عمدت السلطات المغربية يوم 17 يلول/سبتمير الجاري إلى اعتقال الصحافي علي أنوزلا، المدير المؤسس للموقع الإخباري العربي لكم. ويعتبر السيد أنوزلا من بين أشد الأقلام انتقادا للملك محمد السادس. التهمة الرسمية التي وجهتها النيابة العامة إلى الصحافي المشاكس، الذي يلاحق في إطار قانون الإرهاب، بالغة الثقل والخطورة ويمكن أن تودي به في النهاية إلى قضاء من 5 إلى 30 سنة وراء القضبان. فوكيل الملك في محكمة الرباط يتهم أنوزلا بـ"المساعدة المادية" و"الإشادة بأفعال إرهابية" و"التحريض على تنفيذ أفعال إرهابية".

أنوزلا ملاحق بتهمة نشر الفيديو التحريضي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. إلا أن هناك أمور متعلقة بالقضية أثارت الاستغراب، أولها أن أنوزلا اكتفى باعادة نشر رابط الفيديو (الذي ظهر سابقا في الجريدة الإسبانية الباييس) مخبرا القراء أن محتوى الشريط دعائي. وما يزيد الأمر إبهاما أن أبوبكر الجامعي، الذي نشر الفيديو أولا في الطبعة الفرنسية للموقع نفسه، وضع نفسه رهن القضاء المغربي لكن النيابة العامة تجاهلته تماما. كما أن الفيديو بقي لمدة أربعة أيام كاملة على الموقع ولم تطلب السلطات من الناشر أن يزيله. وهذا يثير الاستغراب ما دامت السلطات تعتبر ذالك خطرا داهما على النظام. كما كان بإمكانها على المستوى التقني إغلاق الموقع ولم تفعل. ويجب أن نضيف أن كثيرا من رواد الفيسبوك نشروا الرابط إلى الشريط المذكور ولم يلاحقوا، على رغم أن بينهم شخصيات مغربية معروفة. كما أن صحفاً إلكترونية أخرى نشرت الرابط نفسه من دون أن يعتقل أحد من مسؤوليها. فما السر في هذه المفارقة؟

يجيب زملاء أنوزلا في الموقع أن اعتقاله وفق قانون الإرهاب هو "انتقام محض " من القصر من القلم الحر الذي فجّر قضية المتحرّش بالأطفال الإسباني دانييل غالفان المحكوم بثلاثين سنة سجنا والذي تم العفو عنه خطأ من طرف الملك منذ حوالي شهرين. هذه القضية دخلت حلبة الصراع الإعلامي-السياسي والحقوقي وخلالها واجه الملك محمد السادس أحلك أيام حكمه – منذ اعتلائه عرش المغرب سنة 1999 – حيث اشتعل الشارع وخرج آلاف المتظاهرين منددين بالقرار الملكي، ما اضطر القصر إلى نشر ثلاثة بلاغات متتالية للدفاع عن نفسه، متراجعا عن قرار العفو لأول مرة في تاريخ الملكية المغربية منذ الاستقلال.

أصبح إذاً علي أنوزلا على رأس لائحة المستهدفين من قبل مخابرات النظام، خصوصا وأن هذه الأخيرة كانت قد وجهت إليه إنذارات عدة مشفرة، ومنها نشر إشاعات حول صحته النفسية وأنه قام بمحاولة انتحار. وفي هذا تهديد مضمر لا يخفى على أحد. الإنذارات المتتالية لأنوزلا كانت تأتي في الغالب بعد نشره لمقالات تنتقد الملك. ومعروف عن السيد أنوزلا شجاعته النادرة وتركيزه بنوع من الحدة على بعض التصرفات والأمور السياسية المتعلقة بالملك والتي

يعتبرها مؤسس موقع لكم مضرة بالمغرب وكرامة المغاربة ومنها ما يشير إليه ب "لامسؤولية الملك الدستورية". يؤكد أنوزلا في العديد من مقالاته والعروض التي يلقيها على العموم أن هناك تناقضاً وعدم توازن لا منطقي بين السلطات التنفيذية الواسعة التي يوفرها الدستور للملك وبين انعدام أية آلية مؤسساتية لمساءلته. وهنا يظهر أنه من المفيد تقديم نموذج من الانتقادات التي قلما يجرؤ الصحافيون المقيمون في المغرب على تقديمها. فأنوزلا كتب يوم 4 حزيران/يونيو الماضي في مقال له عن عطل الملك المتتالية والطويلة خلال النصف الأول من السنة الجارية والتي لا يسائله عنها أحد:

