في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني عن مرشّحَيه لمنصبَي رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان ورئيس إقليم كردستان العراق. سوف يتولّى مسرور البارزاني، نجل الرئيس السابق مسعود البارزاني، رئاسة الوزراء، في حين أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته نيجيرفان البارزاني سيخلف عمّه في رئاسة الإقليم. في حين يُتوقَّع أن يُثبّت مجلس النواب تعيين رئيس الوزراء الجديد خلال الأسابيع المقبلة، يُثير هذا الإعلان مخاوف جديدة بشأن الوضع القانوني لمؤسسة رئاسة إقليم كردستان، والتي عُلِّقت مهامها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017. ويطرح أيضاً علامات استفهام حول الطريقة التي سيمارس بها مسرور البارزاني، الذي اشتهر في صورة الرجل القوي المسؤول عن جهاز الاستخبارات التابع لحكومة إقليم كردستان، وعن مجلس أمن إقليم كردستان، صلاحياته الجديدة الواسعة لتشكيل الحكومة وقيادة إقليم كردستان.

إشارة إلى أن قانون الرئاسة للعام 2005، الذي نص على إنشاء منصب رئاسة إقليم كردستان، منحَ الرئيس صلاحيات واسعة لتمثيل الإقليم في الخارج، وقيادة قواته المسلحة، وحل البرلمان، وإعلان حال الطوارئ. وقد شكّل القانون أحد مكوّنات اتفاق تشارُك السلطة مناصفةً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بهدف منح رئاسة الإقليم للحزب الديمقراطي الكردستاني مع الاحتفاظ برئاسة العراق للاتحاد الوطني الكردستاني. ومنذ إقرار القانون قبل ثلاثة عشر عاماً، تحوّل نطاق الصلاحيات الرئاسية إلى موضع خلاف شديد مع هيمنة نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني على حساب الاتحاد الوطني الكردستاني في إربيل، وقد ظهرت جبهةٌ معارِضة بقيادة حركة التغيير (غوران)، وطالبت بإنشاء منظومة برلمانية.

بدلاً من التوصل إلى اتفاق يُحدد الصلاحيات المنوطة بالمنصب بطريقة من شأنها أن تُرضي الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير، أقرّ البرلمان سلسلة تعديلات للقانون. نصّ التعديل الأول في العام 2006 على استحداث منصب نائب الرئيس (في خطوةٍ حملت تنازلاً لمصلحة الاتحاد الوطني الكردستاني). وفي إطار تسوية قصيرة المدى بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، نصّ تعديلٌ أُقِر في العام 2013 على تمديد الولاية الثانية للرئيس البارزاني لمدة عامَين بانتظار إقرار دستور إقليم كردستان العراق الذي من شأنه أن يُحدّد نطاق السلطة الرئاسية. وفي العام 2015، سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى قطع الطريق على الجهود التي قادتها المعارضة بهدف إقرار تعديلات لكبح صلاحيات السلطة التنفيذية، بما يؤدّي إلى إرغام الرئيس البارزاني على التنحي في نهاية ولايته الممدّدة. وبلغت الأزمة ذروتها مع قيام الرئيس بتعليق عمل السلطة التشريعية وطرد حركة التغيير من إربيل.

في تشرين الأول/أكتوبر 2017، أعلن الرئيس البارزاني أنه سيتنحّى من منصبه بعدما استعادت القوات المسلحة العراقية السيطرة من حكومة إقليم كردستان على الأراضي المتنازع عليها، وذلك رداً على استفتاء الاستقلال الكردي في أيلول/سبتمبر 2017. وقد أثارت العداوات الحزبية، بتأجيجٍ من الخطاب التقسيمي الذي رافق الاستفتاء وما أعقبه من خسارة للأراضي، خطر زعزعة الاستقرار في الإقليم. ومع تنحّي البارزاني من الرئاسة، تقدّم مجلس النواب الذي استأنف عمله من جديد لكنه كان قد أصبح ضعيفاً، من أجل ملء الفراغ عبر إقرار التعديل الثالث لقانون الرئاسة، والذي نصّ على توزيع الصلاحيات الرئاسية بين رئيس الوزراء نيجيرفان البارزاني ونائبه قباد طالباني في مسعى طارئ للحفاظ على ترتيب تقاسم السلطة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 

