غالبا ما تنشأ لجان تقصي حقائق وغيرها من آليات العدالة الانتقالية في أعقاب حرب أهلية أو حكم استبدادي. ولا تنشط حيث لا يزال الجناة يمارسون سلطتهم أو يحظون بالحماية.

لا عجب إذن أن الشرق الأوسط لا يزال متأخرا عن بقية مناطق العالم في مجال تسوية حسابات الماضي، والاستثناء الواضح لتلك القاعدة هو عراق ما بعد صدام. وثمة استثناء آخر أقل بروزا في دولة المغرب، حيث نصّب الملك محمد السادس في شهر يناير هيئة الإنصاف والمصالحة الموكلة بتوثيق الانتهاكات المرتكبة في ظل حكم والده الراحل، حسن الثاني، الذي حكم من عام 1961 إلى 1999. الهيئة مكلفة بتوثيق انتهاكات "جسيمة" حصلت منذ الاستقلال عام 1956 حتى 1999 والتحقيق فيها. وبحلول أبريل 2005، يجب أن تقدم سجلا تاريخيا عاما عن أعمال القمع ومعلومات محددة لعائلات مئات المغربيين "المختفين" الذين لا يزال مصيرهم مجهولا. ويتوجب على الهيئة أيضا أن تقرر مستوى التعويضات الذي ستدفعه للضحايا والناجين.

ليس من قبيل الصدفة أن تكون المغرب في طليعة البلدان العربية التي تعيد النظر في إرثها القمعي. إن انفتاح البلد على ماضيه – إضافة إلى صحافة جريئة ومجتمع مدني نابض بالحياة وإصلاحات حديثة في قانون الأحوال الشخصية - يساعد على صقل صورتها كواحدة من البقع البارزة في المنطقة في مجال حقوق الإنسان. وهذه ميزة قيمة، لا سيما أن الحكومة لم تحقق الكثير في مجال مكافحة الفقر والبطالة. ويحظى هذا التطرق إلى انتهاكات الماضي أيضا بموافقة الطبقة السياسية المغربية، التي تتضمن الكثير من السجناء السياسيين وضحايا التعذيب السابقين.

إن قساوة الملك الراحل مع منتقديه لم تكن معروفة في الغرب، الذي كان معجبا به لكونه حاكما "معتدلا" ومواليا للغرب. ومن الستينات حتى الثمانينات، "أخفت" أجهزته الأمنية وسجنت آلاف اليساريين والإسلاميين والمدافعين عن حق تقرير المصير فيما يتعلق بالصحراء الغربية المتنازع عليها، إضافة إلى مدبري انقلابات حقيقيين أو وهميين. وفي أواخر الثمانينات، بدأ الحسن الثاني بالتخفيف من حدة القمع. وقد تضمنت الإصلاحات التي أدخلها خلال العقد التالي أولى محاولات الإقرار بالانتهاكات السابقة: عام 1998، أصدر مجلس حقوق الإنسان الذي أسسه تقريرا يعترف بـ 112 حالة "اختفاء".

وأقر الملك محمد السادس أيضا بوجوب توجيه الاهتمام نحو الماضي. وبعيد اعتلائه العرش، شكل مجلسا قدم تعويضات مالية لنحو 4000 من ضحايا انتهاكات الماضي. لكن الكثير من الضحايا والناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان انتقدوا عملية التعويض، والإقرار بـ"عمليات الاختفاء" معتبرين إياها جهودا سلطوية لطي الصفحة من دون تقديم ذرة من الحقيقة أو المساءلة.

غير أن هيئة الإنصاف والمصالحة الجديدة بمنزلة حل وسطي يرضي هؤلاء المنتقدين. وعلى خلاف الهيئات السابقة، فهي موكلة بموجب قانونها وضع سجل تاريخي يتضمن "مسؤولية الدولة أو غيرها من الأجهزة في الانتهاكات والأحداث الخاضعة للتحقيق". ويتوجب عليها التعويض على الضحايا واقتراح تدابير أخرى أيضا، كالمساعدات الاجتماعية وإعادة التأهيل وإعادة جثث الضحايا إلى عائلاتها، وإنشاء نصب تذكارية عامة، وتأمين وسائل حماية تفاديا لتكرار ممارسات الماضي.

