يواجه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في عامه الثالث في الحكم، معركة سياسية جديدة في بغداد على خلفية انتخابات مجالس المحافظات والأقضية (المزمع إجراؤها هذا العام)، والانتخابات البرلمانية الوطنية (العام المقبل). في حين أن الدستور ينص على إجراء انتخابات مجالس المحافظات والأقضية بحلول أواخر نيسان/أبريل الجاري، والانتخابات النيابية بحلول أواخر نيسان/أبريل 2018، ليس المجهود غير المكتمل لتحرير نينوى والأنبار، وكلتاهما محافظتان أساسيتان تقطنهما أكثرية سنّية، سوى جزء من المشكلة. فثمة صراعات تدور أيضاً حول إقرار القوانين الانتخابية الضرورية واختيار مجلس المفوضين في المفوضية العليا للانتخابات. يُهدّد مقتدى الصدر، الذي استوعب الحركة الاحتجاجية ضد الفساد، بالتحرك في الشارع والمقاطعة في حال عدم قبول مقترحاته في السياسات.

آخر مرة أجريت فيها انتخابات مجالس المحافظات والأقضية كانت في نيسان/أبريل 2013 (وفي حزيران/يونيو 2013 في محافظتَي نينوى والأنبار لأسباب أمنية كما زُعِم). وكانت المفوضية العليا للانتخابات في العراق قد حدّدت موعد الانتخابات المقبلة في 20 نيسان/أبريل 2017. لكن يجب أولاً إقرار قانون انتخابي جديد لكل من انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والانتخابات البرلمانية، تستغرق الاستعدادات نحو ستة أشهر. فضلاً عن ذلك، فشلت الحكومة في تخصيص الأموال الضرورية. في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في العراق أنه من غير الممكن إجراء الانتخابات في نيسان/أبريل، بحسب الموعد الذي جرى تحديده. بعد تفويت تلك المهلة، وافقت حكومة العبادي متأخرة على مشروع قانون انتخابي في الرابع من كانون الأول/ديسمبر يخضع حالياً للمراجعة في مجلس النواب. في غضون ذلك، وافقت الحكومة في 23 كانون الثاني/يناير على اقتراح تقدّمت به المفوضية العليا للانتخابات لتحديد موعد جديد للانتخابات، في 16 أيلول/سبتمبر المقبل.

تعاملت المفوضية مع موعد 16 أيلول/سبتمبر باعتباره ثابتاً ونهائياً، ومنحت الأحزاب مهلة حتى 16 نيسان/أبريل للتسجّل، استناداً إلى قانون للأحزاب جرى إقراره في العام 2015. توقّع محسن السعدون، رئيس اللجنة القانونية في مجلس النواب، في 30 آذار/مارس الماضي، أن يقرّ مجلس النواب قريباً قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية بعدما استُكمِلت تقريباً القراءة الثانية لمشروع القانون، وقد تكرّر هذا الكلام أيضاً على لسان النائب أحمد طلال البديري في التاسع من نيسان/أبريل. ويومئذ أشار نائب رئيس مجلس المفوضين في المفوضية العليا للانتخابات، كاطع الزوبعي، إلى أن الحكومة خصصت أموالاً للمفوضية، وبالتالي من الممكن إجراء الانتخابات في أيلول/سبتمبر المقبل.

على الرغم من هذه الاستعدادات، ثمة احتمال الآن بحدوث مزيد من التأجيل في انتخابات مجالس المحافظات والأقضية. تتعلق نقطة الخلاف الأساسية بشأن قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية، بتوزيع المقاعد، بالاستناد إلى طريقة سانت ليغو التي تهدف إلى تأمين صيغة موضوعية لتوزيع المقاعد تنال بموجبها أحزاب متعددة حصصاً معينة من الأصوات. في الجولة الأولى من التطبيق المعياري لهذه الطريقة، يُقسَم مجموع الأصوات التي ينالها كل حزب أولاً بـ1.0، على أن يذهب المقعد الأول إلى الحزب الأفضل أداء. مع توزيع كل واحد من المقاعد، يُقسَم مجموع الأصوات التي نالها كل حزب بقواسم أكبر متكافئة مع عدد المقاعد التي يكون الحزب قد ضمنها لنفسه، ويتم تخصيص مقاعد جديدة للحزب الذي نال الحاصل الأكبر في تلك الدورة. بحسب هذه الصيغة، التي استخدمها العراق لأول مرة في انتخابات المحافظات والأقضية في العام 2013، فازت الأحزاب الصغيرة بعدد كبير من المقاعد. في الانتخابات الوطنية في العام 2014، أقرّ قادة الكتل الكبرى ما يُسمّى "طريقة سانت ليغو معدّلة"، والتي رُفِع بموجبها القاسم الأولي من 1.0 إلى 1.7، ما يزيد عدد الأصوات التي ينبغي على الحزب الحصول عليها من أجل الفوز بمقعد أوّلي. وهكذا فإن بعض الأحزاب الصغيرة التي فازت بمقاعد في العام 2013 لم تتمكن من حجز مقاعد لها في انتخابات 2014.

