استمرّت المشاكل الناجمة عن النقص في المحروقات في مصر حتى نهاية العام 2013، لكن الانتهاء المفاجئ لهذه الأزمة التي أرخت بثقلها على رئاسة محمد مرسي في حزيران/يونيو الماضي، أظهر أن مصر لم تكن تعاني من أزمة طاقة حقيقية بل إن المسألة مرتبطة بالنزعة نحو تسييس قطاع النفط والغاز. وقد بات واضحاً أن أزمات المحروقات في مصر ناجمة عن المشاكل البنيوية أكثر منه عن اللاستقرار السياسي في المدى القصير. فالطلب الداخلي المتزايد الذي أحدثه النمو الاقتصادي قبل العام 2011 تجاوز إلى حد كبير العرض على الوقود، في حين أن الشوائب المرتبطة بعمل الهيئة المصرية العامة للبترول المملوكة من الدولة، والتي تشرف على قطاع النفط في البلاد، تزيد من احتمالات حدوث نقص في المحروقات بصورة دورية. وبعد العام 2011، تعاظمت التحدّيات المطروحة على الهيئة المصرية العامة للبترول، وعلى قطاع النفط والغاز عموماً، بسبب تراجع قيمة الجنيه المصري والتناقص الشديد في احتياطي العملات الأجنبية.

في أجواء الالتباس التي شهدتها البلاد في الأشهر التي سبقت عزل مرسي عن الرئاسة، كان قطاع النفط والغاز المصري يعاني من أزمة حادّة. ففي الشوارع في وسط القاهرة، إمتدّت الطوابير أمام محطات الوقود، ماتسبّب بمزيد من الازدحام الخانق في الطرق التي تُعتبَر الشرايين التجارية الحيوية للمدينة، وبشلّ حركة الأعمال المحلية. وفي المحافظات، واجه المزارعون صعوبات كبيرة في ريّ الحقول وقطف المحاصيل ونقل منتجاتهم إلى السوق، بسبب النقص الشديد في الأسمدة والديزل. ثم في صباح الأول من تموز/يوليو 2013، اختفت الطوابير من أمام محطات الوقود، الأمر الذي أوحى في ذلك الوقت بأن تسييس قطاع النفط والغاز هو السبب الأساسي في أزمة المحروقات وليس الضغوط طويلة المدى.

قبل انتفاضة 25 كانون الثاني/يناير 2011، كان قطاع النفط والغاز يشكّل ورقة رابحة مهمّة في الاقتصاد المصري المتوسّع. صحيح أن مستوى الإنتاج كان يبلغ نحو 710000 برميل من النفط في اليوم، وهذا رقم ضئيل بالمقارنة مع كبار المنتجين في العالم - مثلاً كانت السعودية تنتج 9.4 ملايين برميل في اليوم في العام 2011 - إلا أن صادرات النفط المصرية كانت مصدراً ثابتاً للعملات الأجنبية، وبحلول العام 2009، أصبحت مصر في المراتب الأولى في تكرير النفط الخام في القارة الأفريقية، مباشرةً بعد جنوب أفريقيا. وكذلك ازداد إنتاجها من الغاز الطبيعي خمسة أضعاف منذ منتصف التسعينيات، ليبلغ 2.2 تريليون قدم مكعّب في العام 2011؛ وفي العام 2013 احتلّت المرتبة الثالثة في أفريقيا لناحية احتياطي الغاز الطبيعي المثبت المقدَّر بـ77 تريليون قدم مكعب.

كان قطاع الطاقة في مصر يشهد نمواً فقد استثمرت شركات النفط الأجنبية رساميل غير مسبوقة في التنقيب والتطوير: تدفّق نحو 70 في المئة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، والتي بلغت قيمتها حوالى 7 مليارات دولار في العام 2009-2010، إلى قطاع النفط والغاز المصري، متخطّيةً بأشواط حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات السياحة والاتصالات السلكية واللاسلكية والعقارات مجتمعة. بلغت حصة عائدات النفط والغاز نحو 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري في العام 2011، ومن المتوقّع أن يزداد هذا الرقم من خلال الاتفاقات التي توقّعها الحكومة المصرية بصورة مستمرة مع شركات النفط الأجنبية، والإمكانات التي تملكها مصر وتتيح لها أن تتحوّل إلى جهة مصدِّرة أساسية للغاز الطبيعي إلى أوروبا. وفي حين تراجع مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بمعدّل أكثر من الثلثَين بعد اندلاع الانتفاضة في كانون الثاني/يناير 2011، حافظ إنتاج النفط الخام على ثباته ولم تغادر شركات النفط الأجنبية البلاد بأعداد كبيرة.

