"أهمية إيران الاستراتيجية ونفوذها في العالم الإسلامي هما السبب الذي دفعنا إلى السعي إلى إقامة علاقة أفضل بين بلدَينا".

هذا الكلام الذي أطلقه الرئيس رونالد ريغان، منذ مايناهز عقود ثلاثة، يتردّد صداه اليوم. فعلى الرغم من الصعوبات والخلافات طويلة الأمد بين البلدَين، لدى الولايات المتحدة مصلحة مباشرة على صعيد الأمن القومي لاستكشاف الفرص الجديدة المتاحة الآن في العلاقات الأميركية-الإيرانية. 

والواقع أن انتخاب رئيس جديد أكثر اعتدالاً في إيران ورحيل محمود أحمدي نجاد، مهّدا السبيل أمام إمكانية إحراز تقدّمٍ في المفاوضات النووية. وعلى الولايات المتحدة أن تختبر هذه الفرصة، تحديداً لأن حيازة إيران المحتملة لأسلحة نووية تطرح مخاطر أمنية هائلة في وجهها وفي وجه حلفائها.

صحيح أن توخّي الحذر ضروري، إلا أن إشارات عدة صدرت من الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، تبشّر بالخير في مايتعلّق بالمفاوضات النووية.

فروحاني قال إن "برنامجنا النووي شفّاف، لكننا مستعدّون لاتّخاذ الخطوات اللازمة لجعله أكثر شفافية"، وإن إيران "مستعدة للانخراط في محادثات جدّية وملموسة من دون إضاعة الوقت".

هذا الكلام ينسجم والبرنامج الانتخابي الواضح الذي اعتمده روحاني خلال الصيف. كما أن تعيينه جواد ظريف وزيراً للخارجية ومفاوِضاً باسم إيران في الملف النووي، وهو الذي تلقّى علومه في الولايات المتحدة، يُفَسَّر على نطاق واسع على أنه دلالة على أن الرئيس الجديد مستعدّ لترجمة أقواله إلى أفعال. فلا تربط ظريف علاقات وثيقة بالغرب وحسب، بل هو يتمتّع أيضاً بخبرة واسعة في الملف النووي، إذ سبق له أن تولّى المفاوضات النووية لصالح إيران مع نظراء أوروبيين حين كان يشغل منصب سفير إيران في الأمم المتحدة. 

هذا ويُذكَر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية حدّدت جولةً أخرى من المحادثات مع إيران في أواخر أيلول/سبتمبر.

روحاني عزف أيضاً على وترٍ مختلفٍ في مايتعلّق بسورية، من خلال تعبيره عن "الإدانة الشديدة لاستخدام الأسلحة الكيميائية". 

وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي أثّرت سلباً على الاقتصاد الإيراني، إلا أنها، بصراحة، فشلت في إحداث تغيير في سياسات إيران النووية، وربما عززت نفوذ المتشدّدين الإيرانيين الذين يعارضون المفاوضات.

صحيح أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يوفّر للدبلوماسيين الأميركيين تأثيراً مهماً، إلا أن ذلك يصحّ فقط في حال سنحت لهم الفرصة لاستخدام هذا التأثير في المفاوضات. فالضغط الاقتصادي لن ينجح ما لم يقترن باستراتيجية دبلوماسية. أما الاستراتيجية الفعّالة التي من شأنها حلّ النزاع النووي على المدى القصير، فتقوم على استخدام عقوبات مرنة ومحدَّدة الهدف لتكملة الانخراط الدبلوماسي. بيد أن الخطوة الأولى يجب أن تكون استئناف المفاوضات.

لابد أيضاً من أن تقترن المقاربة الأميركية برؤية طويلة الأجل. فبعد عقود عدة غابَت فيها الثقة وساءَ التواصل، سيشكّل بناء الثقة لدى الجانبَين تحدّياً هائلاً، لكن التخلّي عن المفاوضات ستترتّب عنه تكلفة باهظة للغاية. ومن شأن ضربة عسكرية ضدّ إيران أن تشكّل كارثة محتملة، تتراوح عواقبها من تعريض الطواقم الأميركية إلى الخطر وزعزعة استقرار الشرق الأوسط أكثر، إلى تهديد الاقتصاد العالمي، والتسبّب بحربٍ أخرى في الشرق الأوسط قد تمتدّ لعقد من الزمن. 

والمهمّ أن الخيار العسكري قد يفشل حتماً في تحقيق الهدف الأساسي المباشر، ألا وهو الحؤول دون تزوّد إيران بالأسلحة النووية. وفي أفضل الأحوال، يمكن أن تعود الضربات العسكرية بالبرنامج النووي الإيراني بضع سنوات إلى الوراء، لكنها لن تزيله. في غضون ذلك، من المرجح أن يوحِّد العملُ العسكري الغربي إيران وراء هدف صنع قنبلة نووية، ويسرّع البرنامج النووي دافعاً إيران إلى العمل به في الخفاء، ويؤدّي إلى منحدرٍ يقود إلى حرب شاملة. 

تؤكّد مساوئ اتّباع الخيار العسكري بقوة على ضرورة خوض تحدّي المفاوضات. وثمة سبب وجيه يجعلنا نأمل في أن تنجح المفاوضات، شرط أن يكون الطرفان على استعداد للانخراط فيها جذرياً.

سيتعيّن على الولايات المتحدة، إذاً، القيام بخطوات محدّدة بغية التوصّل إلى اتفاق مع إيران: أولاً، عليها قبول برنامج إيران النووي ضمن حدود شفافة يمكن التحقّق منها، وبوجود ضمانات مناسبة. وثانياً، يجب أن تكون مستعدةً لتخفيف العقوبات عندما تتّخذ إيران الخطوات اللازمة.

هذه الخطوات ليست سوى البداية، ذلك أن اتفاقاً شاملاً سيتطلّب مفاوضات مكثّفة أكثر وتحديد النتيجة النهائية لكلا الطرفين.

وهكذا، كما تظهر الأحداث الراهنة، لايمكن حلّ التحديات الأمنية في الشرق الأوسط حلاً نهائياً فقط عبر استخدام القوة العسكرية الأميركية. فالحلول الدائمة الوحيدة، في مايتعلّق بإيران والتحديات الإقليمية الأخرى، ستكون الحلول الدبلوماسية.

نُشِر هذا المقال في اللغة الإنجليزية في صحيفة كليفلاند بلاين ديلر.