في الثالث من آب/أغسطس، انتقدت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند احتجاز السعودية لناشطين حقوقيين سعوديين (بعضهم تجمعهم صلة قرابة بمواطنين كنديين) يعبّرون عن آرائهم من خلال موقع تويتر. على الرغم من أن كبيرة الدبلوماسيين في أوتاوا استخدمت لغة معهودة، تكاد تكون شبيهة بالتصريحات الصادرة عن رجال دولة غربيين آخرين عند الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية، إلا أن الرياض ردّت بطريقة غير مسبوقة عبر إقدامها على طرد السفير الكندي، وتجميد كل أشكال التجارة الثنائية الجديدة (التي تساوي نحو 4 مليارات دولار في السنة) والمعاملات الاستثمارية، وإطلاق برنامج لنقل آلاف الطلاب السعوديين الموجودين راهناً في كندا إلى بلدان أخرى، وتعليق الرحلات من كندا وإليها، من جملة إجراءات أخرى.

قبيل هذه الواقعة، لم تكن لكندا أهمية في السياسة الخارجية السعودية. فعلى النقيض من بعض الدول الأخرى الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كندا هي، بصورة عامة، بمثابة مراقِبة خارجية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن في الأعوام الأخيرة، تمحورت السياسة الخارجية الكندية، باطراد، حول الجهود الآيلة إلى تعزيز السلام والأمن والمعيشة الاقتصادية في الدول التي تمزّقها الحروب وتعاني من الإفقار. ورداً على الأزمتَين السورية والعراقية، استقبل الكنديون نحو 70000 لاجئ من البلدَين، واستثمروا ملايين الدولارات في العراق وسورية ولبنان والأردن لوقف رياح عدم الاستقرار التي تهبّ على المشرق.

لكن، وكما هو الحال مع السويد وألمانيا، أدّت السياسة الخارجية الكندية الأكثر توجّهاً نحو القيَم إلى توتير العلاقات الكندية مع السعودية التي تنتهج سياسة خارجية تزداد عدوانية في المنطقة. فقد سعت الرياض، في مواجهة ما تعتبره تهديدات من إيران الصاعدة، إلى حماية مصالحها في بيئة تزداد فوضوية. لقد شنّت السعودية تدخلات عسكرية مباشرة في البحرين واليمن في العامَين 2011 و2015 على التوالي. إشارة في هذا الصدد إلى أن هذه المناورات والتدخلات العسكرية التي تقودها السعودية أصبحت أكثر صِداميةً منذ تعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد في حزيران/يونيو 2017. فقد مارست الرياض ضغوطاً على لبنان للتحرك ضد حزب الله في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بعد خمسة أشهر من فرضها حظراً على قطر على خلفية دعمها للإخوان المسلمين. هذه التدخلات الإقليمية هي خير مثال عن المحاولات التي تبذلها المملكة للضغط على الدول العربية الأصغر حجماً في المنطقة من أجل أن تكون على الموجة نفسها مع الرياض. لكن من وجهة نظر الديمقراطيات الليبرالية مثل كندا، تُثير السياسة الخارجية السعودية الجديدة مخاوف بشأن الاستقرار وحقوق الإنسان في المنطقة، لا سيما في اليمن، حيث يتحمّل التدخل الذي تقوده السعودية مسؤولية كبيرة عن الكارثة الإنسانية في البلاد التي تعاني من الإفقار.

من خلال استهداف كندا، تسعى الرياض أولاً إلى توجيه رسالة إلى الحكومات الغربية في شكل عام بأن انتقاد إدارة الشؤون الداخلية في المملكة انطلاقاً من اعتبارات حقوق الإنسان، يتجاوز خطاً أحمر. بيد أن الخلاف الأخير مع كندا يساهم أيضاً في شحن المشاعر القومية ضد التدخل الغربي، ما يصب في إطار الجهود الداخلية الهادفة إلى تثبيت دعائم السلطة وقمع المعارضين. وعبر رفع التحدّي بوجه أوتاوا، تريد الرياض أيضاً أن تُفهِم الجمهور الداخلي أن النظام قوي وقادر على تحدّي قوة كبيرة بحجم كندا – ولو كانت هدفاً ناعماً نظراً إلى مكانتها المتدنّية نسبياً في شبكة الحلفاء العالميين للسعودية، فتجارتها الثنائية مع المملكة لم تتخطّ قط بضعة مليارات الدولارات.

القيادة السعودية مصمّمة، في نهاية المطاف، على حشد الرأي العام السعودي خلف الأجندات الإقليمية والداخلية للمملكة فيما يعمل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على تثبيت دعائم السلطة باطراد. وفي حين تبقى الحرب اليمنية كارثة بالنسبة إلى السعودية – ليس فقط من وجهتَي نظر أمنية ومالية، إنما أيضاً لناحية المكانة الدولية للمملكة – تساهم الحملة ضد كندا في تحويل أنظار المواطنين السعوديين عن النزاع وجعلهم يرصّون صفوفهم دعماً لبلادهم. تشهد المملكة، حيث نحو 70 في المئة من السكان هم دون سن الثلاثين، تحوّلاً على مستوى الأجيال، بوجود محمد بن سلمان في دفة القيادة. ولذلك، بغية تحقيق التحديث والتنويع الاقتصادي، ينبغي على الجيل المقبل من السعوديين تبنّي أفكار جديدة، وسوف يتوقّف نجاح "رؤية 2030"، التي تهدف إلى إحداث تحوّل جذري في السعودية في غضون اثنَي عشر عاماً، على درجة مساهمة الشباب السعودي في أداء دور أساسي في تحفيز هذه التغييرات. يأمل محمد بن سلمان، عبر لعب ورقة القومية المفرطة، بتحقيق وحدة أكبر في أوساط أترابه من الشباب السعوديين، حتى في الوقت الذي تولّد فيه السياسات المحلية والخارجية الراهنة للمملكة سجالاً داخل السعودية وخارجها.

