أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، العقيد تامر الرفاعي، في التاسع من شباط/فبراير الجاري، عن إطلاق "العملية العسكرية الشاملة" من أجل القضاء على التمرّد المتنامي في البلاد. على الرغم من أن وجهة التركيز الأساسية للعملية هي شبه جزيرة سيناء، ولذلك تُعرَف بـ"عملية سيناء"، إلا أنها تشتمل أيضاً على نشر القوى الأمنية على نطاق واسع في الصحراء الغربية وأجزاء من دلتا النيل، فضلاً عن دوريات للقوات البحرية والجوية في المناطق الحدودية.

جاء الإعلان عن العملية بعد سلسلة من الهجمات الواسعة النطاق. في تشرين الأول/أكتوبر 2017، لقي 54 عنصراً من القوى الأمنية مصرعهم في كمين أثناء محاولتهم مداهمة مخبأ للمقاتلين في إطار عملية لمكافحة الإرهاب باءت بالفشل في الصحراء الغربية. وأعقبه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 هجومٌ على أحد مساجد الصوفيين نفّذه تنظيم ولاية سيناء، وهو الفرع المحلي لتنظيم الدولة الإسلامية، وأسفر عن مقتل 305 مصلّين في الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في تاريخ مصر. في خطوةٍ أفضت إلى انطلاق العملية الراهنة، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهات في 29 تشرين الثاني/نوفمبر، طلب بموجبها من القوات المسلحة إعادة فرض النظام في سيناء في غضون ثلاثة أشهر.

فيما كانت القوات المسلحة تستعد للانتشار في سيناء في كانون الثاني/يناير 2018 عملاً بتوجيهات الرئيس، شنّت ولاية سيناء هجوماً جديداً، في 19 كانون الأول/ديسمبر، استهدف وزير الدفاع صدقي صبحي ووزير الداخلية مجدي عبد الغفار، أثناء زيارة غير معلَنة لهما إلى سيناء. وقد نُفِّذت محاولة الاغتيال، التي أسفرت عن مصرع ضابط وإصابة اثنين آخرَين بجروح، بقصف مطار العريش بقذيفة هاون، وشكّلت تصعيداً خطيراً في عمليات المقاتلين. معرفة المقاتلين بالزيارة السرّية كشفت عن قدرتهم على اختراق البروتوكولات الأمنية عند أعلى مستوياتها، هذا فضلاً عن أن الاعتداء استهدف وزير الدفاع، الرجل الثاني الأقوى في البلاد، بعد السيسي. تسبب هذا الهجوم بإحراج شديد للنظام الذي يستمدّ شرعيته من "حربه على الإرهاب"، ومن مزاعمه عن تحسين الأوضاع الأمنية، ولذلك كان لا بد له من شن العملية العسكرية الشاملة.

تقوم العملية الجديدة على الثأر بواسطة المدفعية الثقيلة والاستخدام المكثّف للهجمات الجوية، في استكمال للتكتيكات الشديدة الوطأة وغير المتقَنة التي تتسبّب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. العناصر الجديدة في هذه العملية هي عزل سيناء في شكل تام عن باقي البلاد؛ والاستعانة بأعداد متزايدة من الجنود والمعدات العسكرية؛ وفرض حظر تجوال غير رسمي، ما أدّى، وفق ما أفيد، إلى نقص في الإمدادات الغذائية. في الواقع، يتوقّع الجيش سقوط أعداد كبيرة من الضحايا: فقد وُضِعت جميع المستشفيات في منطقة سيناء في حالة تأهّب قصوى قبل العملية تحسّباً لوصول أعداد كبيرة من الجرحى، واستُقدِم أطبّاء جرّاحون من القاهرة ومناطق أخرى، مؤقتاً، إلى سيناء لتقديم المساعدة إلى الأطباء المحليين. علاوةً على ذلك، جرى تعليق الدروس في شمال سيناء حتى انتهاء العملية، وقرّر الجيش إنشاء منطقة أمنية ممتدّة على مساحة 25 كيلومتراً مربعاً (15 ميلاً مربعاً) حول مطار العريش العسكري المغلَق منذ هجوم 19 كانون الأول/ديسمبر – ما اقتضى هدم جميع المباني المحيطة بالمكان، ومنها بعض المزارع والمنازل في الضواحي الجنوبية للمدينة.

لقد فشلت العمليات الأمنية السابقة، منها عملية "النسر" في العام 2011 وعملية "حق الشهيد" في العام 2015، في إلحاق هزيمة كاملة بالتمرد الذي استمر في التطوّر والتكيف، بتأجيج من الغضب الذي يثيره سقوط ضحايا مدنيين. على الرغم من أن استخدام قوّة أكبر في العملية الراهنة لن يؤدّي على الأرجح إلى تحقيق الهدف العسكري المباشر المتمثل بالقضاء على التمرد، إلا أنه للعملية العسكرية غاية سياسية واضحة. فهي تهدف إلى تعزيز استقرار النظام في وجه الضغوط الداخلية المتزايدة، وتحويل الأنظار بعيداً من الأوضاع الاقتصادية الصعبة ومن الإخفاقات الأمنية التي مُني بها النظام مؤخراً. 

