يزداد الاهتمام بالعدالة الانتقالية في مصر نظراً إلى المناخ السياسي السائد حالياً في البلاد. فقد وُصِفت هذه العدالة بأنها حيوية وتمدّ حبل النجاة للبلاد من أجل "السير قدماً" في تحوّلها نحو حكم أكثر ديمقراطية. بيد أن كثراً ممّن يتحدّثون عن "حاجة الماسّة" إلى العدالة الانتقالية فشلوا حتى الآن في تحليل ممارسات الحكومة المؤقّتة في مجال العدالة الانتقالية بطريقة صائبة. فالجهود التي انطلقت في البداية من خلال المنظمات الأهلية1 اكتسبت الآن طابعاً حكومياً رسميّاً أكثر مع إنشاء وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة. بيد أن التدقيق عن كثب في البيانات الوزارية يكشف أن الهدف الأساسي من إنشاء الوزارة هو معاقبة "الإخوان المسلمين" من دون سواهم، بدلاً من السعي إلى إحقاق العدالة والمساءلة.

على الرغم من الحاجة الملحّة إلى أن تضع مصر إجراءات تقود إلى محاسبة منتهكي حقوق الإنسان في الماضي، إلا أن مطالبة الحكومة الحالية بتطبيق العدالة الانتقالية لايأخذ في عين الاعتبار السياق السياسي الراهن في البلاد وتأثيره المحتمل في مثل هذه العملية. فانطلاقاً من بيانات وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة، غالب الظن أن مقاربة الحكومة الحالية للعدالة الانتقالية ستكون مشوّهة وإقصائية، وسوف تستهدف فئة واحدة.

ويصحّ القول إن عدم تحقيق تقدّم في مجال العدالة الانتقالية يعود في شكل أساسي إلى غياب الإرادة السياسية من جانب الحكومات المصرية المتعاقبة منذ العام 2011. في المقابل، بدت الحكومة المؤقّتة الحالية - التي تعمد إلى التضييق على "الإخوان المسلمين" وتقرّ قوانين جديدة تجيز للشرطة استخدام الأساليب الهمجية ضد المحتجّين - متلهّفة للإيحاء بأنها تتّخذ الخطوات المناسبة بهدف المساءلة. ومن الأدلّة على ذلك إنشاء وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة، وتشكيل لجنة جديدة لتقصّي الحقائق بهدف التحقيق في أعمال العنف التي وقعت بعد 30 حزيران/يونيو الماضي. لذلك، من الضروري في إطار تحليل أسلوب تعاطي الحكومة المؤقّتة مع العدالة الانتقالية، النظر في الوزارة الجديدة التي استُحدِثت لمعالجة هذه المسائل منذ إطاحة مبارك من السلطة.

أنشئت الوزارة، وهي الأولى من نوعها، بعد فترة قصيرة من عزل محمد مرسي في 3 تموز/يوليو الماضي. وقد أحيا قرار إنشائها الآمال بوجود مؤشّر عن التزام الحكومة الجديدة الجدّي بالمساءلة وبمحاسبة مرتكبي الجرائم السابقة. لكن مع مرور الوقت، يتبيّن أن دور الوزارة ليس أكثر من مجرّد فرصة لاستهداف السياسات التي طبّقها مرسي بدلاً من السعي إلى إحقاق العدالة والمساءلة لجميع المصريين. وقد صرّح وزير العدالة الانتقالية محمد أمين المهدي، في خلال إعلانه بأنه سيتم تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق بهدف النظر في كل الأحداث التي وقعت بعد 30 حزيران/يونيو الماضي، أنّ الإخوان المسلمين "مسؤولون بشكل غير مباشر عن كل مايحدث في الشارع المصري من فوضى [...] مايتعارض مع مفهوم المصالحة". كما أوضح في مقابلة مع صحيفة محلية في الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري أن جماعة "الإخوان المسلمين" تُعتبَر منظمة إرهابية، وأنها تقف بلاشك خلف الانفجار الدموي الذي وقع في المنصورة في 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي. وفي المقابلة عينها، شرح المهدي أيضاً أن دور الوزارة هو "إيجاد بيئة تشريعية مناسبة لتكون الأساس لوضع قانون العدالة الانتقالية"، مايعني أن مجلس النواب سيعتمد إلى حد كبير على خلاصات اللجنة الوزارية الحالية لإصدار قانون حول العدالة الانتقالية في المستقبل.