من جهة، يشير الثبات في إنتاج النفط الخام إلى أن قطاع النفط والغاز في مصر أقوى مما يدّعيه معلّقون كثر. من المنطقي التكهّن بأن مستويات الاستثمارات ستحافظ على ارتفاعها، ولاسيما أنّ الحكومة لم تتدخّل بقوّة في القطاع منذ 30 حزيران/يونيو الماضي - ماعدا بعض الخروقات التعاقدية التي سُلِّطت عليها الأضواء، ولاسيما مع مجموعة "بي جي غروب". من جهة أخرى، من شأن اتخاذ الحكومة إجراءات صارمة أن يؤثّر في ثقة المستثمرين في سوق النفط والغاز في المستقبل - إذا بدأت الحكومة تأميم حقول النفط مثلاً أو استمرّت في تحويل النفط الخام من محطات التصدير إلى السوق الداخلية بكميات كبيرة. إلا أنه لم يتّضح بعد ما هو المسار الذي ستسلكه الأمور على هذا الصعيد.

لكن على الرغم من استقرار الإنتاج النفطي بعد 25 كانون الثاني/يناير 2011، تعرّض الاقتصاد على مستوى الشارع إلى الضغوط من خلال سلسلة من الأزمات في قطاعات البنزين وقوارير الغاز والتيار الكهربائي في مطلع العام 2012. وفي ذلك الوقت، حمّلت فايزة أبو النجا، وزيرة التخطيط والتعاون الدولي في عهد مبارك، المسؤولية في هذه الأزمات إلى التهريب واتّساع السوق السوداء في تجارة الديزل - في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في التنافر بين ارتفاع الطلب وانخفاض العرض. وقد بذلت الحكومة جهوداً حثيثة لمعالجة الأمر، ونتيجةً لذلك لم يعد بإمكانها تأمين وصول الوقود بسلاسة إلى الأسواق.

ورثت حكومة مرسي هذه المشاكل لدى تسلّمها السلطة في حزيران/يونيو 2012 لكنها فشلت في إيجاد حلّ لها. ففيما تهرّبت الحكومة من اتّخاذ الإجراءات اللازمة للحصول على قرض قدره 4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، مع العلم بأن البلاد كانت بحاجة ماسّة إليه، ولم تتمكّن من وقف التراجع في احتياطي العملات الأجنبية، تعاملت بأسلوب تآمري مع أزمة المحروقات. فقد تردّدت شائعات عن تدخّل الجيش في القطاع، ومنعه الشركات الأجنبية عن طريق الإكراه من العمل في الامتيازات النفطية أو نقل النفط إلى الأسواق. ورأى منتقدو الحكومة بدورهم في أزمة المحروقات المصرية أداةً مناسبةً تستخدمها إدارة مرسي لاستباق الاحتجاجات في الشارع وتشتيت المعارضة. وقد سلّطت الاضطرابات في الاقتصاد على مستوى الشارع والمخاوف من استمرار أزمة المحروقات لفترة طويلة، الضوء على نظرة الرأي العام إلى سوء إدارة الإخوان المسلمين للاقتصاد. وشكّلت هذه المعطيات، إلى جانب المظالم السياسية، عوامل رئيسة خلف الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت في أواخر حزيران/يونيو الماضي. وزادت أعمال العنف من حدّة التشنّجات، فيما عمدت شركات النفط الأجنبية إلى إغلاق مكاتبها في مصر مؤقتاً وإجلاء موظّفيها الدوليين، كما فعلت شركة "بي بي" في الأيام التي أعقبت أحداث 30 حزيران/يونيو 2013.

ترتدي هذه المسائل طابعاً سياسياً أكثر منه اقتصادي، كما أنها تغفل عن شرح التحدّيات الأساسية التي يواجهها القطاع. فالاختلالات التي عانت منها مصر سابقاً في إمدادات الوقود، على غرار النقص في المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي في 2007-2008، رُبِطت في شكل أساسي بالتنافر في الأسواق: كان النمو في الاقتصاد المصري يتراوح بين 5 و6 في المئة، وكان الطلب الداخلي على النفط والغاز يفوق العرض بأشواط. بعد التباطؤ الاقتصادي الذي شهدته مصر عموماً عقب انتفاضة 2011، كان من المفترض أن ينحسر التنافر بين العرض والطلب، لكن استهلاك الطاقة استمرّ في الارتفاع. وهذا الأمر ينطوي على شيء من المفارقة، إلا أن الزيادة في استهلاك الطاقة تعود إلى النمو السكّاني في مصر، والوضع المتردّي للبنى التحتية، كما أنها ناجمة، بحسب الخبراء في القطاع، عن تسجيل الناتج المحلي الإجمالي نمواً أكبر من معظم التقديرات الحالية، مع بلوغه 3 إلى 4 في المئة. 

