يبدو أن حظوظ الحركتَين الفلسطينيتين الأساسيتين، فتح وحماس، تبدّلت في غضون عام واحد. فحركة حماس التي تلقّت ضربة بسبب طرد جماعة الإخوان المسلمين، حليفتها، من السلطة في مصر، وعُزِلت عن العالم، تواجه عدداً من التهديدات الخارجية والداخلية على السواء. وفيما تزداد الظروف الاقتصادية في غزة سوءاً ويتنامى التململ في الشارع، يتفاقم شعور البارانويا لدى الحركة القتالية وتجد صعوبة متزايدة في مزاولة الحكم.

قبل عام، واجهت السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح في الضفة الغربية الوضع نفسه الذي تواجهه حركة حماس الآن. ففي مثل هذا الوقت خلال العام الماضي، كانت إسرائيل تحجب أموال الضرائب عن السلطة الفلسطينية، وكان المانحون العرب والغرب يخفّضون دعمهم لها - بسبب انشغالهم بالأزمة المالية العالمية والربيع العربي، واستيائهم من رفض محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، إعادة إطلاق محادثات السلام مع إسرائيل - وتزايدت متأخّرات الرواتب المستحقّة للموظفين الحكوميين، وبلغ التململ في الشارع مستويات عالية جداً. وقد حذّر المحللون من "انهيار كامل في القانون والنظام في الضفة الغربية". في المقابل، ازدادت شعبية حماس، بدفع من الأحداث في مصر وسورية (على الرغم من أن الحركة كانت قد خسرت الدعم المهم من النظام السوري قبل بضعة أشهر، كان الإخوان المسلمون الذين تجمعهم روابط وثيقة بحماس يكتسبون زخماً في الحرب الأهلية، وكان الجزء الأكبر من المجتمع الدولي يتودّد إليهم)، واستقطبت الاهتمام من الحكّام العرب مثل أمير قطر الذي زار قطاع غزة وتعهّد بتقديم دعم مادّي يبلغ مئات ملايين الدولارات.

لكن مع إعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية وعزل محمد مرسي في مصر، تغيّر الوضع تماماً. فمع أن عباس ليس محط ثقة من عدد كبير من الفلسطينيين، إلا أنه يُعَدّ من جديد الوجه الشرعي للقيادة الفلسطينية، فهو يستقبل وفوداً أجنبية مهمة، وقد تراجعت التشنّجات الاقتصادية في الضفة الغربية. في المقابل، صناديق حماس فارغة، وقد جرى تدمير معظم الأنفاق التي كانت تستخدمها تحت الحدود المصرية وكانت بمثابة شريان حياة بالنسبة إليها، في حين أن الأصدقاء القلائل المتبقّون لها على الساحة الدولية، مثل تركيا، يعتمدون موقفاً دفاعياً. فضلاً عن ذلك، تنظّم حركةٌ شعبيةٌ محلية المنشأ صفوفها لتحدّي الحكّام في غزة، فيما تنتظر فتح أيضاً، بحسب التقارير، فرصةً للانقضاض عليهم.

تحمّل الحركة التي تُعرَف باسم "تمرّد" تيمناً بحركة "تمرد" الناجحة في مصر، حماس، حتى أكثر من إسرائيل، مسؤولية المحنة التي يعيشها أبناء غزة. لكنها تفتقر إلى الخبرة في التنظيم، كما أنه لاوجود لقوّةٍ في غزة قادرة على الاضطلاع بدور مشابه لذاك الذي قام به الجيش المصري. تنظّم الحركة صفوفها عبر الإنترنت في شكل أساسي، وتملك هيكلية قيادية غير مركزية. وقد جرى إلغاء تجمّع كان مقرّراً في 11 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بعد التعرّض إلى ضغوط شديدة من حماس التي أرسلت عناصر الشرطة لوقف الناشطين والصحافيين المعارضين. لكن بعد ذلك، فشل موكب عسكري نظّمته حركة حماس احتفاء بذكرى حربها القصيرة مع إسرائيل العام الماضي، في حشد الدعم الشعبي في القطاع.

من الواضح أن حماس متوتّرة، وخير دليل على ذلك حملة واسعة النطاق شنّتها مؤخراً للتعرّف على هويات أعضاء "تمرد" وترهيبهم، من أجل استجواب عدد كبير من المعارضين ورصد حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. ومع أنه يُستبعَد أن تنجح حركة "تمرد" الفلسطينية في إسقاط حماس، إلا أنها تمكّنت من أن تستمدّ القوة من التململ الشعبي. ويتردّد أن حركات أخرى قد تسير على خطى "تمرد"، الأمر الذي يمكن أن يفرض ضغوطاً إضافية على حماس، ويُقدّم متنفّساً يستطيع أبناء غزة من خلاله التعبير عن استيائهم والتصدّي لوسائل القمع التي تلجأ إليها حكومتهم.