في هذا السياق، قد يصبح من الأسهل فهم الدوافع التي تقف خلف الحكم الصادر عن محكمة الإسكندرية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والذي دفع بعض المحلّلين إلى المطالبة بتطبيق العدالة الانتقالية. يبدو أن الدولة تسعى إلى خنق كل مظاهر المعارضة للمنظومة التي قامت في البلاد بعد 3 تموز/يوليو الماضي. ولايقتصر هذا الاستهداف على "الإخوان المسلمين"، بل توسّع مؤخراً ليشمل مجموعات أخرى مثل حركة 6 أبريل التي سُجِن ثلاثة من أعضائها في كانون الأول/ديسمبر الماضي بتهمة "الاحتجاج من دون إذن". الإشكالية المطروحة في هذا الصدد هي أن الجزء الأكبر من المطالبات بإحقاق العدالة الانتقالية يستند إلى الدولة باعتبارها الحكَم الأساسي، إلا أنه لايأخذ في عين الاعتبار كيف أنّ من شأن الموقف الأيديولوجي للحكومة المؤقّتة أن يؤثّر سلباً في عملية من هذا القبيل. وخير دليل على ذلك أن وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة المسؤولة عن هذه العملية أصدرت حكمها مسبقاً حول الجهات التي تعتبرها مسؤولة عن الجرائم التي ارتُكِبت في الماضي.

العدالة الانتقالية هي ممارسة عملية تقوم تقليدياً على عناصر مرتبطة بالمحاكمات الجنائية، والبحث عن الحقيقة، ومنح التعويضات للضحايا. تشكّل هذه العناصر "عدّةً" كاملة للعدالة الانتقالية، ويجب تطبيقها بطريقة شاملة وعلنية. لكن المقاربة التي تنتهجها الحكومة حالياً هي التركيز حصراً على فترة السنة التي أمضاها مرسي في السلطة، بما يصبّ في سياق الخطاب العام الذي يصوّر الإخوان بأنهم إما تهديد إرهابي وإما كيان "غير مصري". فالاتّهامات الموجّهة إلى مرسي منذ عزله من الرئاسة تتحدّث عن تورّط خارجي في هروبه من السجن في العام 2011، وتدّعي مشاركته في مؤامرة إرهابية واسعة النطاق ضد مصر. وتلتقي السياسات التي تنتهجها وزارة العدالة الانتقالية والمصالحة إلى حد كبير مع الأسلوب المعتمد في التعاطي مع الدعاوى المرفوعة ضد مرسي. ففي آب/أغسطس الماضي، دعت الوزارة إلى تغيير قوانين الجنسية، مدّعيةً أن عدداً كبيراً من الفلسطينيين حصل على الجنسية المصرية في عهد مرسي. علاوةً على ذلك، حدّدت الوزارة في مذكّرة صادرة عنها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، خططها الهادفة إلى إعادة النظر في مراسيم العفو الرئاسي التي صدرت في عهد مرسي. ويُرجّح أن هذا القرار ينطلق من الاعتقاد بأن مرسي منح العفو لمقاتلين جهاديين سابقين يقفون الآن خلف الهجمات التي تستهدف الجيش في سيناء. واقع الحال هو أن مرسي أصدر في خلال رئاسته مراسيم بالعفو عن نحو 25 جهادياً سابقاً، بيد أن غالبية مراسيم العفو صدرت في خلال تولّي المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكم البلاد في العامَين 2011 و2012.

مما لاشك فيه أن مصر تحتاج إلى آلية تقود في شكل خاص إلى المساءلة وكشف الحقيقة، لكن التركيز على دور الدولة في تطبيق مثل هذه الخطة يطرح إشكالية في الوقت الراهن. فالتدقيق عن كثب في السياسات التي تعتمدها الدولة في هذا المجال يكشف أنّ من شأن أي عملية لإحقاق العدالة الانتقالية في ظل النظام السياسي الحالي أن يشوبها تسييس شديد. كما أنّ العمل على تطبيق العدالة الانتقالية ضمن إطار الوزارة الحالية وفي الأجواء الراهنة يمكن أن يُحوِّل مفهوم العدالة الانتقالية مطيّةً لملاحقة الخصوم السياسيين، أي مايُعرَف بـ"العدالة الانتقامية"، الأمر الذي من شأنه أن يلحق ضرراً كبيراً بقدرة مجموعات الضغط على استخدام مفهوم العدالة الانتقالية للمطالبة بألا تمرّ الجرائم السابقة من دون عقاب.

محمد الشيوي باحث في "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" في القاهرة يركّز في كتاباته على العدالة الانتقالية والمساءلة، ويساهم بانتظام في صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.


1. على سبيل المثال، ركّزت مبادرة "الأربع رصاصات" التي أطلقتها مجموعة "وراكم بالتقرير" التي تتألّف من منظمات أهلية عدة، على وضع حد للإفلات من العقاب عن طريق العدالة الانتقالية والعقابية: http://www.nchrl.org/ar/node/101