إلى جانب الاختلال العام في التوازن في الأسواق، تواجه إمدادات الوقود في الداخل مزيداً من التعقيدات بسبب الدور الذي تضطلع به الهيئة المصرية العامة للبترول المملوكة من الدولة، وآلية عملها مع التراجع في قيمة الجنيه المصري. صحيح أن الشركات الخاصة تتولّى في شكل أساسي التنقيب والإنتاج، إلا أن الهيئة المصرية العامة للبترول مسؤولة عن قطاع المصب - أي تسويق المنتجات النفطية وتوزيعها وبيعها - في البلاد. وفي هذا الإطار، يقع على عاتقها تأمين الوقود المدعوم من الدولة، ولهذه الغاية، تشتري النفط من الشركات الأجنبية في مصر بأسعار أقل من السوق ثم تبيعه من جديد إلى المستهلكين المصريين مع مزيد من الخفوضات في السعر. قبل العام 2011، عندما كانت المالية العامة في مصر بحالة جيّدة، كان بإمكان الهيئة المصرية العامة للبترول أن تدفع للشركات النفطية بالعملة الأجنبية. لكن مع قيام المستثمرين بسحب أموالهم من مصر والتهافت على بيع الجنيه المصري في أسواق العملات الأجنبية بعد 25 كانون الثاني/يناير 2011، أصبح تنفيذ العقود المبرَمة بالعملة الأجنبية مكلفاً للغاية بالنسبة إلى الحكومة المصرية. وهكذا مع تراجع الموارد المالية والصعوبات الشديدة التي يواجهها الاقتصاد الكلّي، لم يعد بإمكان الهيئة المصرية العامة للبترول أن تؤمّن إمدادات ثابتة من الوقود بأسعار أقل من السوق.

وزادت التشنّجات السياسية من حدّة هذه المشاكل البنيوية، لكن ثمة أسباب وجيهة تدعو إلى التفاؤل. فعلى الرغم من الخلافات التعاقدية التي سُلِّطت عليها الأضواء بشدّة، تستمر شركات النفط الدولية إلى حد كبير في توظيف رساميل غير مسبوقة في مصر، كما عمدت إلى توسيع عملياتها للتنقيب والحفر. ولاتزال تُكتشَف آبار وحقول جديدة في البلاد، على غرار بئر سلامات المملوكة بمعظمها من شركة "بي بي"، والتي جرى حفرها في أيلول/سبتمبر 2013، وتُعَدّ البئر الأعمق التي حُفِرت حتى تاريخه في دلتا النيل. فضلاً عن ذلك، من الخطأ اعتبار المشقّات التي تعاني منها مصر في المدى القصير في قطاع النفط والغاز، مقياساً لحالةٍ من اللاستقرار السياسي الأوسع نطاقاً. ففي حين عمد أفرقاء مخضرمون في السوق إلى بيع أسهمهم في قطاع النفط المصري، لجأت شركات أخرى، على غرار شركة "توتال" الفرنسية، إلى توسيع عملياتها في قطاع المصب، عبر شراء جميع مراكز بيع الغاز بالتجزئة التابعة لشركة "شفرون" في مصر في أواخر شهر آب/أغسطس الماضي. حتى شركة "أباتشي" في هيوستن التي باعت 33 في المئة من أسهمها المصرية إلى "الشركة الصينية للبتروكيميائيات" (سينوبيك)، لاتزال تنوي استثمار 1.4 مليارات دولار في مصر خلال العام المقبل. لعل التواجد الجديد نسبياً للشركات الصينية في مصر - كما في كردستان العراق - مؤشرٌ على أن فرص الاستثمار في قطاع الطاقة المصري أكبر من المخاطر.

غالب الظن أن النقص في المحروقات سيستمرّ في المدى المنظور، ولن يجد حلاً له إلا في إطار معالجة شاملة للتحدّيات الاقتصادية الأساسية التي تعاني منها مصر، وذلك عبر تثبيت عملتها، وتعزيز احتياطي العملات الأجنبية، وإصلاح برنامج الدعم الحكومي. في مايتعلّق بالبند الأخير، ثمة خيارات مبتكرة متاحة أمام الحكومة لإلغاء أشكال الدعم الأغلى كلفة، بصورة تدريجية وبما يضمن المساواة الاجتماعية. قد يكون من الصعب الإقرار بذلك، نظراً إلى الانتهاكات السياسية المتواصلة والتعرّض إلى الحريات المدنية، إلا أنه من شأن حكومة بقيادة السيسي أن تتمتّع ربما برأس المال السياسي الضروري لاتّخاذ إجراءات طال انتظارها من أجل إصلاح الدعم الحكومي، في حال قرّرت ذلك. بغض النظر عن المناخ السياسي، ينبغي على أي حكومة مصرية - حتى حكومة بقيادة السيسي - أن تحافظ على قطاع النفط والغاز ورقةً رابحةً أساسيةً تساهم في دفع مسيرة البلاد نحو الأمام. فمستقبل الاقتصاد المصري يتوقّف على ذلك.

ماكس ريبمان طالب دكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط الحديث حائز منحة غايتس في بمبروك كولدج في كامبريدج.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.