"منذ العاشر من أيار/مايو الماضي، والملك محمد السادس في زيارة خاصة غير معلنة، لا يعرف مكانها ولا متى تنتهي. وقبل ذلك كان الملك في زيارة خاصة، قالت بعض وسائل الإعلام إنه قضاها في دولة الإمارات ... وقبلها سافر الملك، ودائما في إطار زيارة خاصة استغرقت 19 يوما ابتداء من 4 كانون الثاني/ يناير، وقيل يومها إن وجهته كانت هي فرنسا. أي أنه خلال خمسة أشهر يكون الملك قد قضى ما يناهز 57 يوما ... في رحلات خاصة غير معلنة، لا يعرف متى تبتدئ ولا متى تنتهي ولا أماكنها ووجهاتها؟ والواقع أنه لا يوجد رئيس دولة في العالم، اللهم إلا في الدول الدكتاتورية الآيلة إلى الانقراض، يتمتع بهذا القدر الهائل من أيام العطل المفتوحة...طبعا لا أحد يسأل ما إذا كانت هذه العطل "المفتوحة" مدفوعة الأجر... لأن الملك يظل حسب الدستور الحالي فوق كل محاسبة أو مساءلة!"

وفي مقال سابق ظهر في الموقع نفسه، انتقد أنوزلا الميزانية الضخمة للقصر وذكر بأنها توازي أربع مرات ونصف المرة ميزانية وزارة الثقافة، مشيرا إلى أن الجزء الأكبر من هذه الميزانية لا يستند إلى أي أساس دستوري.

وفي شهر آذار/مارس الأخير، نشر مقالا يصف فيه نظام محمد السادس ب"الاستبداد الناعم"، ويتنبأ بأنه سيصبح أقل نعومة بعد سنتين مما يعتبره هذا النظام وقتا ضائعا تسبب فيه الربيع العربي.

وفعلا فإن اعتقال أنوزلا قد يعني الإغلاق النهائي لأي أمل في التغيير في المغرب. يبدو أن النظام ينتقم من معارضيه الشرسين بتهم الإرهاب وذلك اجتهادا في تغليط الرأي العام كما أن الأحزاب أصبحت تتعرض من جديد لضغط قوي من النظام وذلك لأن انضباطها كان قد بدأ يتراخى نظرا للمناخ السياسي الجديد بالمنطقة وهكذا فإن ستة أحزاب سارعت إلى إدانة أنوزلا حتى قبل بدإ محاكمته ومن بين هذه الأحزاب الاتحاد الاشتراكي أما العدالة والتنمية فكان الوحيد بين الأحزاب المشاركة في التحالف الحكومي الذي لم يعلن صراحة عن تأييده لمتابعة أنوزلا.

وفي حين يبقى علي أنوزلا في السجن في انتظار محاكمته – التي من المتوقع أن يتم تأجيلها في محاولة لكسر معنويات الصحافي – يجدر التذكير بأن حالته ليست وحيدة بل إن كل من يتجرأ على انتقاد الملك يعاقب بطريقة أو أخرى. ومن بين العقوبات الأكثر شيوعا وفعالية هو التشهير بالمعارضين والتعرض لحياتهم الخاصة على صفحات جرائد ورقية أو إليكترونية تابعة للمخابرات أو متعاملة معها. وهذا ما حدث مثلا لأشهر امرأة معارضة للنظام وهي نادية ياسين التي اضطرت للدخول في مرحلة صمت طويلة بعد نشر المخابرات لصور لها مع أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان مع التعليق بشكل متحامل على محتوى الصور. كما يحدث أن يجر النشطاء أمام القضاء بتهمة الاتجار في المخدرات أو حتى مداهمة المنازل وسرقتها. إن مثل هذه الأساليب قديمة لكن اللجوء إليها من طرف النظام كان قد خف أثناء أوج حركة الربيع العربي بالمغرب لتتم العودة إليها بقوة ابتداء من أواسط السنة الماضية.

المعطي منجب، محلل سياسي ومؤرّخ مغربي، محرّر "مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب" (2009)،ويساهم بانتظام في صدى.

* تصحيح :  ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن صحيفة إلكترونية صدى بلادي نشرت الرابط للفيديو من أنها نشرت فقط صورة الرابط الذي نشرته جريدة الباييس.