انتشرت المجالس المحلية – وهي عبارة عن هيكليات حكم في المدن تعمل في شكل عام في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة لكنها حاضرة أيضاً في المناطق الكردية – في المناطق حيث تراجعت سيطرة النظام في سورية. تستند شرعية هذه المجالس إلى المرسوم التشريعي 107، وهو عبارة عن قانون عن اللامركزية جرى إقراره في دمشق في آب/أغسطس 2011 في إطار رزمة من الإصلاحات التشريعية لتهدئة الاحتجاجات الشعبية التي كانت قد اندلعت في مختلف أنحاء البلاد. وقد أصبح المرسوم جزءاً أساسياً من المشهد السياسي السوري، ويمكن أن يشكّل أساساً لإطار عمل محتمل في سورية بعد النزاع. يتضمن الدستور السوري الذي اقترحته روسيا في كانون الثاني/يناير الماضي خلال محادثات وقف إطلاق النار في الأستانة في كازاخستان، أحكاماً تنص تحديداً على اعتماد المنظومة اللامركزية المكرّسة في المرسوم 107.

يشكّل المرسوم 107، منذ صدوره، مكوّناً أساسياً في مفاوضات السلام في جنيف، ويحظى بدعم واسع من النظام السوري والمعارضة، وحتى من أفرقاء خارجيين مثل الولايات المتحدة وروسيا. لكن على الرغم من شعبيته، ليس واضحاً كيف سيتم تطبيقه على مستوى وطني أو كيف سيؤثّر على التطورات السياسية في البلاد. قد تؤمن منظومة موسَّعة من المجالس المحلية تتمتع بالتمكين والصلاحيات آلية للسوريين في مختلف أنحاء البلاد للانخراط بصورة أكثر مباشرةً مع حكومتهم، لكنها قد تشكّل أيضاً طبقة إضافية من السيطرة البيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة. يتوقّف الكثيرون عند مدى تمثيل هذه المجالس لقواعدها الناخبة (أي انتخابها بطريقة ديمقراطية وشفافة)، وعلى تمتّعها بسلطة سياسية كافية للاستجابة بفعالية للاحتياجات والمشاغل المحلية.

لقد نصّ المرسوم 107، المعروف بقانون الإدارة المحلية، على نقل عدد من المسؤوليات السياسية من الحكومة المركزية في دمشق إلى مزيج من المسؤولين المنتخَبين والمعيَّنين الذين يعملون على المستويَين المناطقي والمحلي. يرى كثرٌ في هذا النقل للسلطة السياسية آليةً من شأنها أن تتيح لجميع أفرقاء النزاع الاحتفاظ بدرجة معينة من السيطرة على المناطق الخاضعة لسلطتهم، وأن تُرسي درجة معينة من الحكم الديمقراطي على المستوى المحلي. يسير قانون الإدارة المحلية على خطَّين متوازيين. أولاً، يمنح المجالس المنتخَبة محلياً السلطة السياسية لتمويل مشاريع للتنمية المحلية ومؤازرة المجتمعات المحلية، ووضع هذه المشاريع موضع التنفيذ، بدعمٍ من حصة صغيرة من موازنة الدولة يتم تخصيصها لكل واحدة من المحافظات. فضلاً عن ذلك، تُعنى مجالس المحافظات بالمسائل التي تتعلق بالمحافظة ككل، بيد أن المحافِظ المعيَّن من السلطة المركزية يتحمّل المسؤولية الأساسية المتمثّلة في الحرص على انسجام الجهود المحلية مع الاستراتيجيات الوطنية، ويتمتع بسلطة مبهمة إنما واسعة في معظم المسائل.

هذه الهيكلية التي تختلف إلى حد كبير عن الهيكلية المركزية التي عُرِفت بها الدولة السورية تقليدياً، لا تزال مجرد حبر على ورق في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. فالنزاع العسكري المتواصل – وتردُّد الدولة في تسليم السلطة إلى شخصيات محلية لا تكنّ لها ولاء مطلقاً – تسبّب بتأجيل مستمر في تطبيق المرسوم.

واقع الحال هو أن المناطق التي تُطبَّق فيها بشكل أساسي أحكام المرسوم 107 هي تلك الخاضعة لسيطرة مجموعات المعارضة المسلحة المختلفة التي تبنّت المرسوم مع تعديلات طفيفة من أجل تفعيل عمل المجالس المحلية التي انتشرت في شمال غرب سورية. في غياب سلطة مركزية تتمتع بالمصداقية، أصبحت المجالس المحلية النمط الأساسي للحكم المدني في مناطق المعارضة. وهي تشمل المجالس المحلية في المدن والبلدات، والمجالس المحلية الفرعية في البلديات، ومجالس المحافظات، على الرغم من أن عدداً كبيراً منها يُضطر إلى العمل انطلاقاً من البلدان المجاورة بسبب محدودية سيطرته على الأرض.

