لم يكن حدثا عاديا أو عابرا كغيره من مئات الوقائع والحوادث التي تزخر بها مصر في الآونة الأخيرة، بل جاء كنوع من الصدمة توقف عندها الجميع، المتخصص وغيره، من المصريين. يوم الأربعاء الماضي، 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، أصدرت محكمة بالإسكندرية أحكاما جنائية ضد 21 فتاة مصرية كنّقد أسّسن حركة احتجاجية وليدة باسم "7 الصبح". الغرض من إنشاء هذه الحركة هو التعبير عن رأيهن من خلال التجمع، في أوقات مبكرة من اليوم، اعتراضا على أحداث الثالث من تموز/يوليو وما تمخّض عنها من عزل الرئيس السابق محمد مرسي. خرجت الفتيات يوم 31 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي صباحا، و تم القبض عليهن ووُجِّهت لهن اتهامات مختلفة إلى أن انتهى الأمر بصدور الحكم سالف الذكر. قررت المحكمة معاقبة أربع عشرة فتاة منهن، غير القاصرات، بالحبس لمدة إحدى عشرة سنة وشهرا لكل فتاة، وذلك عن أربعة اتهامات مختلفة منها التجمهر وقطع الطرق وإتلاف ممتلكات المواطنين. أما الفتيات السبع الأخريات، لكونهن دون سن الثامنة عشرة (قاصرات)، فقد قررت المحكمة إيداعهن مؤسسة الأحداث من دون حد زمني معين. 

كشف هذا الحكم بوضوح عن أزمة حادة للثقة يعانيها القضاء المصري، و لم يكن هذا الحكم إلا واحدا من حلقات مسلسل طويل أدى إلى اهتزاز صورة العدالة في مصر، لاسيما بعد أحداث الثالث من تموز/يوليو واعتبار القضاء طرفا مباشرا في العملية السياسية. كما تمثل المحاكمة دليلاً على الحاجة الماسة لعدالة انتقالية في مصر.

اجتاح مصر إحساس عام بالرفض لذلك الحكم القضائي فور صدوره حتى أن الأمر مثّل صدمة عامة. وقد جرى التعبير عن ذلك بأشكال مختلفة منها ما طالب به المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي بإصدار عفو رئاسي عن الفتيات، إلى غير ذلك من التصريحات الفردية والرسمية المعترضة بشدة على الحكم. وصل الأمر إلى حد خروج تصريحات رسمية عن مساعدين لرئيس الجمهورية المؤقت تفيد أن رئيس الجمهورية سيستخدم صلاحياته الرئاسية لإصدار عفو عن الفتيات، غير أن ذلك لا يجوز قانونا قبل أن يصير الحكم القضائي نهائيا. 

تفسير هذا الرفض وتلك الصدمة الجماعية كان سهلا للكثيرين، إذ قارن الجميع بين الأحكام القضائية التي صدرت طوال عامين ونصف، منذ أوائل العام 2011، وبين هذا الحكم. فقد صدر الحكم بإدانة الفتيات بعد أقل من شهرين من القبض عليهن والأهم أنه صدر بأحكام شديدة القسوة في نظر الكثيرين. هذا مع العلم أن القضايا المتهم بموجبها العديد من ضباط الشرطة ورموز نظام حسني مبارك لم يُحكَم فيها إلى الآن، أو صدرت الأحكام القضائية ولكن بتبرئة الكثير منهم، أو صدرت الأحكام بالإدانة ولكن بأحكام مخفّفة، وأبرز مثال على ذلك محاكمة ضابط الشرطة المتورط في إصابة أعين الكثير من المتظاهرين (قناص العيون) حيث أدين بالحبس لثلاث سنوات فقط.

