أتاح التعاون مع الجيش لليبراليين في مصر هزم خصومهم الإسلاميين، على الأقل بصورة مؤقّتة، إلا أن رهانهم هذا حمل في طيّاته خطر تجدّد السطوة الأمنية، وذلك على حساب القيم الديمقراطية التي يقول عدد كبير من الأحزاب العلمانية والناشطين الليبراليين إنه يناضل من أجلها. بعد أكثر من شهرَين على عزل مرسي، يتحوّل هذا الخطر إلى واقع.

وسط حملة التضييق الشديدة على الإخوان المسلمين، يُعاد إحياء الدولة البوليسية من جديد من خلال الإجراءات القانونية والمؤسّسية، ولاسيما قانون الطوارئ، واستخدام وحدات الشرطة السرية التي حُلَّت شكلياً بعد اندلاع انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011، والانصياع الإعلامي، وتعيين رجال أمن في منصب المحافظين. تقترح المسوّدة الحالية للمراجعات الدستورية، التي لاتزال قيد التعديل، توسيعَ سلطات الجيش عبر منح المجلس الأعلى للقوات المسلحة حق النقض (الفيتو) لمنع تعيين وزير الدفاع الذي يختاره الرئيس في حال عدم الموافقة عليه. ومن شأن المسوّدة أن تنص أيضاً على اعتماد نظام المرشّح الواحد في الانتخابات، أي النظام الذي كان مطبَّقاً في عهد مبارك، والذي من شأنه تعزيز حظوظ المرشّحين الأثرياء المدعومين من الدولة على حساب الأحزاب السياسية الناشئة في الانتخابات النيابية المقبلة.

على الرغم من الدعم المستمرّ الذي يمنحه الناشطون الليبراليون والسياسيون العلمانيون للتدخّل العسكري في 3 تموز/يوليو الماضي وحملة التضييق التي تستهدف الإخوان المسلمين، بدأ عددٌ متزايدٌ منهم يُعبّر، بشيء من التردّد، عن معارضته لصعود الدولة البوليسية من جديد. فعندما عيّن الرئيس المؤقّت عدلي منصور شخصيات عسكرية ومن الشرطة، فضلاً عن شخصيات كانت تنتمي إلى الحزب الحاكم السابق، في مناصب المحافظين في 13 آب/أغسطس الماضي، سارع الناشطون إلى التعبير عن خيبة أملهم. فقد أبدت حركة تمرّد وجبهة 30 يونيو تحفّظات على الأسماء التي وقع الاختيار عليها، في حين صرّح المتحدّث باسم التيار الشعبي المصري، وهو حركة علمانية عارضت مرسي ودعمت تدخّل السيسي، أن تعيين المحافظين "لايبشّر بخير"، كونه لايحمل مؤشّرات عن تغييرات إيجابية في الحكومة.

وفي 14 آب/أغسطس الماضي، ارتكبت القوى الأمنية ماوصفته منظمة حقوق الإنسان بأنه "حادثة القتل الجماعي غير المشروع الأكثر خطورة في التاريخ المصري الحديث"، لدى لجوئها إلى العنف لتفريق أنصار مرسي الذين كانوا يعتصمون في القاهرة. وعلى خلفية أعمال العنف هذه، قدّم محمد البرادعي، نائب الرئيس لشؤون العلاقات الدولية والوجه الليبرالي الأبرز في الحكومة، استقالته. وقد لقيت هذه الاستقالة معارضةً من معظم حلفاء البرادعي السياسيين الذين دعموا الحملة التي شُنَّت على الإخوان في 14 آب/أغسطس، إلا أن مصرع أكثر من 30 متظاهراً معتقلين لدى الشرطة بعد أربعة أيام، أثار غضباً واسعاً في مختلف أنحاء البلاد. وقد انضمّت حركة تمرّد وحركة 6 أبريل إلى زعماء سياسيين علمانيين بارزين على غرار حمدين صباحي، رئيس التيار الشعبي المصري، وعمرو موسى، المرشّح السابق للرئاسة وأحد أبرز السياسيين الليبراليين، للمطالبة بإجراء تحقيق في ملابسات الوفاة.

