بدأ حضور الشباب المصري في الخفوت مرة أخرى، والبعد عن المشاركة في العملية السياسية، والاقتناع بعدم جدواها، خاصة بعد قمع النظام لمظاهرات المعارضين، وصدور أحكام بالسجن على بعض المعارضين المدنيين فضلا عن الإسلاميين، فيما بدأ بعضهم في اتخاذ منحى العنف وسيلة للتعبير عن الرأي ، كرد فعل على قمع الشرطة للتظاهرات الذي يصل أحيانا بالرصاص الحي. ومن المثير أن النظام الحالي أصدر قانون لتقييد التظاهر بالرغم أنه جاء عن طريق التظاهر، حيث عزل الجيش مرسي عن منصبه بتبرير أنه امتثال لمطالب الذين تظاهروا في 30 يونيو. تشير تقديرات أعداد المعتقلين منذ عزل مرسي في 3 يوليو الماضي إلى وصولها إلى نحو 20 ألف معتقل، حيث غابت الأرقام الرسمية، مقارنة بنحو 3500 شخصا تم اعتقالهم في عهد مرسي. 

خلال الاستفتاء على الدستور المعدّل الذي أجري يومَي 14 و15 كانون الثاني/يناير الماضي، كان ضعف إقبال الشباب على المشاركة فيه ملحوظا، حسب تقارير المراكز الحقوقية (مثل شبكة مراقبون بلا حدود التابعة لمؤسسة عالم جديد للتنمية وحقوق الإنسان، والبيت العربي لحقوق الإنسان، والجمعية المصرية لدعم التطور الديمقراطي) وذلك بالرغم من ان نسبة المشاركة تجاوزت 38 بالمئة، وهي من الاعلى في تاريخ الاستفتاءات في مصر - كان معظمهم من كبار السن من الرجال والنساء-، وهو الأمر الذي أدى إلى ارتباك في داخل أجهزة النظام الحالي في مصر، خشية استقطابهم من جماعة الإخوان المسلمين التي يشن عليها النظام حربا ضارية، خاصة وأن الجماعة بالفعل استقبلت الإقبال الضعيف من الشباب على الاستفتاء بالاستحسان، وحاولت استقطاب الشباب من خلال إصدار بيانات تعترف فيها للثوار بأخطائها السابقة، وتعتذر عنها.

وكان قد سبق الاستفتاء عملية تجييش واسعة من قبل مؤسسات الدولة والإعلام للتصويت بنعم، وألقت الشرطة القبض على عدد من النشطاء المعارضين الذين كانوا يوزعون منشورات تدعوا للتصويت بـ"لا"، الأمر الذي أدى إلى خوف بعض الشباب من معارضة النظام. سارعت أجهزة الدولة إلى بحث مسألة انخفاض مشاركة الشباب في الاستفتاء وكيفية استقطابهم، ونوقش الأمر في أول اجتماع للحكومة عقب الاستفتاء، واستقبل الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور في قصر الرئاسة في 21 كانون الثاني/يناير 44 شاباً من تيارات سياسيّة مختلفة، في حين كان وزير الداخليّة اللواء محمد إبراهيم من جهته قد اجتمع في وقت سابق مع وفد من الشباب.

وفي كلمته التي وجّهها إلى الشعب المصري بمناسبة إقرار الدستور مساء الأحد في 19 كانون الثاني/يناير الماضي، خاطب منصور الشباب قائلًا: "لقد كنتم وقوداً لثورتَي 25 يناير و30 يونيو، وأنتم مقبلون على مرحلة البناء والتمكين. ابنوا مستقبلكم، وانخرطوا في الحياة السياسيّة والعمل الحزبي، وكونوا على ثقة في أن غرسكم الطيّب سيخرج نباته"، إلا أن هذا الحديث يخالف الخطوات والإجراءات التي اتخذها منصور نفسه خاصة في مسألة إصداره لقانون التظاهر الذي أعاق الحركة السياسية الاحتجاجية، حيث قبض على مئات الشباب مؤخرا بتهمة مخالفة هذا القانون وكان من أولى ضحاياه النشطاء أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل ومحمد عادل أحد قيادات الحركة، والناشط أحمد دومة والذي صدر حكم بحبسهم 3 سنوات مع غرامة 50 ألف جنيه لكل منهم. 

وحاول المسئولون في هذه اللقاءات تهدئة الشباب الغاضب من قانون التظاهر، ومهاجمة التظاهرات بعنف، واعتقال المئات من النشطاء وتشويه ثورة 25 يناير في وسائل الإعلام، وتسريب مكالمات الناشطين عبر إحدى القنوات الفضائية بهدف تشويه الثورة، وعودة بعض رموز مبارك للظهور مرة أخرى، واعترف اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية حينها إلى وجود بعض الأخطاء من جانب الشرطة متعهدا بعدم تكرارها، ووعد بمراجعة كوف المعتقلين والإفراج عمن لم تثبت ضده أي تهمة، إلا أنه عاد ونفى في تصريحات صحفية وتليفزيونية مسألة القبض العشوائي على المواطنين أو التعذيب في السجون، مما أثار غضب الشباب والمنظمات الحقوقية الذين كانوا قد عرضوا شهادات تعذيب لمعتقلين كانوا في السجون المصرية، في بيان وقع عليه 16 منظمة حقوقية مصرية.

