في 31 كانون الثاني/يناير الماضي، رفع البرلمان التونسي حظر الاقتراع الذي كان مفروضاً على القوات المسلحة والأمنية منذ حقبة الاستقلال، وجاء هذا القرار بعد سجالات وخلافات تسبّبت بإرجاء صدور قانون الانتخابات البلدية طوال عام تقريباً. في حين قُدِّم إلغاء الحظر في إطار ديمقراطي انطلاقاً من مبدأ المساواة بين المواطنين، ليست النوايا التي تحرّك نقابات قوات الأمن التي تضغط من أجل الحصول على حق الاقتراع، والتداعيات المحتملة لهذا القرار ديمقراطية على الإطلاق. فمنح القوى الأمنية حق التصويت يساهم في تمكين نقابات قوات الأمن، ما يؤدّي إلى زيادة نفوذها على السياسيين ويقضي على أي آمال متبقّية بإصلاح القطاع الأمني.

يعود حظر الاقتراع إلى العام 1956، عندما مُنِع العناصر التونسيون في الجيش الفرنسي من التصويت في الانتخابات التي أجريت بعد خمسة أيام من استقلال البلاد. بعد إنشاء الجيش التونسي والحرس الوطني، جرى توسيع الحظر ليشمل المؤسستَين معاً، اعتباراً من انتخابات 1959. لقد برّر الرئيس حبيب بورقيبة الذي يُعتبَر الأب المؤسس للدولة التونسية، هذا الحظر بأنه وسيلة لا بد منها للحؤول دون قيام هذه الأجهزة الأمنية بشن انقلابات، وذلك عبر إبقائها بعيدة عن السياسة. وسار الرئيس زين العابدين بن علي الذي تسلّم الحكم خلفاً لبورقيبة، على خطى سلفه، فعمد إلى توسيع الحظر في العام 1988 ليشمل الشرطة، وموظّفي السجون، وجهاز أمن الدولة الذي جرى حلّه منذ بضع سنوات.

في إطار روح الدمقرطة التي عمّت البلاد إبان ثورة 2011، أعاد المجلس الوطني التأسيسي النظر في الحظر، لكنه قرر في نهاية المطاف الإبقاء عليه في انتخابات 2014. انطلق الجدل من جديد في ربيع 2016، عندما بدأ مجلس النواب مناقشة القانون الانتخابي استعداداً للانتخابات البلدية في العام 2017. في حزيران/يونيو، تعذّر إقرار تعديل ينص على منح حق الاقتراع لقوى الأمن، لكنه أحدث انقساماً غير معهود في صفوف البرلمان، مع تصويت 57 نائباً مع مشروع القانون و58 نائباً ضده، وامتناع 31 عن التصويت. ثم بعد أشهر من المداولات العلنية والسرّية، صوّت مجلس النواب في كانون الثاني/يناير بأكثرية 144 نائباً على منح القوى الأمنية حق التصويت.

لقد جمع هذا السجال بين أضداد في السياسة، مع تأييد الأحزاب العلمانية وقوى الأمن الداخلي لمنح حق التصويت لعناصر الجيش ورجال الأمن، فيما عارضته حركة النهضة والجيش. كانت نقابات قوات الأمن التي تشكّلت حديثاً، القوة المحرِّكة خلف الضغط من أجل إقرار حق الاقتراع للقوى الأمنية. قبيل النقاش البرلماني في حزيران/يونيو 2016، وصف الاتحاد الوطني لنقابات قوات الأمن التونسي الاقتراع بأنه "حق دستوري" لهم، ومارس ضغوطاً لدى مجلس النواب لمعاملة قوى الأمن على قدم من المساواة مع المواطنين الآخرين. ولفت إلى أن دستور 2014 يمنح جميع المواطنين البالغين حق التصويت.

بيد أن المادّتَين 18 و19 في الدستور التونسي تنصان أيضاً على وجوب أن يكون الجيش وقوى الأمن الداخلي "محايدَين تماماً"، ويتم تاريخياً الاستشهاد بهذا البند لحرمانهم من حق الاقتراع. وقد كرّر نواب النهضة الإشارة إلى هذا المنطق، مستشهدين بتحذيرات الرئيس الأسبق بورقيبة من مغبّة تسييس المؤسسات الأمنية، لا سيما قبل ترسيخ أسس الديمقراطية الفتيّة في تونس. خلال النقاش البرلماني، قال النائب عن النهضة، بدر الدين عبد الكافي: "لا نزال نعيش في مرحلة انتقالية غير مستقرة، يتوجّب علينا توخّي الحذر خلالها والحرص على حياد القوات المسلحة". واقع الحال هو أن حرمان الجيش والقوى الأمنية من حق الاقتراع هو الأكثر شيوعاً في الديمقراطيات الجديدة وبصورة خاصة في البلدان النامية، حيث يكون الخطر أكبر بحدوث انقلاب.

