بعد نجاح الاتفاق المثير للجدل الذي عُقِد في آذار/مارس 2016 بين تركيا والاتحاد الأوروبي، في الحد بدرجة كبيرة من وصول اللاجئين إلى أوروبا عبر طريق شرق المتوسط، انتقل اهتمام صنّاع القرار في أوروبا إلى الطريق المركزي للمتوسط. مع اقتراب موعد الانتخابات في عدد من العواصم الأوروبية وتزايد المخاوف بشأن تدفق أمواج جديدة من المهاجرين على مشارف فصل الربيع، يسعى السياسيون إلى إيجاد حلول سريعة لإثبات قدرتهم على 'إدارة' الأزمة. وفي الوقت نفسه، يتعرض الاتحاد ككل لضغوط من أجل تقديم رؤية استراتيجية أوسع – أبعد من الحلول الأمنية الموضوعة على عجل - لمعالجة هذه الظاهرة. على الرغم من التضارب في الأجندات والسياسات، الاتحاد الأوروبي مضطر إلى النظر إلى دول شمال أفريقيا من أجل إيجاد حلول لهذه المسألة.

لم تثمر بعد جهود الاتحاد الأوروبي للتوصل إلى اتفاقات مع دول المنشأ باستثناء النيجر حيث نجح التعاون الأوروبي المكثّف مع النيجر منذ حزيران/يونيو 2016، في التقليص بشكل ملحوظ من تدفق المهاجرين عبر حدود ليبيا الجنوبية، من 70,000 في أيار/مايو 2016 إلى 1500 في تشرين الثاني/نوفمبر 2016. كما أن الأوضاع المزرية التي يعيشها المهاجرون واللاجئون في المخيمات الليبية – التي هي أشبه بمعسكرات اعتقال – حدت من الخيارات المتاحة الاتحاد الأوروبي. اقترح بعض المسؤولين الأوروبيين خطة لاعتراض المهاجرين في البحر ونقلهم مباشرة إلى تونس أو مصر حيث، وفقاً للخطة، ستقام مراكز احتجاز، ومن هناك يستطيعون التقدّم بطلبات اللجوء. دعا البعض كذلك إلى ضرورة التلويح بتقليص المعاملات الاقتصادية مع دول المنشأ أو العبور إن تراخت هذه الدول في مساعدة أوروبا، وهو ما لاقى انتقادات عدة من مجموعات حقوق الإنسان التي رأت فيه محاولة تهدف إلى تصدير الأزمة إلى البلدان الواقعة عند سواحل جنوب المتوسط.

فضلاً عن تونس ومصر، عُرِضَت أيضاً سلسلة من المقترحات للتعامل مع الوضع في ليبيا من أجل معالجة تدفق المهاجرين. تُمثّل ليبيا حالياً نقطة الانطلاق الأساسية للعابرين نحو شمال المتوسط، إذ يغادر 90 في المئة من المهاجرين المتوجّهين إلى أوروبا عبر سواحلها. وقد دعت مالطا، مع استلامها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي مطلع كانون الثاني/يناير، إلى صياغة اتفاق مع ليبيا على غرار الاتفاق الذي أُبرِم مع تركيا في آذار/مارس 2016 لوقف تدفق المهاجرين. يقترح مخطط مالطا بالأساس تحرك الدوريات الأوروبية نحو المياه الإقليمية الليبية حيث يمكن التعاون أكثر مع القوات البحرية الليبية بغية اعتراض قوارب المهاجرين وإعادتهم مباشرة إلى ليبيا. إلا أن هذه المبادرة قوبلت بالرفض من قبل المفوضية الأوروبية لاختلاف الظروف الشديد بين ليبيا وتركيا. 

غير أن المفوضية أعلنت في 25 كانون الثاني/يناير عن خطة مختلفة – ومدعومة من القادة الأوروبيين في قمة مالطا في الثالث من شباط/فبراير - للتفاوض مع حكومة الوفاق الوطني من أجل الحد من مغادرة المهاجرين عبر ليبيا. يهدف المخطط إلى إرجاع المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية أو منحهم الحماية والاستقرار في بلدان ثالثة خارج أوروبا. أعلن القادة أيضاً دعمهم لمذكرة التفاهم بين ليبيا وإيطاليا حول الهجرة التي وُقِّعَت في الثاني من شباط/فبراير. ينص الاتفاق على قيام إيطاليا بتأمين المال والتدريب والمعدّات لدعم حكومة الوفاق الوطني في إدارة الحدود وتعزيز قدرات خفر السواحل الليبية.

