقتصاديين الأكاديميين والمتعدّدي الأطراف والعاملين في القطاع الخاص الذين طالبوا على امتداد سنوات بإصلاح الدعم الحكومي، صدمت مصر المراقبين عبر التحرك من أجل خفض الدعم للطاقة في تموز/يوليو 2014. وقد أتاحت هذه الخطوة للحكومة تخصيص بعض من رأسمالها السياسي الداخلي للتخفيف من الأعباء عن كاهل الموازنة، فيما وجّهت أيضاً إشارة إلى المجتمع الدولي بأن مصر تأخذ الإصلاح الاقتصادي – وربما السياسي – على محمل الجد. في حين أن الإصلاح السياسي فشل إلى حد كبير في التبلور على الأرض، مضت الإصلاحات الاقتصادية قدماً، ولو بعد العديد من الانطلاقات الخاطئة.

لكن ما هو على الأرجح أكثر أهمية من الخفوضات في دعم الطاقة، القرار الذي اتُّخِذ بعدم المساس بالدعم للمواد الغذائية – أقلّه في الوقت الراهن. على الرغم من أن دعم الطاقة يمكن أن يعود بالفائدة على الفقراء من خلال خفض تكاليف النقل العام، إلا أنه يصب بطريقة غير متكافئة في مصلحة المواطنين الأكثر ثراء الذين يمتلكون منازل، ويشغّلون مكيّفات الهواء، ويقودون سياراتهم الخاصة. أما منافع الدعم للمواد الغذائية فتتوزّع بطريقة أكثر مساواةً. نتيجةً لذلك، من شأن الخفوضات في الدعم للمواد الغذائية أن تتسبّب بتململ واسع عبر مختلف الشرائح الاقتصادية.

لتونس، شأنها في ذلك شأن مصر، تاريخ طويل ومعقّد في دعم الطاقة والمواد الغذائية. وكما في مصر، بات الدعم الحكومي في تونس يستحوذ، سنة تلو الأخرى، على حصّة متزايدة من الإنفاق الحكومي. سجّل الدعم الحكومي ارتفاعاً بعد ثورة 2011، فازداد من 2.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي إلى 7 في المئة بحلول العام 2013. وكما في حالة مصر، بقي الدعم الحكومي الضئيل للمواد الغذائية في تونس على حاله إلى حد كبير. لكن على النقيض من مصر، لم يشعر السياسيون في تونس، في السنوات التي أعقبت الثورة، بأنهم يمتلكون الرأسمال السياسي اللازم من أجل إجراء إصلاحات صعبة في مجال دعم الطاقة. ولم تتحرك تونس لخفض الدعم السخي للطاقة سوى في تموز/يوليو 2017، بناءً عى طلب صندوق النقد الدولي ووسط سجال داخلي حاد. فضلاً عن ذلك، عمدت تونس إلى زيادة الضريبة على القيمة المضافة، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وفرضت المساهمات الإلزامية في الضمان الاجتماعي، فتراجع صافي الراتب. رغبة تونس في إجراء خفوضات إضافية هي في الواقع محدودة، شأنها في ذلك شأن مصر. لقد أعلنت الحكومة التونسية بوضوح في تشرين الأول/أكتوبر 2017 أنها لن تنظر في إدراج خفوضات إضافية في موازنة 2018 إلا بعد إجراء مراجعة متأنّية لتحديد مَن هم المستفيدون الفعليون من هذه البرامج. وغداة التظاهرات الأخيرة، أعلنت الحكومة أيضاً أنها ستزيد الدعم للفقراء، إنما لم تدلِ بعد بتفاصيل عن طبيعة هذا الدعم.

السودان في وضع أصعب من تونس إلى حد كبير. فمع خسارة الإيرادات النفطية بعد انفصال جنوب السودان في العام 2011، لم يعد أمام الحكومة من خيار سوى تطبيق خفوضات شديدة في الدعم. وقد أدّت الخفوضات في دعم الوقود في العامَين 2013 و2016، إلى اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، على الرغم من حملة القمع التي لجأت إليها الحكومة. وحتى بعد إقرار الخفوضات، ظل الإنفاق الحكومي على دعم القمح والمحروقات يسجّل نحو 5.75 في المئة من إجمالي الناتج المحلي حتى أواخر العام 2017 – وإبان توحيد سعر الصرف في كانون الثاني/يناير 2018، ما أسفر عن زيادة أسعار القمح المستورَد بالدولار الأميركي، ازدادت كلفة الدعم.

قرّر السودان إلغاء الدعم للقمح اعتباراً من الأول من كانون الثاني/يناير. وفي هذا الإطار، اعتبرت الحكومة أن هذه الخطوة تعود بالفائدة على السوق المحلية عبر التحول من المورّدين الخارجيين إلى الاقتصاد المحلي للحصول على القمح – حتى إنها لمّحت إلى أن سعر الخبز سيبقى على حاله بسبب زيادة المنافسة المحلية. إنه زعمٌ مضحك، فاعتباراً من العام 2015، لم يُنتج السودان سوى 30 في المئة فقط من القمح الذي يستهلكه. من شأن التحوّل الفجائي من الأسواق الدولية نحو القطاع الداخلي أن يصطدم بعددٍ لا يُحصى من العثرات المتعلقة بالقدرة الإنتاجية، والحصاد، والنقل، والتخزين، والتوزيع، والتي تستغرق معالجتها سنوات طويلة. بدلاً من أن تبقى الأسعار على حالها، زادت أسعار الخبز بمعدّل الضعف في الأيام الأولى بعد خفض الدعم.