تجدّد هذا السجال في العام 2017. تصب المادة 12 من مشروع القانون الذي رعاه العبادي في كانون الأول/ديسمبر، في مصلحة الكتل الكبرى، وتُبقي على قاسم 1.7 المعتمد في طريقة سانت ليغو المعدَّلة. وحدهم الصدريون بين الكتل الكبرى وقفوا – انطلاقاً من خطّهم الشعبوي – إلى جانب الأحزاب الصغيرة في المطالبة بالعودة إلى قاعدة 2013. إذاً تدعم أكثرية اسمية القاعدة المعدّلة، إنما لا يزال على مجلس النواب التصويت على مشروع القانون. بحسب النائبة ابتسام الهلالي، وهي عضو في اللجنة القانونية، تناقش الأحزاب الكبرى ما إذا كان يجب زيادة القاسم الأولي من 1.7 إلى 1.9. بعبارة أخرى، وبما أن غالبية النواب تفضّل تهميش الأحزاب الصغيرة، يدور الخلاف بين مَن هم راضون عن إجراءات العبادي للإبقاء على الأفضلية التي تتمتع بها الكتل الكبرى من جهة، ومَن يريدون أن يتضمن مشروع القانون مزيداً من الأحكام التي تصب أكثر فأكثر في مصلحة الكتل الكبرى من جهة ثانية.

حتى لو أُقرّ قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية، فإن ذلك لا يعني أن الانتخابات ستُجرى هذا العام. في 12 نيسان/أبريل الجاري، أعلمت المفوضية العليا للانتخابات مجلس النواب أنها تستطيع راهناً إجراء الانتخابات في 83 دائرة فقط من أصل 137 دائرة انتخابية في العراق، وذلك لأسباب أمنية. غير أن هذه المسألة تحتمل بعض المرونة، نظراً إلى أن الانتخابات أجريت في الأنبار في نيسان/أبريل 2014 على الرغم من الأوضاع التي كانت المحافظة تمر فيها آنذاك. بيد أن المفوضية تحتاج عموماً إلى ستة أشهر للاستعداد للانتخابات، ولم يعد يفصلنا سوى خمسة أشهر فقط عن موعد الانتخابات الذي عُيِّن في أيلول/سبتمبر المقبل. تحبّذ بعض الكتل إجراء انتخابات المحافظات والأقضية والانتخابات البرلمانية معاً العام المقبل، ويبدو أن هذا الخيار يصبح أكثر ترجيحاً يوماً بعد يوم.

يدور خلاف مختلف حول مشروع قانون الانتخابات الوطنية، التي يجب أن تُجرى، بحسب المادة 56 من الدستور، بحلول 16 أيار/مايو 2018 (أي قبل 45 يوماً من انتهاء ولاية البرلمان الممتدّة لأربع سنوات). طرح الرئيس العراقي فؤاد معصوم، في 21 شباط/فبراير الماضي، مشروع قانون مختلفاً عن القوانين الانتخابية السابقة. يقترح مشروع القانون تقسيم المقاعد المخصصة لكل محافظة إلى فئتَين، مع توزيع نصف المقاعد بين القوائم حسب المجموع الكلي للأصوات التي حصلت عليها كل قائمة في الدائرة الانتخابية الواحدة وفقاً لنظام سانت ليغو المعدَّل على أساس اعتماد القاسم 1،5، أما نصف المقاعد المتبقّية فُتوزَّع على المرشحين الذين نالوا العدد الأكبر من الأصوات، بغض النظر عن الكتلة التي ينتمون إليها.

رفضت الفصائل الشيعية اقتراح معصوم في آذار/مارس الماضي، ما أدّى إلى الاصطدام بحائط مسدود. تُعارض تلك الفصائل البند المتعلق بالتصويت الفردي، الذي قال البعض إن أمير الكناني، النائب السابق في كتلة الصدر وأحد مستشاري معصوم، نسخه من الطرح الانتخابي الذي تقدّم به الصدر في كانون الثاني/يناير الماضي. من شأن إدراج بند عن التصويت الفردي أن يعود بالفائدة على فصائل مثل الصدريين والاتحاد الوطني الكردستاني الذي ينتمي إليه معصوم، واللذين يتمتعان بتنظيم محلي قوي. بما أن البرلمان يفتقر إلى السلطة اللازمة لتعديل التشريعات من دون الحصول على موافقة السلطة التنفيذية، لا يمكن إنهاء هذا المأزق إلا بتراجع معصوم عن اقتراحه أو مبادرة العبادي إلى دعم مشروع قانون بديل عن طريق مجلس الوزراء.