وعلى امتداد شهر آب/أغسطس الماضي، تعزّزت المخاوف من عودة السطوة الأمنية، إذ لجأت الحكومة إلى مزيد من الممارسات الفاضحة، وبدأ الليبراليون يتخوّفون من أن يؤدّي تمكين القوى الأمنية إلى تهديد مصالحهم السياسية وأهدافهم الثورية. وفي 26 آب/أغسطس، أصدر عددٌ من القوى السياسية العلمانية والليبرالية بياناً حمّل فيه الإخوان مسؤولية أعمال العنف، لكنه حذّر أيضاً من عودة الدولة البوليسية القمعية التي يسعى أزلام حسني مبارك إلى "إعادة بنائها". وقد ذُيِّل البيان بتوقيع كلٍّ من حزب الدستور، وحزب التحالف الشعبي، وحزب مصر القوية، وحزب التجمع، وحركة تمرد، وحركة 6 أبريل، وعدد من الناشطين السياسيين. وإزاء المخاوف من الممارسات الأمنية، أطلق حزب التيار الشعبي مبادرة لتوثيق الانتهاكات التي ترتكبها الأجهزة الأمنية. وقد ندّدت منظمات حقوقية مصرية بالمحاكمات العسكرية التي يخضع إليها مواطنون مصريون، كما أن الناشطين الليبراليين في صفوف الطلاب هم في حالة تأهّب بعد صدور قرار يمنح عناصر الحراسة في الجامعات سلطةً تخوّلهم توقيف الأشخاص.

في غضون ذلك، تزداد التكهنّات حول احتمال ترشّح وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي يُعَدّ الشخصية الأكثر شعبية في البلاد منذ 3 تموز/يوليو الماضي، للانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يُعزّز المخاوف من عودة الدولة الأمنية. وقد أعرب بعض القادة السياسيين العلمانيين بخفر عن معارضتهم فكرةَ ترشّح السيسي للرئاسة، وذلك خوفاً من وصول شخصية عسكرية قوية من جديد إلى كرسي الرئاسة، إلا أنهم استخدموا لهجة مخفّفة في معارضتهم هذه نظراً إلى الشعبية الواسعة التي يتمتّع بها السيسي. فقد عمد حمدين صباحي إلى امتداح الفريق أول السيسي لحمله على العدول عن خوض السباق الرئاسي، معلناً في 6 آب/أغسطس الماضي، أن السيسي قد ضمَن مكانة له في التاريخ أعظم بكثير مما يمكن أن تمنحه إياه الرئاسة. وفي 28 آب/أغسطس، قال صباحي في الموضوع عينه إنه سيدعم السيسي إذا ترشّح للرئاسة، نظراً إلى أنه بطل قومي، لكنه أردف أنه لايعتقد أن الفريق أول سيخوض السباق الرئاسي. وبعد أسبوع، أعلن صباحي أن التيار الشعبي لن يدعم وصول شخصية عسكرية إلى رئاسة الجمهورية.

وقد اعتمد فريد زهران، نائب الرئيس في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مقاربة مماثلة، إذ رفض فكرة ترشّح السيسي معتبراً أن دوره في حماية الثورة أهمّ من منصب الرئاسة. وكذلك ناشد قياديون في حزب الوفد وحزب المؤتمر، العسكرَ الإحجام عن الترشّح للانتخابات الرئاسية. حتى حركة تمرّد أظهرت تردداً في دعم فكرة ترشّح السيسي للرئاسة. فبعدما صرّح محمود بدر، أحد مؤسّسي الحركة وأبرز المتحدّثين باسمها، أن تمرّد ستدعم ترشّح السيسي للرئاسة إذا لم يتحسّن الوضع الأمني في البلاد، نأى قياديون آخرون في الحركة بأنفسهم عن تعليقاته.