في حين أن تونس لم تعمد بعد إلى تعيين قضاة في المحكمة الدستورية، أخذ المشترعون على عاتقهم البت في موضوع دستورية منح حق الاقتراع للجيش والقوى الأمنية. فقد لفت النائب رياض المؤخر من حزب آفاق تونس إلى أن الدستور يفرض أيضاً على القضاة أن يكونوا مستقلين، ومع ذلك يُسمَح لهم بالتصويت. كما أن موظّفي الإدارة العامة وأماكن العبادة والمؤسسات التربوية ملزَمون دستورياً بالحفاظ على الحياد، إنما يحتفظون بحق التصويت. لكن على النقيض من هذه المؤسسات المدنية، حقوق عناصر الجيش والأجهزة الأمنية محدودة في ميادين أخرى. فهم لا يستطيعون الزواج أو السفر إلى خارج البلاد من دون الحصول على إذن من الوزارتَين اللتين يتبعون لهما، ويُمنَع عليهم تنفيذ إضرابات أو الترشّح للانتخابات.

يعكس السجال حول دستورية الخطوة حوافز سياسية ومؤسسية أعمق تدفع بكل واحد من الأفرقاء إلى تأييد حق الاقتراع للجيش وقوى الأمن أو معارضته. من شأن نقابات قوات الأمن التي كانت الأعلى صوتاً في المطالبة بالحصول على حق الاقتراع، أن تحقّق المكاسب الأكبر. أنشئت هذه النقابات في العامَين 2011 و2012 من أجل قطع الطريق أمام المطالب الثورية بإصلاح القطاع الأمني من جملة أسباب أخرى. أقامت هذه النقابات روابط مع رجال أعمال بارزين لممارسة ضغوط على السياسيين والقضاة بغية الامتناع عن تطهير فلول نظام بن علي أو ملاحقتهم قضائياً، وكذلك تحسين صورتها في وسائل الإعلام. أبعد من المطالب النقابية التقليدية بزيادة الرواتب، عملت هذه النقابات أيضاً من أجل صدور قانون مكافحة الإرهاب التقييدي في العام 2015، وإقرار مشروع قانون ينص على تجريم التشهير بقوات الأمن. يمثّل الاقتراع، في نظر النقابات، وسيلة إضافية للضغط على الحكومة: ففي هذه الحالة، سوف يراعي السياسيون مصالح نقابات قوات الأمن ليس من أجل الأمن فقط، إنما أيضاً من أجل كسب أصواتها.

في المقابل، يعارض الضباط العسكريون المتقاعدون، بأغلبيتهم الكبرى، الاقتراع، ويرون فيه تهديداً للكفاءة العسكرية. ففي حين أن قوى الأمن الداخلية مسيّسة ومقسَّمة في الأصل على أيدي نقاباتها، قد يؤدّي الحصول على حق الاقتراع إلى تقويض تماسك الجيش وانضباطه. يقول العميد المتقاعد، محمود المزوغي، رئيس جمعية قدماء ضباط الجيش الوطني: "ليس الوقت مناسباً لمنح الجيش حق التصويت. لا تزال الأجواء السياسية غير مستقرة. على النقيض من الولايات المتحدة، يتسبّب الانضمام إلى فريق أو آخر في تونس اليوم بالاحتكاكات بين الأشخاص. تخيّلوا لو كان هناك عريف في الجيش ينتمي إلى النهضة، وقائده تابع لحزب نداء تونس".1 وكذلك وصف آمر اللواء المتقاعد محمد المؤدب تسييس القوات المسلحة بأنه "فيروس" يتسبّب بـ"التفرقة، وعدم الانضباط، وتشتّت الجهود، والإخفاق المحتوم في مهامهم". ووافقه آمر اللواء المتقاعد محمد نفطي الرأي قائلاً بأنه "فخ يمكن أن يتسبّب بتفكّك المؤسسة تفككاً كاملاً". يبدو أن هذه التصريحات تُمثّل موقف المؤسسة العسكرية بصورة عامة: فقد استضاف معهد الدفاع الوطني مؤتمراً كبيراً في أيلول/سبتمبر قُدِّمت خلاله وجهة النظر هذه، وفي استطلاع شمل 94 ضابطاً وجندياً متقاعداً في الجيش، أبدى نحو عشرين في المئة فقط تأييدهم لمنح الجيش وقوات الأمن حق التصويت.2

قرار منح حق الاقتراع أو حجبه لا يعتمد بالكامل على رغبات الجيش وقوات الأمن، بل تُحرِّكه أيضاً التوقعات بشأن المكاسب السياسية: ما هي الأحزاب التي سيدعمها هؤلاء الناخبون الجدد المحتملون؟ بوجود نحو 75000 عنصر في قوى الأمن الداخلي، و36000 عنصر في الجيش، كان هؤلاء الناخبون ليشكّلوا حوالى ثلاثة في المئة من نسبة المقترعين التي سُجِّلت في انتخابات 2014. وعلى ضوء قرار الجيش قبول 12 ألف مجنّد جديد في العام 2016، قد تكون أعداد هؤلاء الناخبين كافية لحسم النتيجة في انتخابات متقاربة.