إلى جانب هذه الخلافات حول قانون الانتخابات، تدور معركة أخرى حول التعيينات في المفوضية العليا للانتخابات. فقد قُسِّمت مقاعد المفوضية، منذ تأسيسها، بين الفصائل السياسية، ما ولّد توازناً من التحيّزات يجعل المفوضية محايدة سياسياً في شكل عام. ينتهي التفويض القانوني لمجلس المفوضين الحالي في 20 أيلول/سبتمبر، أي بعد أيام فقط من الموعد المقرَّر حالياً لإجراء الانتخابات. كي يحصل مجلس المفوضين على الوقت الكافي لتعداد الأصوات، يجب تمديد تفويضه، وهو أمرٌ منوط بمجلس النواب. لكن في الحالتَين، سيستمر الجدل حول تشكيل المجلس الجديد الذي يطالب الصدريون بأن يكون غير سياسي بكامله، مهدّدين بمقاطعة الانتخابات في حال عدم تلبية مطلبهم.

اللجنة المكلّفة اختيار المجلس الجديد للمفوضية العليا للانتخابات، والتي أنشأها البرلمان وينتمي أعضاؤها إلى الكتل المختلفة، تعرّضت لاختلال في آلية عملها بسبب الخلافات الداخلية. في البداية، عيّن البرلمان نائب رئيسه آرام شيخ محمد، من حزب غوران الكردي، رئيساً للجنة. لكن في مطلع آذار/مارس، أُرغِم شيخ محمد على مغادرة المنصب، وفي 12 آذار/مارس، صوّتت اللجنة على تعيين عامر الخزاعي من ائتلاف دولة القانون (الشيعي) رئيساً للجنة، وصالح الجبوري من ائتلاف العربية (السنّي) نائباً للرئيس. يُعرَف عن الخزاعي أنه مؤتمن على أسرار نائب الرئيس نوري المالكي، الذي لا يزال رئيس ائتلاف دولة القانون، أما فصيل الجبوري فيرأسه نائب رئيس الوزراء سابقاً صالح المطلك. اختيار الخزاعي أمرٌ لافت، لأنه يتسبّب بنزاع مباشر بين المالكي والصدر حول الرئيس المقبل لمجلس المفوضين في المفوضية العليا للانتخابات.

العامل غير القابل للقياس يتمثّل في احتمال حدوث مواجهة مع الصدر وقاعدته الواسعة التي تتألف في معظمها من أبناء الطبقة الدنيا، والتي برهن عن قدرته على تحريكها عند الحاجة. لقد دفعت تصريحات الصدر القومية التي أظهرت استقلاليته عن إيران، ببعض المراقبين إلى النظر إلى حركته بأنها تمثّل موقفاً وسطياً. وهذا الاعتقاد يستند إلى أساس معيّن، فخطابه غير طائفي فعلاً، كما ظهر مثلاً في النداء الذي وجّهه في الثامن من نيسان/أبريل الجاري ودعا فيه الرئيس السوري بشار الأسد إلى الاستقالة. بيد أن تصرفات الصدر الغريبة – يصوّر نفسه باستمرار بأنه الجهة التي تمنح الحكومات شرعيتها، كما أنه ادّعى في آذار/مارس تعرّضه لتهديدات بالقتل بسبب ممارسته ضغوطاً من أجل الإصلاح – تسبّبت بعزله في أوساط الطبقة السياسية. مثالٌ على ذلك، باءت الجهود التي بذلها من أجل عزل وزيرة الصحة عديلة حمود التي تنتمي إلى فصيل شيعي خصم من منصبها، بالفشل على الرغم من الاستياء شبه الجامع الذي يبديه الرأي العام من إدارتها لشؤون الوزارة.

مع ذلك، لا يزال بإمكان الصدر تعبئة قاعدته كما فعل في أيار/مايو 2016، عندما أقدم أنصاره على نهب المباني الحكومية في المنطقة الخضراء مرتَين، ووصلوا إلى حافة المواجهة مع الميليشيات الشيعية المناوئة. وفي حال نفّذ الصدر تعهده بمقاطعة الانتخابات إذا لم تتم تلبية مطالبه باختيار أعضاء غير حزبيين لملء المقاعد في مجلس المفوضين في المفوضية العليا للانتخابات، فقد يتسبب ذلك بتشنجات شعبية متواصلة في بغداد. وفي مختلف الأحوال، تشكّل تهديداته سبباً إضافياً لإبقاء الانتخابات مؤجَّلة حتى العام 2018.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

كيرك سويل محلل للمخاطر السياسية وناشر الرسالة الإخبارية Inside Iraqi Politics التي تصدر كل أسبوعَين.