يحتوي المقترح الأوروبي الجديد على نداء لتطوير قدرات خفر السواحل الليبية عبر مدّهم بالتدريب والمعدات اللازمة لمراقبة الحدود ورصد خطوط إمداد المهربين، إضافة إلى مساعدة ليبيا على حماية حدودها الجنوبية من خلال تنشيط التعاون الأمني الإقليمي في منطقة الساحل. من ناحية أخرى، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى التنسيق مع البلديات الليبية والمنظمات الدولية، تحديداً المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة، من أجل تطوير برامج العودة وإعادة القبول لإعادة المهاجرين الذين لا يحتاجون للحماية إلى بلدانهم، وإجراء تحسينات في حماية طالبي اللجوء وفي تقديم المساعدات الإنسانية إليهم، وتسهيل اندماجهم في الاقتصاد المحلي عبر خلق موارد رزق حيث يتمركز المهاجرون. تبقى إمكانية الانتقال إلى أوروبا متاحة للأشخاص الأكثر ضعفاً. 

كذلك يواجه المقترح الخاص بليبيا العديد من التحديات العملية والسياسية. لقد انتقدت منظمات عدة، منها المفوضية العليا للاجئين، عدم تقديم المقترح بدائل حقيقية للجوء في بلدان آمنة لمن هم في حاجة لذلك، وهو ما يُعتبَر إخلالاً من قبل الاتحاد الأوروبي بتعهداته الدولية بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951. هذا وقد أكّدت المفوضية العليا للاجئين على ضرورة التفرقة بين الدوافع المختلفة للهجرة، وحذّرت من خطورة إعادة اللاجئين إلى بلدانهم. 

تقوم الخطة الأوروبية على التعاون مع حكومة الوفاق الوطني والبلديات في ليبيا، إلا أن تباين المواقف في ليبيا بخصوص المقترح الأوروبي يطرح مبدئياً عائقاً أمام نجاح الاتفاق. فمع تجاذُب ثلاث حكومات السلطة في ليبيا، تعاني حكومة الوفاق من محدودية قدرتها على السيطرة على مجمل التراب الليبي وتوفير الحماية للمهاجرين. في حين أكد رئيس حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، استعداد بلاده للتعاون مع أوروبا شريطة أن يحترم أي اتفاق سيادة ليبيا، أبدى بعض مسؤولي البلديات رفضهم لهذا الاتفاق لأن حصر المهاجرين في ليبيا سيعمّق الأزمة في البلاد. 

فضلاً عن ذلك، من شأن التعاون الأوروبي مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا أن يؤدي إلى بروز طرق بديلة للهجرة والتهريب عبر بلدان مجاورة، ما سيُضطَر كافة دول شمال أفريقيا إلى اتخاذ إجراءات وقائية وتعزيز الأمن عند الحدود، وبالتالي سيعطي مساحة أكبر لقضية الهجرة في سياسات هذه الدول داخلياً وخارجياً. على المستوى الإقليمي، يهدف المخطط الأوروبي إلى تكثيف التعاون بين تونس ومصر والجزائر لمنع بروز طرق أخرى للهجرة في شمال أفريقيا. تنوي أوروبا مساندة هذه الدول في صياغة سياسات متكاملة للهجرة تشمل قوانين اللجوء وتدعيم قدراتها على توفير الحماية والمساعدة الإنسانية للمهاجرين. من شأن مساعدة جيران ليبيا على تحسين البيئة المستقبِلة للاجئين أن تُمكِّن الاتحاد الأوروبي لاحقاً من تصنيف هذه الدول كبلدان ثالثة آمنة – أي بلدان يمكن نقل اللاجئين وطالبي اللجوء إليها، ويحصلون فيها على الحماية الدولية. 

