أثارت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى سلطنة عمان، في 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تكهّنات حول موقف عمان من عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية المتعثّرة والتحديات الكثيرة على صعيد الأمن الإقليمي. لكن هواجس مسقط الاقتصادية هي التي تقف خلف اهتمامها باستئناف علاقاتها مع إسرائيل بعد قطع الروابط معها في العام 2008. تبذل عمان، في السنوات الأخيرة، جهوداً حثيثة للتحوّل نحو اقتصاد ما بعد النفط. فالمخاوف بشأن الوضع الصحي للسلطان قابوس والالتباس الذي يُحيط بمسألة خلافته في الحكم، جعلت السلطان وحكومته أمام إلحاحية متزايدة للشروع في مثل هذا الانتقال الاقتصادي. تؤمّن صادرات النفط الخام، راهناً، ما نسبته 71 في المئة من الإيرادات الحكومية، التي تعتمد مسقط عليها، بصورة متوقّعة إلى حد ما، للتخفيف من الأعباء الاقتصادية المترتّبة عن البطالة المتزايدة في صفوف الشباب، والموجات المتصاعدة من اللاجئين اليمنيين، ودعم التكاليف المعيشية الأساسية لنحو 84000 أسرة متدنّية الدخل، أو حوالي ثلث المواطنين.

بات استخراج احتياطيات الغاز والنفط المتناقصة في عُمان، والتي من المتوقّع أن تنضب بالكامل في غضون 14 و27 عاماً على التوالي، أمراً باهظ التكلفة، فيما تتسبّب أسعار النفط العالمية المتدنّية في خفض العائدات. لقد اضطُرَّت مسقط إلى البحث عن وسائل بديلة لزيادة إيراداتها ومعالجة العجز المتنامي في ميزانيتها، والذي بلغ 3.5 مليارات ريال عماني (9.1 مليارات دولار أميركي) في العام 2017، أو نحو 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. فقد نظرت الحكومة في إقرار خفوضات في الدعم للمحروقات والطاقة وفي فرض ضرائب جديدة، لكنها تخشى أن تُثير هذه الإجراءات التقشفية ردود فعل غاضبة لدى الرأي العام. إشارة إلى أن الحكومة العُمانية ألغت الدعم للوقود في العام 2016، ما تسبب بارتفاع شديد في أسعار النفط فاندلعت احتجاجات شعبية في مسقط في الثاني من شباط/فبراير 2017 – وهي التظاهرات الكبرى الأولى منذ العام 2011 – فاضطُرَّت الحكومة إلى إعادة العمل بالدعم للمحروقات، بدرجة أقل، في الأسبوع التالي.

بدلاً من الإجراءات التقشّفية، ترى مسقط في التنوّع الاقتصادي حلاً للمشكلة، ما يجعله الأولوية القصوى في "رؤية 2040"، أي الخطة الإنمائية التي أُطلِقت في العام 2017. تُركّز الرؤية، وهي عبارة إلى حد كبير عن إطار جديد لـ"رؤية 2020" التي أُطلِقت في العام 1995، على تحديث الزراعة، واستحداث بيئات حاضنة للتكنولوجيا والشركات الناشئة، وتعزيز السياحة، وإنشاء مناطق صناعية حرة على مقربة من المدينتَين المرفئيتين صلالة والدقم.

يمكن أن تُقدّم إسرائيل مساعدة كبيرة جداً لمسقط، لا سيما في قطاعَي الزراعة والتقنية العالية. صحيح أنه بإمكان سلطنة عمان الحصول على هذه التكنولوجيات من بلدان أخرى، لكنها تدرك أيضاً أن القيادة الإسرائيلية تُثمّن باطراد إقامة علاقات مع الدول العربية في إطار استراتيجيتها الأوسع نطاقاً من أجل التصدّي لإيران. على خطى السعودية والإمارات اللتين تتقرّبان رويداً رويداً من إسرائيل، يضع الاجتماع العلني بين السلطان قابوس ونتنياهو، والذي دعا خلاله رسمياً إلى الاعتراف بإسرائيل، سلطنة عمان في الصدارة على مستوى السعي إلى تطبيع العلاقات وكل ما ينجم عنه من منافع اقتصادية واستراتيجية.

لقد فوّض مجلس الوزراء في سلطنة عمان وزارة الزراعة والشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة، وضع برامج هادفة إلى تعزيز الإنتاج الزراعي، والاستثمار فيها، وتنفيذها. ويشتمل ذلك على زيادة المنتجات المخصصة للتصدير، مثل البلح والعسل والفواكه. لهذه الغاية، تنوي عمان اعتماد نظام الري الدقيق والمعالجة غير الحرارية لزيادة المحاصيل وتحسين جودتها مع استخدام كميات أقل من المياه. ونظراً إلى الجفاف المناخي وندرة المياه في إسرائيل – فضلاً عن رغبتها الاستراتيجية في تحقيق الاستقلالية الزراعية والأمن الغذائي – الشركات الإسرائيلية هي من الجهات الريادية في السوق العالمية في مجال التكنولوجيا الزراعية. لقد تمايزت الشركات الإسرائيلية، مثل "متزر" و"أميرام" وهازيرا"، وبرزت على وجه الخصوص من خلال تنفيذ مشاريع فعّالة في أفريقيا والصين لتحسين الري، وتكنولوجيا زرع البزور، والسيطرة على الحشرات المضرّة، وتحلية المياه، والطاقة المتجددة، وإدارة النفايات. إذاً، تمتلك إسرائيل وفوراً من التكنولوجيا التي تحتاج إليها عمان وتنشدها من أجل تحقيق أهدافها الزراعية.