وكان من المقرر أن ينتهي العمل بالتعديل لدى إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي يجب أن تحدث بصورة متزامنة بموجب قانون 2005. غير أن نيجيرفان البارزاني قرّر عدم إجراء انتخابات رئاسية، فاضطُرّ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير إلى التوصل إلى ترتيب آخر في تموز/يوليو 2018 لتمديد التعديل حتى يتمكن البرلمان العتيد من "تقرير مستقبل منصب الرئاسة". وقد ارتأى الاتحاد الوطني الكردستاني أنه من شأن تعاونه مع الحزب الديمقراطي الكردستاني لتمديد العمل بالتعديل أن يساهم في تسهيل التوصل إلى تسوية في المستقبل حول إطار قانوني للرئاسة يُحافظ على دوره كلاعب فيتو في الحكومة. أما حركة التغيير فقد أملت، من جهتها، في أن يتيح الترتيب الذي جرى التوصل إليه في تموز/يوليو 2018، فرصةً لإقرار تشريع دائم في الدورة البرلمانية المقبلة، لا بل حتى دستور جديد، بغية إخضاع منصب الرئاسة للمساءلة أمام مجلس النواب أو إلغائه.

بما أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يشغل منصب رئيس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات رئاسية، فهو لم يعد بحاجة إلى الرئاسة لفرض هيمنته في إربيل. بيد أن تسمية نيجيرفان البارزاني للرئاسة تؤشّر إلى أن الحزب ينوي إنعاش المنصب من جديد – سواءً بموجب تشريع أو نصّ دستوري – تفادياً لتجدّد الصراعات المستترة على السلطة بين معسكرَي نيجيرفان ومسرور داخل عائلة البارزاني. سوف يحتاج الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يستحوذ على أكثرية من المقاعد في مجلس النواب، إلى الدعم من 11 نائباً إضافياً لإقرار تشريع يؤدّي إلى إيجاد حل لمسألة الرئاسة. لكن بعد كسبه سبعة مقاعد إضافية في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2018، بات في موقع أفضل بكثير لتحقيق ذلك بالمقارنة مع ما كان عليه في الحكومة السابقة. على النقيض، يُعتبَر الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يعاني من التصدّع والمعارضة التي أضعفتها خسائرها الانتخابية، غير مجهّزَين كما يجب لرفع التحدّي معاً في وجه الأجندة التشريعية للحزب الديمقراطي الكردستاني.

بموجب إطار العمل القانوني الراهن، لن يتقدّم مسرور البارزاني وحسب لأداء دور رئيس الوزراء، بل سيضطلع أيضاً بمهام رجل الدولة الأساسي والقائد العسكري. وسوف يتولى أيضاً الإشراف على مؤسسة الرئاسة التي تُرِكت كما هي بموجب التعديل الذي أُقِر في تشرين الأول/أكتوبر 2017 ووُضِعت تحت إدارة مجلس الوزراء في تموز/يوليو. سوف يتسلّم رئيس الوزراء المكلّف صلاحيات الرئاسة إلى حين قيام مجلس النواب بإقرار تشريع لتسوية موضوع الرئاسة، على أن يتم بعد ذلك إجراء انتخابات رئاسية. يفرض مشروع القانون الصادر في تشرين الأول/أكتوبر 2017 على رئيس الوزراء تشارُك بعضاً من سلطاته مع نائبٍ له، وهو منصب احتفظت به الحكومة السابقة للاتحاد الوطني الكردستاني. بيد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني اقترح استحداث منصب نائب ثانٍ لرئيس الوزراء يتم اختياره من الأقليات الإثنية-الدينية، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى تقليص إضافي في نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في منصب رئاسة الوزراء. فضلاً عن ذلك، غالب الظن أن الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يرزح تحت وطأة الصراعات الداخلية بين قيادييه، لن يمنح نائب رئيس الوزراء المنتمي إليه دعماً كافياً للإفادة من هذا المنصب، كما أنه من غير المتوقّع أن يتمتع مرشّحه بالأسلوب القيادي المدهش الذي يتّسم به نظيره المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في حين أن تسمية الحزب الديمقراطي الكردستاني لمسرور البارزاني لم تكن خطوة مفاجئة، إلا أن الحزب والاتحاد الوطني الكردستاني اتفقا، في الماضي، على مرشحين مقبولين منهما عن طريق التفاوض. تكشف تسمية مسرور البارزاني من دون استشارة الاتحاد الوطني الكردستاني، أن الحزب الديمقراطي الكردستاني بات أقل اهتماماً بإرساء توازن في السلطة معه. يُعرَف عن مسرور البارزاني أنه متشدّدٌ متعنّت اتهم خصومه السياسيين علناً بالخيانة، وذلك على النقيض من ابن عمّه نيجيرفان المعروف بقدرته على التوصل إلى تسويات مع الاتحاد الوطني الكردستاني. وعلى وجه الخصوص، شكّلت العداوة بين مسرور البارزاني ونظيره في مجلس أمن الإقليم، لاهور طالباني – الذي سيطر فصيله في الاتحاد الوطني الكردستاني على مجلس القيادة داخل الحزب خلال العام المنصرم – عائقاً أمام دمج الأجهزة الأمنية والاستخبارية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. 