إضافة إلى ذلك، فيما تشير التقارير إلى أن كثراً في فتح يأملون في استخدام الضعف الذي تعانيه حماس حالياً لطردها من السلطة واستعادة السيطرة على غزة، ثمة قوى تقليدية عدّة تسعى إلى تحدّي حماس. يقول بعض النقّاد إن حركة تمرّد في ذاتها هي وليدة مؤامرة دبّرتها فتح. حتى إن بعض قادة فتح يحلمون، بحسب التقارير، باستعادة الحكم في غزة، بدعمٍ مصري، في مايُثير، للمفارقة، اعتراضات إسرائيل. يقول المحللون إن محمد دحلان، رجل السلطة الفلسطينية القوي السابق في القطاع، الذي يحاول رأب صدع قديم في العلاقات مع عباس، قد يقود عودة حركة فتح إلى القطاع - ربما انطلاقاً من مصر في خطوة أولى، والتي قد تتم دعوته إليها للمساعدة على إحكام الأمن على طول الحدود مع غزة. 

من بين المؤشرات الأخرى على قلق حماس على قبضتها في غزة، تبدو الحركة في سعي محموم إلى بناء أكبر عدد ممكن من العلاقات الجديدة وبأسرع وقت من أجل التعويض عن خسارة الدعم على المستويَين المحلي والدولي. والمحاولات التي تبذلها مؤخراً لعقد المصالحة في آنٍ مع راعيتها السابقة إيران ومع الفصائل السلفية المنافسة لها في القطاع دليلٌ على قنوطها الشديد. كما أنها قامت بمساعٍ لتكون "أكثر انفتاحاً على الغرب"، وعيّنت مؤخراً أول متحدّثة باسمها باللغة الإنكليزية.

لكن نجاح هذه الإجراءات ليس مضموناً على الإطلاق نظراً إلى العزلة التي تواجهها الحركة والتهديد الذي يشكّله النظام المصري الجديد بالنسبة إليها. كما أن الوضع يمكن أن يزداد تعقيداً بالنسبة إلى حماس في حال تسجيل تطوّر إيجابي محتمل في مفاوضات السلام التي تجريها حكومة عباس مع الإسرائيليين، والتي تدينها حركة حماس. مع أن المصالحة الفلسطينية لاتزال بعيدة المنال في أفضل الأحوال (على الرغم من التصريحات التي تصدر بصورة دورية عن حركتَي فتح وحماس على السواء)، ستواجه حماس، في حال التوصّل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل وفتح، مزيداً من الضغوط كي تغادر السلطة أو تخضع إلى تحوّل جذري يلزمها بالإعتراف بإسرائيل وما سيرافق ذلك من مناظرة الداخلية المثيرة للجدل وللانقسام . أذا أبقت حماس راية التحدي مرفوعة في وجه الاتفاق الذي قد تؤيده كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل سوف يتعزز الإجماع الدولي ضد حماس ويجعل مأزقها ربما أسوأ - مما قد يؤدي الى طلق حملة اقتصادية أو حتى عسكرية منسقة بين إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية لإسقاط حماس.

في أي حال، أنه من السابق لأوانه توقع نتائج المحادثات الاسرائيلية الفلسطينية التي تقودها الولايات المتحدة، حيث يعتقد العديد من المحللين أن السرّية التي تحيط بالمحادثات هي علامة إيجابية، كذلك الإفراج مؤخرا عن 26 سجينا كانوا يقضون عقوبات طويلة.

كذلك يُهدّد الاتفاق الأخير بين إيران والغرب حركة حماس، إذ يعتقد عدد كبير من المحللين أنه من شأن أي اتفاق شامل أن يغطّي لا البرنامج النووي الإيراني وحسب، بل أيضاً كامل منظومة التحالفات الإيرانية في المنطقة، بما في ذلك في سورية ولبنان وغزة. والأسوأ من ذلك، يبدو أن قادة حماس يتخبّطون من أجل التوصل إلى إجماع حول السبيل للردّ على التهديدات الكثيرة وتصاعد التشنّجات في غزة. نقل تقرير إعلامي عن مقابلة أجريت مؤخراً مع عضو رفيع المستوى في حركة حماس قوله "حماس... ليس لديها اتّجاه. لايدري قادة حماس ماذا عليهم أن يفعلوا. ثمة تجاذبات داخل الحركة بين مَن يعتبرون أنه يجدر بهم إعادة الاصطفاف إلى جانب إيران وحزب الله".

تحاول حماس جاهدة التكيف مع التغييرات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة من حولها. وهذا العجز عن إعادة تعريف نفسها وسط هذه التحولات الإقليمية الكبرى - تزايُد التململ الشعبي وخسارة الداعمين الأساسيين في المنطقة - قد يفرض عليها إجراء بعض التغييرات غير المؤاتية لها، والتي قد تعرّض للخطر مدى إحكام قبضتها على  قطاع غزة.

فيكتور كوتسيف صحافي مستقل ومحلل سياسي يركّز على الشرق الأوسط. يساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.