لسوء حظ الليبراليين في مصر، يأتي هذا الانكفاء عن دعم العسكر متأخراً جداً، كما أنه محدود جداً. لاتزال أحداث 3 تموز/يوليو تدفع بالليبراليين في اتّجاهَين معاكسين. ففي حين أنهم ينظرون بعين القلق إلى صعود الدولة البوليسية من جديد، عبّر عدد كبير منهم في العلن عن دعمه استهدافَ خصومه الإسلاميين على أيدي القوى الأمنية. واقع الحال هو أن الجيش والشرطة نجحا في استيعاب الليبراليين الذين يسعون خلف الشيء ونقيضه. فالانتقادات للقوى الأمنية تفقد فاعليّتها عندما يستمرّ عدد كبير من أولئك المنتقدين في الثناء على التدخّل العسكري في 3 تموز/يوليو، وفي مؤازرة الحكومة المؤقّتة المدعومة من الجيش، كما أنهم يستمتعون بالسلطة التي حصلوا عليها جرّاء إقصاء الإخوان المسلمين – ولو كانت مؤقَّتةً على الأرجح. وقد ولّد هذا الوضع أيضاً مزيداً من التصدّع داخل المجموعات الليبرالية والعلمانية المعروفة أصلاً بالانقسامات في صفوفها. فبعدما حصل العديد من هذه المجموعات على النفوذ داخل الحكومة أو على القدرة على الوصول إلى هذا النفوذ، خسرت أواصر الوحدة التي كان يمنحها إياها موقعها في المعارضة، وباتت تسعى خلف مصالحها الضيّقة.

وثمّة مشكلة أكبر تتمثّل في الاختلافات الشديدة في النفوذ والشعبية بين الناشطين الليبراليين والأحزاب السياسية العلمانية من جهة، وبين الجيش والشرطة من جهة أخرى. لقد بدأت القوى الأمنية تستخدم أساليب الإكراه المخيفة ضد منتقديها الليبراليين الأعلى صوتاً، فتلطّخ سمعتهم في الصحافة، وتداهم مكاتبهم، وتعتقلهم اعتباطياً. يُعَدّ السيسي الزعيم الأكثر شعبية على الإطلاق في مصر في الوقت الحالي، وتلقى المؤسسة العسكرية تأييداً واسعاً في أوساط الرأي العام، ولذلك فإن أي محاولة لتحدّي هذه السياسات عبر العمل على استقطاب الشارع لن تحظى على الأرجح حظوظاً كبيرة بالنجاح. أما في مايتعلق بالطموحات السياسية للفريق أول السيسي، وحتى لو لم يترشّح للرئاسة، فإن تأثيره الهائل سيمنحه دوراً كبيراً جداً في أي حكومة ترى النور في المستقبل في مصر.

منذ 3 تموز/يوليو الماضي، أرست القوى الأمنية أيضاً سوابق سيكون من الصعب العودة عنها. فعَزْلُ مرسي من قبل الجيش يضفي مشروعيةً على تدخّل المؤسسة العسكرية ضد الرؤساء غير الشعبيين، في حين أنه ستكون للجوء إلى العنف بهدف تفريق المتظاهرين المؤيّدين لمرسي تداعياتٌ مخيفةٌ على أي حملة تعبئة يمكن أن تقوم بها المعارضة في المستقبل. عندما راهنت التيارات الليبرالية والعلمانية في مصر على التحالف مع الأجهزة الأمنية، سلكت طريقاً يقودها حكماً إلى الخسارة. أما انتقاداتها الأخيرة للدولة البوليسية الصاعدة فلن تسفر عن أي نتيجة نظراً إلى تفكّكها وعدم انسجامها، وإلى النفوذ الذي تتمتّع به القوى الأمنية. فغالب الظن أن الجيش والشرطة سيستمرّان في تثبيت سلطتهما بحسب مايريانه مناسباً في المنظومة السياسية الجديدة في مصر.

سكوت ويليامسون باحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.