يتسبّب النزاع السوري بتدمير الاقتصاد وبأزمة اقتصادية طويلة الأمد ستزيد من صعوبة التوصّل إلى سلام دائم في المستقبل. فمع تواصل المعارك، يستمر المسار الانحداري في الاقتصاد، ويتوقّع الخبراء أن يُسجّل الناتج المحلي الإجمالي تراجعاً إضافياً بنسبة 13.9 في المئة بحلول نهاية العام الجاري (يُضاف إلى الانخفاض الذي بلغ 14.4 في المئة عام 2012). فضلاً عن ذلك، يؤشّر تراجع التصنيع، والديون، والانقسام الجغرافي إلى انسداد في الأفق الاقتصادي للبلاد يتخطّى النزاع الحالي. لذلك، يجب أن تترافق عملية المصالحة السياسية مع العمل على معالجة الأزمة الاقتصادية واقتراح إجراءات فاعلة لتحقيق المعافاة الاقتصادية.

تعرّضت محرّكات الاقتصاد الأساسية إلى ضربة قوية، ومنها قطاع النفط السوري الذي يعاني من الجمود التام. فقد لحقت أضرار فادحة بالبنى التحتية الخاصة بقطاع الطاقة، وأتت النيران على آبار نفطية، وجرى تعليق العمل بالعديد من المشاريع. وقد تراجع إنتاج النفط الخام الذي كان يبلغ 380 ألف برميل في اليوم قبل النزاع إلى 20 ألف برميل، حسب وزير النفط السوري. وبحلول منتصف العام 2013، كان النظام قد فقدَ السيطرة على الجزء الأكبر من الأراضي الغنية بالنفط في البلاد (والتي تقع بغالبيتها في الشرق والشمال الشرقي). يقول جهاد اليازجي، رئيس تحرير النشرة الاقتصادية The Syria Report: "تخضع الحقول النفطية، بحسب موقعها، إما إلى سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في الشمال الشرقي، وإما إلى سيطرة الميليشيات الإسلامية القبلية المتعدّدة (في المنطقة الشرقية على مقربة من دير الزور)، وهذا مايفسّر التراجع في الإنتاج". أما إنتاج الغاز فقد انخفض بمعدّل الثلث، ويُعزى هذا التراجع المعتدل نسبياً إلى وجود حقول الغاز في المناطق التي لاتزال خاضعة إلى سيطرة النظام، مثل تدمر وحماه. قبل النزاع، كان حوالى 90 في المئة من إنتاج النفط والغاز المحلي - مايشكّل 35 في المئة من مجموع عائدات الصادرات ونحو خمس الإيرادات الحكومية - يُباع إلى أوروبا، بيد أن العقوبات قضت على هذا المصدر الذي كان يؤمّن الدخل للبلاد.

وأدّى توسّع دائرة العنف هذا العام إلى تراجع حاد في مستويات الإنتاج الغذائي، بعدما كانت المناطق الزراعية قد حافظت على مستويات إنتاجية جيدة في العامَين الأولَين من الحرب. وقد تحدّثت تقارير عدّة عن قيام الجيش السوري بتلف المحاصيل بهدف الانتقام من السكّان المحليين. أما في المناطق التي نجت فيها الأراضي الزراعية من الدمار والتخريب، فتحوّل نقل المحاصيل إلى مهمّة شاقّة لابل مستحيلة. وقد فرّ العمّال من مناطق على غرار حمص ودرعا، الأمر الذي تسبّب بنقص في اليد العاملة وتراجع الإنتاج الزراعي. فعلى سبيل المثال، تراجع محصول القمح لهذا العام بمعدّل نحو 50 في المئة ليصل إلى 1.5 مليون طن.

تعرّض القطاع الصناعي الذي يتركّز حول دمشق وحلب إلى ضربة قاسية. فبحسب تقرير صادر عن بنك بيبلوس، توقّفت نحو 75 في المئة من المنشآت الإنتاجية في حلب عن العمل. يشكّل تراجع التصنيع واحداً من أهم العوامل التي ستؤثّر في مستقبل البلاد. وهو لايطرح إشكالية في ذاته، لكن عندما تواجهه بلدان نامية على غرار سورية كنتيجة من نتائج الحرب، يتعثّر مسارها نحو النمو. وجرّاء هذا الوضع، تتعطّل قدرة البلاد على زيادة مداخيلها، وتتأخّر في اللحاق بركب الاقتصادات المتطوّرة، ولاسيما أن سورية لاتملك بعد الأدوات التي تتيح لها التحوّل إلى اقتصاد خدمات مكتمل المواصفات (وهي الخطوة التي تلي عادةً الابتعاد عن التصنيع). فضلاً عن ذلك، تنتقل النخب الصناعية السورية إلى بلدان عربية أخرى. وقد نجحت مصر في استقطاب الشركات السورية بفضل قاعدتها الصناعية الواسعة وتكاليف الإنتاج المنخفضة. وكذلك انسحب المستثمرون الأثرياء الذين وظّفوا أموالهم في سورية بعد تحرير قطاعها الاقتصادي عام 2000، وعادوا إلى إنكلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو إلى بلدان أخرى كانوا يعملون فيها سابقاً. ليس هؤلاء السوريون الذين عادوا إلى المنفى سوى نموذج واحد عن حركة هروب الرساميل التي تشهدها سورية حالياً. فالدليل الآخر على هذه النزعة تجسّده بورصة دمشق، حيث خسرت الأسهم 86 في المئة من قيمتها منذ اندلاع الانتفاضة.

