أثار إعلان إدارة دونالد ترامب في التاسع من أيار/مايو أن الولايات المتحدة ستعمد إلى تسليح مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية استعداداً للهجوم على الرقة، معقل الدولة الإسلامية في سورية، رد فعل سريعاً وغاضباً لدى الجانب التركي، مع أن القرار كان متوقّعاً. فقد حذّر وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، الذي طالب بالعودة عن القرار، من أن أي أسلحة تستحصل عليها وحدات حماية الشعب تشكّل تهديداً مباشراً لتركيا – في كلام قوي موجَّه من دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى دولة أخرى عضو في الحلف نفسه. في تركيا، يُنظَر إلى الدعم الأميركي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية وجناحَيه المسلّحَين، وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، بأنه مجهود متعمّد الهدف منه تعزيز مكانة حزب العمال الكردستاني الذي يُعتبَر عدواً داخلياً لتركيا. هذا الخلاف مع الولايات المتحدة يصب في مصلحة روسيا. فمنذ المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا في 15 تموز/يوليو الماضي، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الاستفادة من التدهور في العلاقات التركية-الأميركية، ما يؤدّي إلى تجدّد القلق الغربي السائد من "خسارة تركيا".

تمرّ العلاقات التركية مع أوروبا في أزمة أيضاً. فقد تعرّض الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي أجري في 16 نيسان/أبريل الماضي، وأسفر عن فرض نظام رئاسي في البلاد، لانتقادات واسعة من مراقبي الانتخابات الأوروبيين، فيما شدّد القادة الأوروبيون على الحاجة إلى الحفاظ على الديمقراطية التركية. وفي حين توجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتهنئة إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان، مراعاةً للأصول، نبّهت وزارة الخارجية الأميركية إلى الحاجة إلى حماية "الحقوق والحريات الأساسية" لجميع الأتراك، "بغض النظر عن خياراتهم في التصويت". هذا الفتور في التعاطي مع النصر الصعب الذي حققه أردوغان شكّل انعكاساً لضعف الموقف الغربي في إدانة المحاولة الانقلابية في تركيا في تموز/يوليو 2016. في ذلك الوقت، كما الآن، بوتين هو مَن دعم أردوغان مشيراً إلى أن الاستفتاء "شأن داخلي بحت" يخص الجمهورية التركية دون سواها. يكشف هذا الدعم المختصَر لسيادة الدولة التفاهم المتنامي بين بوتين وأردوغان اللذين تجعلهما شعبويتهما السلطوية وأطماعهما الإقليمية شريكَين في المصلحة تربطهما علاقة غير مريحة إنما تفرضها أحكام الضرورة.

رداً على تصاعد الانتقادات الأوروبية، اشتدّت وتيرة الخطاب المناهض للغرب في تركيا. باتت السياسة الداخلية تُحدِّد بصورة متزايدة معالم السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وقد شكّل تركيز أردوغان على إجراء استفتاء حول التعديلات الدستورية لترسيخ سلطته، قوّة محفِّزة منذ خسارة حزب العدالة والتنمية أكثريته البرلمانية لفترة وجيزة في انتخابات 2015. وفي محاولة لتأجيج المشاعر القومية، استخدم حزب العدالة والتنمية اتفاق عودة اللاجئين الذي وقّعه الاتحاد الأوروبي مع تركيا في آذار/مارس 2016، بمثابة كبش محرقة في إطار السياسة غير الشعبية على الإطلاق التي ينتهجها في الملف السوري. فعلى الرغم من الجهود التي بذلتها تركيا لكبح تدفق اللاجئين باتجاه أوروبا، لم يبادر الاتحاد الأوروبي إلى إلغاء تأشيرات السفر عملاً بالوعود التي كان قد أطلقها. وقد جاء الرد الأوروبي على المحاولة الانقلابية بعد بضعة أشهر باهتاً بالمقارنة مع المخاوف التي أعرب عنها الاتحاد الأوروبي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي أعقبت الانقلاب، ما دفع بتشاووش أوغلو إلى القول: "لسوء الحظ، يرتكب الاتحاد الأوروبي أخطاء فادحة. لقد فشلوا في الامتحان بعد المحاولة الانقلابية". في غضون ذلك، ألقى حزب العدالة والتنمية الملامة على الولايات المتحدة على خلفية إيوائها الإمام الإسلامي فتح الله غولن الذي يُعتقَد على نطاق واسع في تركيا أنه كان وراء الانقلاب.