تؤدّي خفوضات الدعم، في نهاية المطاف، إلى زيادة الأسعار الاستهلاكية، بغض النظر عن مدى فاعلية الجهود التي تبذلها الحكومة وحنكتها على المستوى الاقتصادي. أما الزيادات في أسعار الفوائد، كتلك التي شهدتها مصر بعد تعويم الجنيه وخفض الدعم في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، فلا يمكنها أن تساهم، في المدى المنظور، في كبح التضخم الناجم عن انخفاض قيمة العملة، ما يؤدّي إلى ارتفاع أسعار السلع المستورَدة. والأهم من ذلك، ليس التضخم مشكلة اقتصادية وحسب، بل مشكلة سياسية أيضاً.

للوهلة الأولى، يبدو في معظم الأحيان أنه ليس هناك ترابط كبير بين معدّل التضخم وتداعياته السياسية. في أعقاب الخفوضات الأخيرة في الدعم الحكومي وتراجع قيمة العملة، تخطّت معدلات التضخم على أساس سنوي في كل من مصر والسودان، 30 في المئة. لكن في حين شهدت مصر تظاهرات محدودة احتجاجاً على إجراءات التقشف القسرية ومفاعيل تحرير سعر الصرف، لجملة أسباب منها "سياسة عدم التسامح" مع الاحتجاجات، كما تسمّيها منظمة "هيومن رايتس ووتش"، تسبّبت خفوضات الدعم في السودان في العامَين 2013 و2016، باندلاع احتجاجات شعبية واسعة، فشنّت الحكومة حملة لقمعها أسفرت عن مقتل مئات المواطنين السودانيين. وكانت البلاد على موعدٍ مع مشهد مشابه في الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الزيادة الأخيرة في سعر الخبز، ولقي متظاهر واحد على الأقل مصرعه. غنيٌّ عن القول أن العداوة بين الشعب والحكومة السودانية التي باتت أكثر قمعية من أي وقت مضى، تزيد من التشنّجات في الأسواق.

في المقابل، تمكّنت تونس، من جهتها، من الإبقاء على معدلات التضخم عند مستوى الرقم الواحد منذ العام 2011. فقد بلغ معدل التضخم 6.4 في المئة فقط في العام 2017. على الرغم من أنه معدّل منخفض وفقاً للمعايير الإقليمية، اندلعت احتجاجات عنيفة، وألقى عدد كبير من المعلّقين باللائمة على صندوق النقد الدولي. لا يمكن تفسير هذا التباين انطلاقاً فقط من إحصاءات الاقتصاد الكلي. فعلى سبيل المثال، إجمالي الناتج المحلي للفرد شبه متساوٍ في كل من مصر وتونس، على الرغم من الاختلاف في تاريخ البلدَين وهيكليتهما الاقتصادية.

في مؤشّر مهم، أدّت إجراءات التقشف والإصلاحات الاقتصادية إلى ارتفاع سعر الخبز، في كل من السودان وتونس، إنما ليس في مصر. أسعار الخبز، سواءً السعر المباشر أو أسعار المكوّنات على غرار دقيق القمح، مقدّسة إلى أبعد الحدود ولطالما كانت مضمونة من الحكومة. وهي ليست على الإطلاق السبب الوحيد وراء اندلاع احتجاجات في كل من السودان وتونس، فيما ظلّت مصر بمنأى عن الحركة الاعتراضية، لكنها رمز ثقافي شديد الأهمية من رموز عقدٍ اجتماعي بين الشعب والحكومة. في كل من مصر وتونس، كان الرغيف واحداً من ثلاثة مطالب رفعها المتظاهرون في الأسابيع الأولى من احتجاجات الربيع العربي.

في المقابل، وفي حين أن تحرير سعر الصرف والانضباط المالي يؤدّيان دوراً محورياً في تنفيس التململ الاقتصادي الذي تشهده مصر وتونس والسودان مؤخراً، إلا أن تجارب هذه الدول تُظهر أن الزيادات في الأسعار، لا سيما أسعار السلع التي تُعتبَر أساسية بالنسبة إلى المستهلكين، هي شؤون سياسية بطبيعتها. قد تكون الأسباب وراء الزيادات في الأسعار مرتبطة بعوامل ماكرو اقتصادية، لكن الحلول التي يجدر بالحكومة استنباطها تتطلب ثقة من الشعب، وعلوماً اقتصادية سليمة. مع بلوغ الغضب نقطة الغليان، لا تتمتع تونس ولا السودان بالمرونة السياسية والاجتماعية اللازمة في الوقت الراهن من أجل المضي قدماً بالإجراءات الإصلاحية المتنوّعة التي اتّفقت عليها حكومتا البلدَين مع صندوق النقد الدولي. وحدها مصر تبدو قادرة على السير قدماً بهذه التدابير. لكن حتى مصر تتناسى ربما ماضيها، مع إعلان وزارة التموين والتجارة الداخلية عن خطط في تموز/يوليو 2017 لتحرير سعر الخبز وتقديم دعم نقدي بدلاً من دعم منتجي الخبز ومن تثبيت سعر الرغيف. قد يكون قراراً منطقياً من الناحية الاقتصادية، إنما تُطرَح علامات استفهام حول مدى حكمته على المستوى السياسي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

برندان ميغان محلل متخصص في الاقتصاد الكلي يركّز على الشرق الأوسط. لمتابعته عبر تويتر: BrendanJMeighan@