غير أن سياسات الرياض العشوائية وردود فعلها المبالَغ فيها تسبّبت بقلق متزايد لبلدان المنطقة – لا سيما الصغيرة منها – وجعلتها في حيرة من أمرها حول كيفية التعاطي مع المسألة. في نهاية المطاف، دافع بعض حلفاء السعودية – البحرين وجزر القمر وجيبوتي ومصر والأردن وموريتانيا والسلطة الفلسطينية والصومال والسودان والإمارات العربية المتحدة والحكومة اليمنية المعترَف بها دولياً – عن مصالحهم في الحفاظ على روابط قوية مع المملكة عبر التعبير كلامياً عن دعمهم للخطوات السعودية. إلا أن أياً من هذه الدول لم يعمد إلى تغيير علاقاته الدبلوماسية والاقتصادية مع كندا، ما سلّط الضوء على موقف الرياض الضعيف نوعاً ما في هذا الخلاف. وقد بادر أمين عام مجلس التعاون الخليجي، عبد اللطيف الزياني، بناءً على طلب من السعودية، إلى التعبير عن دعمه للإجراءات السعودية ضد كندا. وبما أنه لم يتشاور مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي قبل إعلانه عن هذا الدعم، سارعت بلدان خليجية أخرى إلى توضيح مواقفها الخاصة. فقد عبّرت الكويت وسلطنة عمان عن مواقف مستقلة ومحايدة، وشدّدتا على أنهما تأملان بأن يتم التوصّل سريعاً إلى حل للخلاف. وعلى الرغم من أنهما لم تدافعا عن الرياض ضد أوتاوا، إلا أنهما لمّحتا إلى أنه لم يكن يجدر بكندا أن "تتدخّل"، أملاً بتجنّب استفزاز السعودية ودفعها إلى اتخاذ موقف منهما. كذلك سارعت قطر إلى الإشارة إلى أن بيان مجلس التعاون الخليجي لا يعكس رأيها الخاص، مشدّدةً على أن الدوحة وأوتاوا تحافظان على علاقات قوية بينهما. بهذا المعنى، سلّط الخلاف السعودي-الكندي ضوءاً إضافياً على الخلل الوظيفي داخل مجلس التعاون الخليجي.

ربما تسببت الخطوات السعودية أيضاً بتعكير العلاقات مع الحلفاء الغربيين الذين يُعتبَرون مصدراً حيوياً للاستثمار في المشاريع الكبرى في المملكة. فقد تعاملت الصحافة الأميركية بطريقة سلبية مع الإجراءات التي اتخذتها الرياض ضد كندا، في وقتٍ تسعى فيه المملكة إلى اجتذاب مليارات الدولارات في شكل استثمارات خارجية لتمويل "رؤية 2030". فعلى الرغم من أن كندا ليست جهة استثمارية كبرى في السعودية، إلا أن رد الفعل السعودي يعزّز النظرة التي تعتبر أن محمد بن سلمان قائد شديد التهوّر – والتي ترسّخت أيضاً بعد اعتقال نشطاء حقوقيين دافعوا عن حق المرأة في قيادة السيارة – ويتسبّب بتوجّس المستثمرين الذين يسعون جاهدين لفهم الطريقة التي تعمل بها "السعودية الجديدة". وقد سبق أن واجهت السعودية مشكلة بسبب هروب الرساميل في الأعوام القليلة الماضية، بدفعٍ من الهبوط في أسعار النفط. ففي العام 2017، خرج 80 مليار دولار من السعودية، أي أكثر من 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي السعودي، بعدما كان 55 مليار دولار في العام 2016. وفي هذا الإطار، تقول الباحثة الخليجية كارن يونغ إن الخلاف مع كندا "زاد من الإحساس بالخطر في المناخ الاستثماري السعودي، ومن المؤكّد أنه سيتسبّب بحالة ذعر تؤدّي إلى خروج مزيد من الرساميل من البلاد".

بعدما كان المستثمرون الغربيون قد تفاءلوا بأن الرياض ستعمل على تطبيق إصلاحات اقتصادية فعلية لدى الإعلان عن "رؤية 2030" في نيسان/أبريل 2016، عادوا فأدركوا أن القيادة السعودية تستمر في إعطاء الأولوية لأمن النظام على حساب احترام سيادة القانون. مما لا شك فيه أن ردّ الفعل السعودي المبالَغ فيه على انتقادات أوتاوا – إلى جانب التحقيق الذي أُطلِق في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 لـ"مكافحة الفساد"، وتوقيف أعداد كبيرة من المعارضين والنشطاء – يُشكّل تقويضاً إضافياً للسرديات السعودية بأن المملكة تسلك طريق التحديث، وبأنها تحتضن مناخاً مؤاتياً للاستثمارات الخارجية. على النقيض، يبدو أن السياسة الخارجية والمحلية السعودية تُحرّكها بصورة متزايدة صفاقةٌ في اتخاذ القرارات من دون تفكير أو نقاش متأنٍّ. وقد يتبيّن أن السعودية ستدفع ثمناً باهظاً جداً بسبب حملتها ضد كندا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

جيورجيو كافييرو هو الرئيس التنفيذي لشركة Gulf State Analytics. علي باكير محلل وباحث سياسي مقيم في أنقرة. لمتابعتهما عبر تويتر: Giorgio Cafiero@ و AliBakeer@