إن تفويض الهيئة وأفرادها – بعدما عيّن القصر السجين السياسي السابق المحترم دريس بنزكري رئيسا وناشطين مستقلين عدة في مجال حقوق الإنسان كأعضاء - أمران أقنعا معظم الناشطين المغربيين بوجوب التعاون معها. إلا أن تحفظاتهم ما زالت وجيهة.

التحفظ الأول، يمنع قانون الهيئة بوضوح من تحديد أي مسؤوليات فردية عن الانتهاكات. (إشارة إلى غياب عبارتَي "عدالة" و"حقيقة" من اسمها). وفي حين أن المعلومات التي تجمعها الهيئة يفترض أن تحال إلى المحاكم لرفع دعاوى، فإن ذلك يبدو غير ممكن لأن السلطة القضائية المغربية غير مستقلة.

ثانيا، لا تملك الهيئة صلاحية الإكراه على الإدلاء بشهادة أو إبراز وثائق. وينص قانونها على أن المؤسسات العامة "يجب" أن تتعاون معها. ولكن من دون فرض عقوبات على عدم التعاون أو ترغيب الذين يبوحون بالحقيقة بالعفو عنهم، وهو المقابل المقترح في لجنة تقصي الحقائق في جنوب أفريقيا، كم شرطيا سيبوح بما يعرفه؟ ثالثا، يتوجب على الهيئة التركيز على حالات "اعتقال عشوائي" و"اختفاء قسري"، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت الهيئة تستطيع توثيق انتهاكات أخرى واسعة الانتشار مثل التعذيب والمحاكمات الصورية وإطلاق النار على متظاهرين وتقديم تعويضات عنها.

وفي النهاية، سوف تعتمد مصداقية الهيئة على كيفية مواجهتها التدهور الحالي لحقوق الإنسان. ففي 16 مايو الماضي، فجر 12 انتحاريا أنفسهم وأدوا إلى مقتل 33 شخصا في هجومات منسقة في الدار البيضاء. والسنة الماضية، بالرغم من الغياب شبه التام لمزيد من أعمال العنف السياسي، تم اتهام 2112 إسلاميا وإدانة 903 والحكم على 17 بالإعدام، وفقا لوزير العدل. وأفادت مجموعات حقوق الإنسان أن هؤلاء المشتبهين كان يتم توقيفهم من دون مذكرات ويوضعون قيد الاحتجاز السري ويعذبون أحيانا, ومن ثم يدانون في محاكمات غير عادلة ومتسرعة. لا يمكن للهيئة التغاضي عن هذه الانتهاكات التي تثير ذكريات الأيام الغابرة سيئة الذكر, وتعكس السلطة المستمرة لجهاز أمني لا يحاسَب.

وفي 7 يناير، أثنى الملك محمد السادس على الهيئة الجديدة باعتبارها "الخطوة الأخيرة في عملية تقود إلى ختام نهائي لمسألة شائكة". لكن كل الجهود السلطوية في المغرب للتعاطي "بشكل حاسم" مع أعمال الظلم السابقة, قد حل مكانها مسعى "نهائي" جديد. ومن المرجح أن تكون الهيئة، بتفويضها الأوسع لكن المحدود، معلما إضافيا في هذه الرحلة. غير أنها جزء من عملية مفيدة للمغرب، لا سيما أنها أطلِقت في وقت بات فيه التقدم الأخير الذي أحرز في مجال حقوق الإنسان عرضة للخطر.

** إريك غولدستين، مدير أبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومان رايت واتش، وكانت آخر زيارة له إلى المغرب في فبراير.