غالب الظن أن النهضة هي الفريق الذي سيكون الأقل استفادة من هؤلاء الناخبين الجدد. فبعدما أدّى تطهير الجيش في العام 1991 إلى تسريح الضباط المتعاطفين مع النهضة، مُنِع مقدّمو الطلبات ذوو الميول الإسلامية، في إجراءٍ غير رسمي، من الالتحاق بصفوف الجيش. وذهب مدير سابق للأمن الداخلي في المؤسسة العسكرية كان مسؤولاً عن التدقيق في المجنّدين الجدد، إلى درجة الإشارة إلى أنه كانت هناك قاعدة غير مدوَّنة على امتداد التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقضي برفض مقدّمي الطلبات الذين "يرتادون المساجد بصورة منتظمة".3 وطُبِّقت إجراءات مشابهة في وزارة الداخلية، هذا فضلاً عن أن البروباغندا التي روّج لها بن علي وقمع الإسلاميين على امتداد عقود من الزمن هما من العوامل التي تؤدّي إلى امتناع قوات الأمن على الأرجح عن التصويت للنهضة. وهكذا لم يصوّت أيٌّ من نواب النهضة لمنح الجيش والقوى الأمنية حق الاقتراع في حزيران/يونيو 2016، نظراً إلى أن الحزب لن يجني مكاسب من هذه الخطوة. أما الأحزاب العلمانية، التي رأت في الأمر فرصة سياسية، فقد صوّتت بأغلبية ساحقة لصالح منح الجيش وقوات الأمن حق الاقتراع.

بحلول كانون الثاني/يناير 2017، تمكّنت الأحزاب العلمانية من المساومة مع النهضة وإقناعها برفع الحظر. ينبع القرار الذي اتخذته النهضة بالتراجع عن موقفها، أقلّه على مستوى الانتخابات البلدية، من رغبة لديها في التقدّم سريعاً باتجاه تنظيم انتخابات محلية يُرجَّح أن تحقق أداء جيداً فيها. فضلاً عن ذلك، حصلت النهضة، في مقابل دعمها هذا لحق الاقتراع، على المساندة من حزب نداء تونس للتصويت في اليوم نفسه على إنشاء لجنة برلمانية للتقصّي عن تجنيد الإرهابيين. تتمتع هذه اللجنة، في جانب أساسي من عملها، بسلطة استجواب أي كيان تعتبره ذا صلة بالتحقيق، بما في ذلك وزارتا الدفاع والداخلية. يمكن أن يُنظَر إلى تراجع النهضة عن موقفها في موضوع حق الاقتراع، بأنه مساومة استراتيجية إضافية من جانبها: ففي حين أن حق الاقتراع يساهم في تمكين نقابات قوات الأمن، بإمكان اللجنة الجديدة أن تعزّز نظرياً الإشراف البرلماني على وزارة الداخلية.

بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، تتوقف تأثيرات الاقتراع على الطريقة التي سوف يُطبَّق بها. غالب الظن أن المخاوف من انقسام الجيش مضخّمة، بما أنه لا يزال يُمنَع على الجنود والضباط تشكيل نقابات أو تنظيم إضرابات، ولن يُسمَح على الأرجح للأحزاب السياسية خوض حملات انتخابية داخل الثكنات العسكرية أو حتى على مقربة منها. كل ما في الأمر أن الجنود والضباط سيتمكّنون من التعبير عن تفضيلاتهم السياسية في صناديق الاقتراع.

أما قوى الأمن الداخلي التي ازدادت تسييساً وانقساماً بعد الثورة، فهي مسألة أخرى. فمع الحصول على حق التصويت، اكتسبت نقابات قوات الأمن نفوذاً إضافياً على السياسيين يتمثل في القدرة على توجيه التعليمات لعناصرها للتصويت لأحزاب معيّنة في مقابل الحصول على معاملة سياسية تمييزية. على ضوء هذا التمكين لنقابات قوات الأمن، غالب الظن أن المطلب الذي رفعته الثورة بإجراء إصلاحات كبرى في القطاع الأمني سيُصبح خارج دائرة النقاش في الوقت الحالي، هذا إذا كانت لا تزال هناك أي آفاق لإصلاح الأجهزة الأمنية في تونس.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

شاران غريوال طالب دكتوراه في السياسة في جامعة برنستون. يمكنكم متابعته عبر تويتر: @sh_grewal.


1. مقابلة مع الكاتب، 14 حزيران/يونيو 2016.
2. استطلاع أجراه الكاتب وشمل 94 ضابطاً وجندياً متقاعداً في الجيش بين أيلول/سبتمبر 2016 وكانون الثاني/يناير 2017 بمساعدة من جمعية  قدماء ضباط الجيش الوطني والجمعية التونسية للعسكريين المتقاعدين.
3. مقابلة أجراها الكاتب مع عميد متقاعد طلب عدم الكشف عن هويته، 20 حزيران/يونيو 2016.