الشراكات الأكثر تعقيداً التي تقيمها تركيا هي في سورية، حيث إن الحاجة إلى الاصطفاف إلى جانب قوى قادرة على تلبية احتياجاتها السياسية والأمنية الداخلية تتسبب باعتمادها سياسة غير متماسكة. على الرغم من أنه كانت لتركيا في الأصل علاقات تجارية واسعة مع روسيا، لا سيما في قطاعات الإنشاءات والسياحة والطاقة – تعتمد تركيا على الغاز الروسي، وهي ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي – إلا أن البلدَين افترقا في الملف السوري. عندما دخلت روسيا الحرب في أيلول/سبتمبر 2015 للحؤول دون هزيمة نظام الأسد، فعلت ذلك من أجل ضمان مصالحها العسكرية والاقتصادية، لا سيما أنابيب الغاز الطبيعي التي تمر عبر سورية. بعد شهرَين، أسقطت تركيا طائرة روسية عند الحدود التركية-السورية، ما تسبّب بمزيد من التدهور في العلاقات. فرضت روسيا عقوبات اقتصادية على تركيا كلّفت أنقرة، بحسب تقديرات أوّلية، خسارة تبادلات تجارية بقيمة عشرة مليارات دولار أميركي، في وقتٍ كان الاقتصاد التركي أصلاً في حالة تراجع. 

إذاً دعْمُ بوتين لأردوغان بعد الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو جاء في التوقيت الأنسب. بحلول آب/أغسطس 2016، وفي انعطافة سياسية كبرى، تخلت تركيا عن تشبّثها بموقفها الداعي إلى تنحية الرئيس السوري بشار الأسد، وبحلول كانون الثاني/يناير 2017، صرّح نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أنه لم يعد بإمكان تركيا "الإصرار على تسوية من دون الأسد"، ما أتاح إمكانات للتنسيق مع روسيا وإيران من أجل التوصل إلى حل ديبلوماسي للأزمة السورية. وقد ارتدت انطلاقة محادثات السلام في الأستانة أهمية لأن العملية كانت بقيادة هؤلاء الشركاء الثلاثة الجدد، فيما اكتفت الولايات المتحدة بمراقبتها. اللافت كان غياب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري عن المحادثات، بسبب المعارضة التركية لمشاركته في مباحثات الأستانة على خلفية روابطه مع حزب العمال الكردستاني. لكن على الرغم من إنجاز ثلاث جولات من المباحثات، لم يتحقق نجاحٌ يُذكَر، وتكشف مقاطعة المعارضة للجولة الثالثة في آذار/مارس، بتوجيهات من تركيا كما قيل، أن المفاوضات هي مجرد حلبة إضافية يستخدمها كل فريق لحماية مصالحه القومية.

بعد قيام نظام الأسد بشن هجوم كيميائي على بلدة خان شيخون في الرابع من نيسان/أبريل، وعلى ضوء موجة التنديد الدولية بالهجوم، تسنّت لتركيا فرصة إضافية كي تعيد صياغة سياستها في المسألة السورية. كان رد فعل أردوغان – الذي نعت الأسد بـ"القاتل" – مدفوعاً بالغضب الأخلاقي الشديد إنما أيضاً، وبالدرجة نفسها، بحاجته إلى إذكاء المشاعر القومية قبيل الاستفتاء على التعديلات الدستورية. على الرغم من أن رد الفعل الأميركي على الهجوم كان مشابهاً، إلا أنه لم يدفع بالولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب اصطفافاتها. وجاءت الهجمات الجوية التركية الأحادية على قوات وحدات حماية الشعب الكردية في ديريك (المالكية) في 25 نيسان/أبريل، لتبدّد إمكانات التعاون مع الولايات المتحدة. بل إن وحدات حماية الشعب عمدت إلى توطيد تعاونها مع الجيش الأميركي لضبط الأمن عند الحدود والحؤول دون وقوع مزيد من الهجمات على الأكراد السوريين المتحالفين مع الائتلاف المناهض للدولة الإسلامية.

خلاصة القول، المخاوف التركية المستمرة من الحكم الذاتي الكردي، وقدرة حزب العدالة والتنمية على تأجيج الغضب القومي في أوساط ناخبيه حول هذه المسألة، هما بمثابة السهمَين الموجِّهَين للسياسة التركية في الملف السوري، ما يؤدّي إلى إضعاف التزام تركيا التقليدي تجاه أوروبا ومنطقة الأطلسي، واستبداله باستقلالية ذاتية أكبر في السعي خلف مصالحها الإقليمية في السياسة الخارجية. يحقّق التقارب التركي-الروسي فوائد للجانبَين على المستويين الاستراتيجي والاقتصادي، على الرغم من استمرار التشنّجات. يحصل التقارب بين البلدَين في إطار منظومة معقّدة من الضوابط والتوازنات الجيوسياسية. فروسيا تعتبر أنه من شأن امتلاكها روابط مع عضو استراتيجي في الناتو أن يساهم في إضعاف هذا الحلف عبر طرح علامات استفهام حول الولاءات التركية. كما أن العلاقات التركية-الروسية تساعد على إرساء توازن في مواجهة السطوة الغربية في منطقة الشرق الأوسط بعد الانتفاضات العربية. وبالنسبة إلى تركيا، لا غنى عن روسيا من أجل كبح السعي الكردي خلف الحكم الذاتي، وتدعيم اقتصادها المأزوم. في غضون ذلك، وعبر الامتناع عن اتخاذ موقف واضح من المسألة الكردية، يتمكّن بوتين من إبقاء تركيا تحت السيطرة – في الوقت الراهن.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

بينار تانك باحث كبير في معهد أبحاث السلام-أوسلو (PRIO).