وفي السياق عينه، سجّلت الليرة السورية هبوطاً مدوياً، فقد انخفض سعر الصرف من 47 ليرة سورية مقابل الدولار عند اندلاع القتال إلى نحو 140 ليرة حالياً. بحسب الأرقام الرسمية، يبلغ التضخّم 68 في المئة، لكن النسبة الفعلية، كما تعكسها أسعار السلع المحلية، قد تكون في حدود المئات. كما أن الاحتياطي الأجنبي الذي كان يبلغ 18 مليار دولار قبل النزاع، تراجع إلى ما بين 2 و 3 ملايير دولار، بحسب التقديرات، وذلك بسبب لجوء الحكومة السورية إلى بيع العملات الأجنبية لتثبيت أسعار الصرف المتقلّبة – يلفت  اليازجي، في هذا الإطار، إلى أن "مستوى الاحتياطي الأجنبي هو حالياً السر المحاط بالتكتّم الأكبر في البلاد". لكن مازال بإمكان نظام الأسد الاعتماد على حلفائه، إيران وروسيا تحديداً، لمساعدته على تمويل الواردات وتحمّل التكاليف المتزايدة للحرب. وفي هذا الإطار، قدّمت إيران خطاً ائتمانياً لسورية قدره 3.6 مليارات دولار، إلا أن السؤال الكبير هو ما إذا كان بإمكان إيران، في خضم المصاعب الاقتصادية التي تتخبّط فيها، أن تستمرّ في إرسال الأموال إلى حليفتها في المدى الطويل.

يعتمد كل من النظام السوري والمجموعات المعارِضة المختلفة على شركائه في الخارج للحصول على احتياجاته من المواد الغذائية ومصادر الطاقة، الأمر الذي يؤدّي إلى انعدام التبادل التجاري بين المناطق السورية في المدى الطويل ويقود إلى مزيد من التفكّك الاقتصادي. وقد استُبدِلت العائلات السورية التي كانت تزاول التجارة في السابق بالمهرّبين والتجّار الصغار الذين يبدون استعداداً أكبر للمجازفة. كما ظهرت طرق تجارية جديدة بين سورية وميناء مرسين التركي على البحر المتوسط، حيث تصل البضائع المتّجهة إلى سورية ويُعاد توضيبها ومن ثم شحنها إلى الحدود. ويمكن قول الشيء نفسه عن لبنان، ففي حين تنظر عائلات التجّار التقليدية في بيروت بعين الارتياب إلى هذه الممارسات التجارية الجديدة، ينشط التجّار الصغار والمهرّبون الذين يعبرون المناطق المؤيّدة للثوّار السوريين على غرار عرسال لتسليم المواد الغذائية أو المحروقات.

مما لاشك فيه أن الديون الخارجية الكبيرة، والتراجع الشديد في التصنيع، والانقسام بين المناطق تجعل إعادة بناء الاقتصاد السوري مهمّة شاقّة. إلا أن بناء الاقتصاد يجب أن يكون جزءاً من عملية تهدف إلى وضع هيكلية متماسكة للسلطة. وهكذا، فيما يمضي الأفرقاء المعنيون قدماً بمحادثات السلام، يجب التطرّق إلى الإجراءات اللازمة لتحقيق المعافاة الاقتصادية إلى جانب المسائل السياسية والإثنية والدينية والمذهبية التي تقع في صلب النزاع. قد لاترتدي إعادة بناء الاقتصاد طابعاً ملحاً بقدر إنهاء القتال، إلا أن إيلاءها اهتماماً الآن يساعد على نجاح اتفاق السلام في المدى الطويل.

منى علمي صحافية لبنانية فرنسية تكتب عن الشؤون السياسية والاقتصادية في العالم العربي. تساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

*ذكرت النسخة السابقة أن سعر الصرف بين الليرة السورية والدولار كان نحو 200 ليرة في السوق السوداء. غُيرَ هذا العدد لعكس معطيات حديثة.