كذلك نجحت إسرائيل في إرساء بيئات حاضنة للشركات الناشئة تتمتع بفعالية شديدة، وفي إدارتها، على الرغم من عدد سكانها الصغير نسبياً. ويشتمل ذلك على تنظيم الخبرات وتنسيق البرامج الجامعية مع برامج حاضنات ومسرّعات الأعمال، وصناديق رأس المال التأسيسي والاستثماري – فضلاً عن الوزارات والهيئات العامة ذات الصلة مثل وزارة الصناعة والتجارة والعمل وهيئة الابتكار الإسرائيلية – ضمن إطار عمل واحد لتعزيز الابتكار. لقد حققت سلطنة عُمان، من جهتها، بعض التقدم نحو أن تتحوّل مركزاً للشركات الناشئة في المنطقة. فقد أبصرت حاضنات أعمال وصناديق عدّة النور في مسقط في الأعوام الأخيرة، ومنها الريادة، ومركز الزبير للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وصندوق الرفد، وشركة إسكان عمان للاستثمار. إنما يبدو أن هناك تنافراً بين الشركات الناشئة التي تدعمها هذه الصناديق وبين الأجندات التي تعمل وزارة التجارة والصناعة، والهيئة العامة للصناعات الحِرَفية، والمؤسسات الأكاديمية الريادية مثل جامعة السلطان قابوس، على تطبيقها على مستوى الأبحاث والسياسات. ففيما تسعى الحكومة مثلاً إلى دعم الشركات الناشئة في الميدان التكنولوجي، لم تنشئ جامعة السلطان قابوس، حتى تاريخه، كلية لتكنولوجيا المعلومات أو علوم المعلوماتية. كما أن الجامعات الوطنية لا تُنسّق برامجها البحثية مع توقّعات وزارة العمل عن العرض والاحتياجات في سوق العمل. بناءً عليه، يمكن أن يتعلّم المسؤولون في المجلس الأعلى للتخطيط أموراً كثيرة من خلال دراسة التجربة الإسرائيلية.

كذلك تبذل عمان، في إطار سعيها الأوسع نطاقاً نحو تحقيق التنويع، جهوداً دؤوبة بغية تنويع المصادر التي تزوّدها بالمعدات الدفاعية، والدليل على ذلك الاتفاقات التي أبرمتها مؤخراً مع الهند، ومنها مذكرة تفاهم وُقِّعت في شباط/فبراير 2018 وتُجيز لسلاح البحرية الهندي أن يرسو في ميناء الدقم. تثير حركة النازحين الذي يعبرون الحدود بطريقة غير شرعية، وبأعداد متزايدة، من اليمن، المخاوف لدى عُمان من ظهور خلايا إرهابية داخل مخيمات اللاجئين. كذلك تؤجّج التشنجات مع السعودية والإمارات العربية المتحدة على خلفية موقف السلطنة الحيادي من الملفَين اليمني والقطري، المخاوف من تحوُّل عمان هدفاً للسياسة الخارجية التي تنتهجها هاتان الدولتان والتي تزداد صقورية. كما أن السعي إلى تطوير صلالة والدقم، من خلال "رؤية 2040"، لتتحوّلا إلى محطتَين بحريتين أساسيتين، يضع عمان في مواجهة الإمارات على الصعيد الاقتصادي. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة زادت أيضاً مبيعاتها العسكرية إلى عمان، إلا أنه يبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تقف إلى جانب الإمارات والسعودية في مسألة النزاعات الحدودية العالقة بين أبو ظبي ومسقط، ما يجعل الوصول إلى تكنولوجيات المراقبة والرصد الإسرائيلية أكثر جاذبية بالنسبة إلى سلطنة عمان لما تُشكّله من وسيلة للدعم في هذا المجال.