على مشارف الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في آذار/مارس، مُنِع عدد من المرشحين المحتملين من خوض الانتخابات، أو تعرّضوا للترهيب من أجل الانسحاب من السباق. وبينهم رئيس الوزراء السابق الفريق أحمد شفيق الذي كان ضابطاً في سلاح الجو؛ وسامي عنان، رئيس أركان الحرب السابق في الجيش المصري؛ والعقيد أحمد قنصوة؛ وخالد علي، المحامي المرموق الذي يرفع لواء الدفاع عن حقوق الإنسان والذي انسحب من السباق مُبدياً اعتراضه على تدخّل النظام السافر في العملية الانتخابية. المرشح الوحيد المتبقّي هو موسى مصطفى موسى، رئيس حزب غد الثورة والمعروف بدعمه للسيسي. وقد قام هذا الأخير بتقديم المستندات الضرورية قبل سبع دقائق فقط من انقضاء مهلة الترشّح. بعد إلغاء جميع المنافسين، تحوّلت الانتخابات إلى استفتاء على شعبية السيسي. بهذه الطريقة، زجّ النظام نفسه في موقف صعب بصورة مفاجئة، وبات فجأةً بحاجة إلى إحراز تقدّم في مسائل داخلية أساسية. على الرغم من أن فوز السيسي أمرٌ محتوم، إلا أنه تُمارَس ضغوط في الوقت الراهن لتعزيز موقعه، وتحويل السردية بعيداً من الانتخابات، والصراعات في صفوف النخبة، وتصويب بوصلتها نحو "الحرب على الإرهاب".

اكتسب هذا الأمر طابعاً أكثر إلحاحية في 30 كانون الثاني/يناير، عندما دعت الحركة المدنية الديمقراطية، وهي عبارة عن تحالف فضفاض من الأحزاب المعارِضة والشخصيات السياسية المستقلّة، إلى مقاطعة الانتخابات. يصعب قياس مدى التأثير الذي تمارسه الدعوة إلى المقاطعة، لكن نظراً إلى الأجواء الانتخابية القمعية، واتجاه السيسي إلى تحقيق فوز محتوم، يُتوقَّع أن تكون هناك مقاطعة بالفطرة. من شأن ذلك أن يطرح شكوكاً حول مدى صدقية الانتخابات، وهذا هو السبب خلف الرد الغاضب من السيسي الذي لمّح إلى أن المعارضة تُعرّض الأمن القومي للخطر، وهدّد بالتضييق عليها أكثر.

تهدف الحملة الإعلامية المرافِقة للعملية العسكرية الجديدة إلى السيطرة على السردية وإضعاف المعارضة. خير مثال على ذلك قيام القوات العسكرية، في 13 شباط/فبراير، بتوقيف هشام جنينة، المرشح لمنصب نائب الرئيس في حملة سامي عنان، والرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في مصر، بعد ادّعائه أن عنان يمتلك وثائق تثبت تورّط عناصر في الأجهزة الأمنية في ارتكاب جرائم ضد المتظاهرين خلال احتجاجات 2011 وبعدها. وقد أشار الجيش، في بيان رسمي صادر عنه، إلى العملية الحالية في سيناء كأحد الأسباب خلف اتخاذ إجراءات قانونية بحق جنينة وصولاً إلى إلقاء القبض عليه.

يعمد القادة العسكريون الذين أعلنوا عن دعمهم للعملية الحالية، إلى تشبيهها بحرب 1973، التي هلّلت لها الأنظمة المصرية المتلاحقة معتبرةً أنها نصر عسكري كبير ضد إسرائيل. وهذا الدعم عبّر عنه أيضاً مجلس النواب في العاشر من شباط/فبراير. كذلك أصدر ائتلاف دعم مصر الموالي للسيسي بياناً، في التاسع من شباط/فبراير الجاري، عبّر فيه عن دعمه للعملية وللقوات المسلّحة. حتى إن عدداً من الأحزاب المعارِضة، مثل حزب التجمع، وحزب المصريين الأحرار، وحزب المحافظين، وحزب الوفد الجديد، وحزب المؤتمر، أعلن عن دعمه للجيش بالإجماع. وأطلق بعضها، مثل حزب المؤتمر، حملات توعية لمحاربة "التضليل في المعلومات" عن العملية العسكرية.

هذا وقد أعرب قادة دينيون ومؤسسات دينية عن دعمهم أيضاً للعملية الراهنة. فقد ناشد الأزهر المواطنين المصريين مؤازرة الجيش وقوى الأمن. كذلك أشاد مفتي الديار المصرية، شوقي علام، بالعملية العسكرية. ودعا عبد الهادي القصبي، رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية والنائب في البرلمان المصري، المواطنين إلى دعم الجيش والرئيس في مساعيهما. صحيح أن الدعم من هؤلاء الأفرقاء ليس بالأمر المفاجئ، إلا أنه يسلّط الضوء على الشعبية التي يتمتع بها الجيش، وعلى المخاوف الواسعة النطاق من أن الامتناع عن تقديم الدعم الكامل قد يُستخدَم مبرّراً لاتّهام الأشخاص بدعم الإرهاب.

في المدى الأبعد، حظوظ النجاح العسكري لهذه العملية ضئيلة، فالتكتيكات الشديدة الوطأة وغير المتقنة ساهمت في تأجيج التمرد بدلاً من وقفه، بسبب غياب إطار سياسي شامل لمعالجة قضية سيناء الاجتماعية والسياسية. لكن في المدى القصير، تتيح هذه العملية للسيسي وحلفائه التفوّق حيلةً ودهاءً على المعارضة، ما يساهم في تدعيم موقع النظام. والدليل على ذلك قدرة النظام على حشد الدعم من أطياف متنوّعة، وعجز المعارضة عن انتقاد العملية العسكرية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ماجد مندور محلل سياسي وكاتب عمود Chronicles of the Arab Revolt عبر "أوبن ديمقراسي". لمتابعته عبر تويتر: MagedMandour@