يمكن أن تصبح تونس بلداً ثالثاً آمناً قد يساعد على التخفيف من العبء الثقيل الملقى على كاهل ليبيا. لقد وقّعت تونس اتفاقية الشراكة من أجل التنقل مع الاتحاد الأوروبي في آذار/مارس 2014 لتكون إطاراً شاملاً للنقاش حول المواضيع المتصلة بالهجرة. تشمل هذه الاتفاقية التعاون في مجالات الهجرة النظامية وإدارة الحدود والتنمية الاقتصادية، بهدف معالجة الأسباب الدافعة للهجرة. وقد انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2016 مفاوضات موازية بين تونس والاتحاد لوضع مسودّتَي اتفاقيتين منفصلتين حول تسهيل الحصول على التأشيرة وإجراءات إعادة القبول. سوف تنص اتفاقية إعادة القبول، عند إنجازها، على إعادة المهاجرين خلسةً إلى بلدانهم الأصلية أو إلى البلدان التي عبروا منها قبل دخولهم الاتحاد الأوروبي الذي يأمل بأن تكون هذه الاتفاقية رادعاً لمن يعتزم العبور عبر تونس. في مقابل التعاون التونسي، تقدّم أوروبا باقة من الحوافز من بينها فتح منافذ أوسع للتبادل العلمي والثقافي بين تونس وأوروبا، وتحديث مؤسسات التعليم العالي، وتطوير التكوين المهني، إضافة إلى الاستمرار في دعم قدرات الأجهزة الأمنية التونسية. 

غير أن تونس تُمانع التحوّل إلى بلد ثالث آمن، وكذلك جوبِه الاقتراح الأوروبي بإقامة مخيمات للاجئين بالرفض. في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أعلن وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي أن تونس لن تقبل أن تكون مركزاً لاحتواء المهاجرين أو "مقراً لرفع إشكاليات لا تخصها". والأسباب وراء ذلك عديدة. بدايةً، لا تمثّل تونس مركزاً أساسياً لتصدير الهجرة أو العبور. لقد تقلّص عدد المغادرين بحراً من السواحل التونسية بشكل مستمر على مدى السنوات القليلة الماضية ليبقى في حدود 900 شخص في 2016. كذلك، نحو 0.5 في المئة فقط من المهاجرين الذين عبروا الطريق المركزي للمتوسط خلال العام 2016 غادروا من تونس. لذا لم تعد الهجرة أولوية بالنسبة للسياسة التونسية. يتأتى كذلك رفض تحويل تونس إلى مركز للمهاجرين من مخاوف بشأن الإشكالات الأمنية. فتونس تواجه حالياً تحديات أمنية عدة كالإرهاب والتهريب والمقاتلين العائدين من بؤر التوتر، ولن يكون من مصلحتها إضافة أعباء أخرى على كاهل أجهزتها الأمنية، لاسيما وأنها نجحت في التقليل بشكل كبير من عدد المغادرين خلسة. 

من ناحية أخرى، تسعى تونس حالياً إلى تعزيز علاقاتها مع بقية القارة الافريقية، إذ أعلن الجهيناوي في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 تدشين سفارة في بوركينا فاسو وكينيا، إضافة إلى فتح خمسة مكاتب تجارية في أفريقيا جنوب الصحراء. وبحسب الجهيناوي، سيكون الانفتاح على أفريقيا من أولويات الديبلوماسية التونسية في المرحلة القادمة. لذلك، لن يكون من مصلحة تونس أن يتم دفعها للتحاور مع دول جنوب الصحراء حول استعادة تلك الدول لمواطنيها، لاسيما وأن مسألة إعادة القبول عادةً ما تطرح إشكاليات عملية بحسب ما أثبتته التجارب السابقة، الأمر الذي قد يؤدّي إلى وضع عراقيل أمام الديبلوماسية التونسية في القارة الأفريقية.

تحول صعوبات عدة دون تقديم الاتحاد لرؤية شاملة لمسألة الهجرة، ومنها غياب التناسق بين سياسات الدول الأعضاء، وتعدد الفاعلين وتضارب أهدافهم في مجال إدارة الهجرة. وتزداد المشكلة استفحالاً بسبب إغفال أنواع الهجرة المختلفة في منطقة جنوب الصحراء والأنشطة التي تدور حول الهجرة في هذه البلدان، وعدم أخذها في الاعتبار. كما أنّ شدة التركيز على المسائل ذات الصبغة الأمنية مثل تأمين الحدود وإعادة القبول، أغفلت إدماج جوانب أخرى في معالجة الظاهرة، وأعاقت حتى الآن النقاشات مع دول المنشأ أو العبور. على الأرجح أن بناء هذا الحوار سيكون التحدي الأهم الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي ودول شمال أفريقيا من أجل الوصول إلى حلول مشتركة تراعي أولويات كلا الطرفين ومصالحهما.

تسنيم عبد الرحيم مساعدة باحثة في برنامج المؤسسات الأفريقية في المركز الأوروبي لإدارة سياسات التنمية ومركز الدراسات المتوسطية والدولية.