كذلك تضم "الحكومة المؤقتة" الرسمية التي شكّلتها المعارضة، والتي تتخذ من مدينة غازي عنتاب في تركيا مقراً لها، وزارة للإدارة المحلية تشرف على ما يبدو على إدارة هذه الهيئات والمجالس، على الرغم من تفاوت مستويات اعتراف تلك المجالس بالحكومة المذكورة. إلى جانب الخلافات بين المجالس المحلية والهيكليات الرسمية للمعارضة في المنفى، خاضت المجالس معارك ضارية مع المجموعات المسلحة المتطرفة في مناطقها، وذلك على خلفية التنافس في معظم الأحيان على انتزاع الشرعية السياسية عبر السيطرة على تأمين الخدمات وإدارة الآليات القانونية.

بدأ عدد كبير من النشطاء والإصلاحيين يرى في المرسوم 107 محفّزاً محتملاً للتغيير في مستقبل سورية نتيجةً للسلطة والشرعية اللتين يُعتقَد أن هذه المجالس تتمتع بهما. بما أن المرسوم 107 هو بكل وضوح موضع استحسان من الكثير من المجموعات المنتمية إلى المعارضة كما أنه مقبول من النظام في دمشق، أصبحت الهيكلية اللامركزية التي ينص عليها مبدأ تنظيمياً محورياً في المفاوضات الجارية للتوصل إلى وقف إطلاق نار. حتى إذا لم تأخذ المفاوضات بهذه المقترحات، غالب الظن أن اللامركزية السياسية ستبقى جزءاً من مستقبل البلاد إلى درجة معينة، فقد عمد أفرقاء النزاع المختلفون مراراً وتكراراً إلى طرح خيارات أخرى لتطبيق اللامركزية. من المحتمل جداً أن يشكّل المرسوم 107، بنسخة موسَّعة أو منقّحة، مكوّناً أساسياً من مكونات اتفاق نهائي يجري التوصل إليه بين الحكومة والمعارضة.

بيد أن الآراء حول دور الهيئات المشار إليها في المرسوم 107 وسلطتها لا تزال متباينة إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، دور المحافظين وسلطتهم هو من عوامل الاختلاف الأساسية بين نظرة كل من النظام والمعارضة إلى قانون الإدارة المحلية. يمنح المرسوم الأصلي صلاحيات وسلطة إشرافية واسعة النطاق إلى المحافظين، وهم مسؤولون غير منتخَبين يتولى الرئيس تعيينهم في مناصبهم. في مناطق المعارضة، حيث لا وجود للمحافظين، نُقِل الجزء الأكبر من تلك الصلاحيات إلى مجالس المحافظات التي هي على الأقل منتخَبة من أبناء المحافظة. وثمة انقسامات في الرأي أيضاً حول تنصيب رئيس مجلس الوزراء رئيساً للمجلس الأعلى للإدارة المحلية، والسلطة التي يتمتع بهذا هذا المجلس على آليات المجالس المحلية. يجب تسوية هذه الخلافات وسواها الكثير في أي اتفاق نهائي، وذلك بطريقة مقبولة من الطرفَين.

علاوةً على ذلك، في حال عدم نقل صلاحيات كافية إلى الهيئات المحلية، غالب الظن أن المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد سترفض فكرة إعادة قدر كبير من السلطة إلى دمشق. في هذه الحالة، إما يتوجّب تطبيق المرسوم 107 بطريقة ليبرالية جداً وإما يجب إضافة أحكام خاصة إليه كي تتضمن متدرجاته منح درجة معيّنة من الحكم الذاتي للأكراد، مع العلم بأن هذا الخيار يبدو غير مستساغ إلى حد كبير بالنسبة إلى المعارضة والنظام على السواء.

هذه التعقيدات هي بمثابة تذكير هام بأن المرسوم 107 ليس في ذاته حلاً سحرياً لمختلف المشكلات، وبأن إدراجه في مفاوضات السلام الجارية حالياً في جنيف لن يُفضي حكماً إلى اتفاق سياسي ذي صفة تمثيلية أكبر. غير أن هذه الآلية تتمتع بشرعية واسعة، كما أنه قد يساهم في نقل- ولو هامشي- السلطة السياسية إلى المستوى المحلي وبالتالي تمكين مجموعة واسعة من الأفرقاء، ما يولّد استقراراً ملموساً وترتيبات سياسية مبتكرة لتخطّي السنوات الصعبة التي تلوح في الأفق.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

سامر عرابي مستشار وباحث مستقل متخصص في الشؤون السورية، مع التركيز على العنف السياسي ونظم الحكم.