وفي الجانب الأهم، تأمل عمان بالاستعانة بخدمات الشركات الإسرائيلية المتخصصة بالأمن السبراني نظراً إلى أن القطاعَين الخاص والعام لديها معرَّضان للوقوع ضحية هجمات سبرانية متطورة وواسعة النطاق من الدول المجاورة لها أو من دول أبعد. وهكذا، بعدما شهدت مسقط على الاستهداف المتبادل بين قطر والإمارات للشبكات التابعة لكل من البلدَين في الأعوام الأخيرة، باتت زيادة قدرتها على مقاومة الهجمات السبرانية وتعزيزها من البنود التي ترد في صدارة أولوياتها. إشارة في هذا الصدد إلى أن الشركات الخاصة الإسرائيلية تؤدّي دوراً أساسياً في تعزيز إمكانات الحكومتَين الإماراتية والسعودية في المجال السبراني، من دون أن تفرض، على ما يبدو، أي شروط مقابل هذه الخدمات ما خلال الاعتراف الضمني بها كدولة شرعية. وليس مفاجئاً أن مسقط ترغب أيضاً في الوصول إلى البرمجيات الإسرائيلية.

أما تل أبيب فتعتبر، من جهتها، أن إعادة تفعيل العلاقات مع مسقط تمنحها سوقاً جديدة ومربحة نسبياً في موقع استراتيجي. ومن شأن الشركات الإسرائيلية أن تحصل أيضاً على وصول أسهل إلى السوق الهندية المجاورة عن طريق امتلاك عمليات في سلطنة عمان حيث العقبات اللوجستية أقل. وفي هذا السياق، بإمكان شركة "نان دان جاين" الإسرائيلية-الهندية المتخصصة في نظم الري المائي لإنتاج الأرز، أن تُقيم منشأة للتخزين والمعالجة في عمان من دون أن تُضطر إلى الحصول على عدد كبير من الأذون كما هو الحال في الهند. بالمثل، بإمكان الشركات الإسرائيلية أن تسعى إلى إقامة علاقات عمل مع شركة الأسمدة العمانية الهندية (OMIFCO) لتطوير وبيع منتجات مخصصة للتصدير إلى الهند مقابل كلفة أدنى لليد العاملة. ويمكن أيضاً أن تُقدّم الشركات الإسرائيلية المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات، خدمات إلى السوق الهندية عبر الإفادة من المجموعة الكبيرة من الهنود المقيمين في عمان وممَّن يتمتعون بالكفاءة في مجال تكنولوجيا المعلومات – ما يتيح تجنّب الإجراءات البيروقراطية التي يتطلبها إنشاء وجود لها في الهند.

ترتدي إسرائيل (بوصفها مركزاً للابتكار) وسلطنة عمان (بوصفها مركزاً لوجستياً) أهمية محورية بالنسبة إلى الاستراتيجية العالمية الأوسع لكل من الصين والهند، والدليل على ذلك الاستثمارات الصينية والهندية في الشركات التقنية الإسرائيلية وفي تطوير ميناء الدقم في عمان. بإمكان عمان وإسرائيل الإفادة من ذلك لبناء علاقة تجارية متبادلة مع هذين العملاقَين الاقتصاديين، وذلك بالاستناد إلى ما يتمتعان به من خصائص جغرافية وتكنولوجية. على سبيل المثال، إسرائيل هي مورّد أساسي للأسلحة والتكنولوجيا إلى الهند – التي تشتري 49 في المئة من جميع صادرات الأسلحة الإسرائيلية، ما يجعل إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة بعد روسيا والولايات المتحدة في توريد العتاد العسكري إلى الهند – وكذلك إلى الصين التي باعتها إسرائيل سلعاً وخدمات بقيمة 3.5 مليارات دولار في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2018، وتتألف هذه السلع والخدمات في شكل أساسي من تكنولوجيات المراقبة والأمن السبراني. من شأن إقامة شراكة مع كيانات عمانية مموَّلة جيداً – مثل الصندوق العماني الهندي للاستثمار المشترك وشركة وانفانغ الصينية العربية لإدارة الاستثمارات (Ningxia) – أن تُتيح أيضاً لإسرائيل إنشاء مصانع أو مراكز للبحوث والإنماء من أجل التصدير إلى هذين البلدَين الأساسيين.

لكن بغية تحقيق ذلك، يجب أن تحافظ سلطنة عمان، في مرحلة ما بعد قابوس، على أسلوبها في صناعة السياسة الخارجية والذي يتميز بالبراغماتية العالية، والتمسك بالمبادئ، والاستقلالية الشديدة. فنظراً إلى أن عملية صناعة القرارات ترتدي طابعاً مشخصناً جداً في عهد قابوس، ثمة خطرٌ بأن يتبدّل الوضع بعد رحيله. إنما يمكن الركون إلى حنكته في هذا الصدد، فقد عمل على تهيئة الأرضية مسبقاً لرحيله المحتوم. أما العائق الأكثر صعوبة فيتمثّل في السؤال حول ما إذا كان الإسرائيليون ملتزمين فعلاً أم لا بإقامة دولة فلسطينية، فهذه المسألة ترتدي أهمية قصوى بالنسبة إلى مسقط منذ مطلع الثمانينيات.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

نيما خورامي أسل مستشار لشؤون المخاطر السياسية يعمل لحسابه الخاص ويركّز على المسائل الجيوسياسية.