وبلغت عدد جلسات الحوار الوطني لمؤسسة الرئاسة وحدها مع الشباب 3 حوارات في القصر الرئاسي، بدأت في 19 كانون الأول/ديسمبر الماضي، ثم في 21 يناير الماضي لمناقشة أسباب انخفاض مشاركة الشباب في الاستفتاء على الدستور، ومحاولة إقناعهم بعدم المشاركة في إحياء الذكرى الثالثة للثورة، إلا أن عددا كبيرا من الشباب اقتنع بأنه لا توجد فائدة من الحوار مع النظام، خاصة بعد عدم استجابة مطالب الشباب الخاصة بوقف اعتقال الكثير من الشباب، أو على الأقل التخفيف من الظروف المروعة في السجون التي يحتجزون فيها، ووقف التعذيب، مما أدى إلى مقاطعة الحركات الشبابية المؤثرة للحوار الوطني الأخير - في 10 فبراير الجاري مع أحمد المسلماني المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية - ووصفوا هذه الحوارات بأنها "للاستهلاك الإعلامي". 

ويبدو واضحا أن النظام ذو الخلفية العسكرية كرر نفس أخطاء الأنظمة السابقة بعدم سماعه للشباب وعقد جلسات صورية فقط، مما أدى إلى الشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية حاليا، إلا أن هذا الأمر يشير إلى أنه قد يستمر عزوف الشباب عن المشاركة في العملية السياسية لعدم جدواها، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار قد يحدث في أي لحظة كما حدث مع نظام مبارك والمجلس العسكري ونظام مرسي، عندما تنتهي الفرقة والانقسام الحادث حاليا بين الشباب والاتفاق مجددا حول أهداف محددة. إلا أن الشعور باليأس والإحباط الموجود حاليا لدى معظم الشباب قد يتحول إلى صور أخرى، مثل تشكيل حركات احتجاجية تتخذ العنف سبيلا للاحتجاج على الوضع الحالي، بعد أن أصبحت الخيارات المطروحة أمام الشباب محدودة بعد فشل المظاهرات والحوارات مع المؤسسات الرسمية. وهو ما ظهر مؤخرا على الساحة من استهداف حرق سيارات ضباط الشرطة في عدد من المحافظات وتبني حركات احتجاجية مدنية عنيفة مثل حركة "ولع" لمثل هذه العمليات، ويمكننا اعتبار اشتباكات الأمن وجماهير فريق الأهلي "الأولتراس" عقب مباراة السوبر الأفريقي في استاد القاهرة في 20 فبراير الجاري والتي فاز فيها الاهلي على الصفاقسي التونسي، بمثابة انفجار غضب من الألتراس كرد فعل على ممارسات سابقة من الشرطة ضدهم. 

ومن جانب الإسلاميين، أدت ممارسات الحكومة "القمعية" من خلال الإفراط في استخدام القوة والرصاص الحي في إنهاء التظاهرات في مصر، إلى انتشار بعض الأفكار التي تتفق مع أفكار كثير من المجموعات الجهادية التي تعتبر أفكار سيد قطب مرجعا لها. ففي إحدى المظاهرات الدورية لأنصار جماعة الإخوان مؤخرا، رفع أحد الشباب لافتة كتب عليها "السلمية قتلتنا والتحالف مسكتنا"، في إشارة لانتقاد تمسك التحالف الوطني لدعم الشرعية بخيار السلمية في مقابل الرصاص الحي الذي تستعمله قوات الشرطة. ورفع بعض الشباب شعار "سلميتنا أقوى بالرصاص" على صفحاتهم الإلكترونية، مبدين فرحتهم بأي أعمال تفجيرات أو اغتيالات لقوات الشرطة أو الجيش، خاصة تلك التي تشارك في قمع التظاهرات، في حين يندد التحالف بهذه التفجيرات والاغتيالات ويتبرأ منها في بيانات رسمية. وبالفعل شكل عدد من الشباب الإسلاميين حركات احتجاجية عنيفة مثل حركة "مولوتوف ضد الانقلاب"، و"أجناد مصر" وغيرهم. مع أن بعض أعضاء جماعة الإخوان بالبدء طالبوا بمراجعة أفكارها التي "أدت إلى خسارتها للحكم وملاحقتها أمنيا واعتقال معظم قياداتها" –وعلى رأسهم المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع - إلا أن هناك اتجاهات كثيرة داخل الجماعة، وليس من الواضح بعد أي طريق سوف تستفر عليه الجماعة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، التي من المفترض إجراؤها في شهر أبريل المقبل، لم يجر النظام أي تغيير في سياساته ولم يستجب لأي مطلب من مطالب الشباب بالرغم من وعوده المتكررة، خاصة في ظل اتجاه ترشح وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي الرئيس الحقيقي للبلاد، الأمر الذي يشير إلى استمرار عملية الاحتجاج الصامتة من قبل الشباب وعزوفهم عن المشاركة في العملية السياسية، ويهدد بانفجار الغضب في أي لحظة، وتصاعد الصراع بين الشباب والدولة. 

مصطفى هاشم صحفي مصري متخصص في شئون الحركات الاحتجاجية والإسلام السياسي.