على الرغم من تراجع مكانة الاتحاد الوطني الكردستاني داخل المؤسسات السياسية في الإقليم، لا يزال الحزب يسيطر على السليمانية وحلبجة سياسياً وإدارياً، ويتولى قيادة نحو نصف القوات العسكرية وشبه العسكرية في الإقليم. لذلك سوف يتعذّر على رئيس الوزراء العتيد حكم البلاد بفعالية إلا إذا أقرّ بما يعتبره الاتحاد الوطني الكردستاني حقّه في استشارته حول المسائل الأساسية. وفي حين أن الصراعات الداخلية التي يشهدها الاتحاد الوطني الكردستاني على مستوى القيادة تُتيح فرصاً وافية للحزب الديمقراطي الكردستاني من أجل استيعاب العناصر الأكثر توافقية في الاتحاد الوطني الكردستاني بغية تنفيذ أجندة مشتركة على مستوى حكومة إقليم كردستان، إلا أنه في حال أصرّت الإدارة الجديدة على تهميش شريكها في السلطة في إربيل، ثمة خطر بأن تتسبب بتعزيز نفوذ نظرائه المتشددين الصاعدين مثل لاهور وبافيل طالباني في السليمانية.

كذلك تؤكّد تسمية مسرور البارزاني أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يعد بحاجة إلى استرضاء حركة التغيير أو الأحزاب المعارضة الإسلامية. فطوال رئاسة مسرور البارزاني لجهاز الاستخبارات (باراستن) ومجلس أمن إقليم كردستان على امتداد عشرين عاماً، كانت هاتان المؤسستان مسؤولتَين عن حملات القمع العنفي التي استهدفت الاحتجاجات، والتوقيفات والاعتقالات العشوائية، والنزوح القسري، وإعدام النشطاء والصحافيين وأعضاء الأحزاب المعارضة من دون محاكمة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني. على الرغم من أن مسرور البارزاني سعى جاهداً ليُقدّم نفسه في صورة رجل الدولة، إلا أن انتهاكات حقوق الإنسان التي مارستها الأجهزة الأمنية والاستخبارية تحت إشرافه ساهمت في تعزيز سمعته المحلية كرجل قوي يستخدم الأجهزة الأمنية في الإقليم لفرض الطاعة قسراً للحزب الديمقراطي الكردستاني.

تُظهر تسمية مسرور ونيجيرفان البارزاني للمناصب الأعلى في حكومة إقليم كردستان، ثقة الحزب الديمقراطي الكردستاني في قدرته على تحديد مسار الآليات السياسية في الإقليم في الأعوام الأربعة المقبلة من دون مراعاة المعايير القائمة لتقاسم السلطة أو التعددية السياسية – وبوجود الرئاسة أو من دونها. لكن في حين تراجعَ تأثير معارِضي الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل المؤسسات السياسية التابعة لحكومة إقليم كردستان، تبقى هذه المؤسسات ضعيفة بالمقارنة مع المكتب السياسي التابع لكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، واللذين يُشكلان مركزَي النفوذ الحقيقيين في إقليم كردستان. بناءً عليه، سوف يتعين على الحكومة العتيدة بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني تقاسم السلطة مع الاتحاد الوطني الكردستاني، ولو بصورة غير رسمية، من أجل بسط حكمها في الإقليم بكامله وفرض الاستقرار على امتداد الأعوام الأربعة المقبلة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

ميغان كونيلي طالبة دكتوراه ودكتوراه في القانون في جامعة ولاية نيويورك في بوفالو. لمتابعتها عبر تويتر: meganconnelly48@