يمثل هذا الحكم مناسبة مثالية للتفكير الجاد والحقيقي في ما تحتاجه مصر من نظام للعدالة الانتقالية. لم تتوقف المطالبة بتبني نظام للعدالة الانتقالية منذ الإطاحة بحسني مبارك و نظامه مطلع العام 2011. إلا أن الأنظمة السياسية المتعاقبة (المجلس العسكري بقيادة طنطاوي، ثم محمد مرسي والنظام القائم منذ 3 تموز/ يوليو) عبر أربعة وثلاثين شهرا، فشلت في تحقيق هذا المطلب بالرغم من الحاجة الماسة إليه. ولم يشهد ملف العدالة الانتقالية في مصر أي تطور سوى تعيين وزير للعدالة الانتقالية في حكومة الدكتور الببلاوي التي تشكّلت بعد الثالث من تموز/ يوليو. غير أنه، و منذ استحداث هذه الوزارة الجديدة "وزارة العدالة الانتقالية"، لم يتقدم الأمر خطوة واحدة للأمام سوى إيجاد وزير يحمل اسم "وزير العدالة الانتقالية". كما أنه استُحدِثت مادة دستورية جديدة، برقم 241، في مشروع الدستور المنتهى منه في الثاني من ديسمبر / كانون الأول الحالي. تنص على إلزام البرلمان القادم بإصدار قانون للعدالة الانتقالية. يثير ذلك علامات استفهام حول فشل الحكومات المتعاقبة في تطبيق نظام للعدالة الانتقالية، بإصدارها قانون ينظمه، إلى الحد الذي ينتظر الجميع فيه نصا دستوريا يلزم البرلمان بإصدار قانون للعدالة الانتقالية بعد أكثر من ثلاث سنوات من ثورة كانون الثاني/يناير وبعد أن تراكمت الجراحات والمظالم في ظل اهتزاز شديد للثقة في القضاء والنظر إليه باعتباره عاجزا ــ عن فشل أو عن عمد ــ عن التعامل مع القضايا المطروحة بالشكل الذي يرضي الطموح العام. 

المطالبات المتكررة بوضع قانون للعدالة الانتقالية لم تقدم تصورا تفصيليا لقانون للعدالة الانتقالية يكون قابل للتطبيق في الواقع المصري. ذلك أن المعلوم أن العدالة الانتقالية ليست نموذجا أو قالبا موحدا وإنما هي مجموعة من الإجراءات تطبق في كل دولة بحسب ظروفها السياسية وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها. في هذا الإطار، فإن تصورا مقترحا للعدالة الانتقالية، لاسيما في خصوص مسألة القضاء والمحاكمات، يتعين أن يبدأ بإنشاء إدارة أو مفوضية عليا للعدالة الانتقالية بحيث تمثل هذه المؤسسة الجهة العليا القائمة، في استقلال مالي وإداري كامل، على كل شؤون العدالة الانتقالية. أما وظيفة هذه المؤسسة فهي العمل على اتخاذ التدابير و الإجراءات القضائية وغير القضائية وذلك لكشف وتوثيق والتصدي للجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت بمصر منذ العام 1981 ــ تولي مبارك للحكم ــ وحتى الآن، وذلك بهدف القصاص العادل للضحايا وجبر الأضرار وإصلاح مؤسسات الدولة، وبناء الثقة بين أطراف المجتمع وتحقيق التعايش السلمي وصولا للمصالحة الوطنية. 

ثمة العديد من الوسائل والآليات التي يمكن تطبيقها لتحقيق الأهداف سالفة الذكر، منها على سبيل المثال إنشاء لجان تابعة لمفوضية العدالة الانتقالية، تكون لها السلطات والصلاحيات الكاملة، تختص بالعمل في جانب من جوانب وظيفة المفوضية، مثل لجنة لكشف وتوثيق الانتهاكات وأخرى للمحاسبة والعفو. أما أهم أفرع مفوضية العدالة الانتقالية، في سياق المسألة القضائية، فهو محكمة العدالة الانتقالية. الهدف الأساس من إنشاء هذا النوع من القضاء الخاص هو إيجاد محاكم تتمتع بقدر واسع من الصلاحيات والسلطات يدخل في اختصاصها كل ما يتصل بالجرائم والانتهاكات سابق الحديث عنها، بحيث أنه يحدث تناغم بين عمل هذه المحاكم في ما يتصل بكل القضايا المطروحة من حيث سرعة إصدار الأحكام وفاعليتها في إطار استقلال كامل عن السلطة التنفيذية بل وعن النظام القضائي العادي بكل ما يحمله من مشاكل مهنية أسهمت في التأثير سلبا على فاعليته وأدائه. كما أن سلطة التحقيق في الانتهاكات والجرائم تكون لقضاة تحقيق تابعين "لقضاء العدالة الانتقالية"، ومن ثم يكون الأمر برمته بعيدا عن النائب العام بحسبان أن النيابة العامة جزء من القضاء العادي. 

لن يكون بالإمكان تحقيق التحول الديمقراطي المأمول والتنمية الاجتماعية والاقتصادية المنشودة في ظل مظالم وآلام متراكمة من الماضي والحاضر لم يبت فيها بعد. سيتحقق التحول المطلوب في ظل نظام قادر على المحاسبة في إطار من العدالة والفاعلية والمساواة. 

يوسف عوف قاضي مصري وباحث غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في المجلس الأطلسي.