تتطرّق المسرحية المصرية "عائلة سعيدة جداً"، التي تشكّل جزءاً من مشروع مسرحي أوسع نطاقاً يضم مصر وبلداناً أخرى، إلى السلطوية من خلال عدسة الأسرة. فعبْر النظر في علاقات السيطرة والتبعية التي تولّدها السلطوية، وفي الخضوع إلى علاقات القوة هذه، تسلّط المسرحية الضوء على ثقافة اجتماعية وسياسية مصرية تتوالى فصولاً، على الرغم من ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وتدعو إلى علاقة جديدة بين الشعب والسلطة.

تتطرّق المسرحية إلى السلطوية المستندة إلى الجندر، المتجذِّرة في المجتمع المصري. ينص الدستور المصري على أن الأسرة هي أساس المجتمع، وأن الدولة "تحرص على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها". تقول مديحة الصفتي، أستاذة العلوم الاجتماعية في الجامعة الأميركية في القاهرة، إن السلطوية هي جزء من الثقافة: "ليست منظومة سياسية، بل إنها ثقافة من السلطوية، وهذا ينطبق على المسيحية والإسلام على السواء، حيث الأسرة الأبوية هي نموذج مصغّر عن المجتمع. فأي علاقة بين رجل وامرأة تتم حصراً عبر الزواج، حيث الهدف هو تأسيس عائلة، ويتمتّع الوالد بالسلطة على جميع أفرادها، هذا مع العلم بأن الوالدة تؤثّر في القرارات بطريقة غير مباشرة".

بيد أن الديناميكية الأسرية غير المتوازنة في مسرحية "عائلة سعيدة جداً" تنظر أيضاً بعين النقد إلى الهيكليات الأبوية التي لاتزال تحكم المجتمع والبلاد. عندما أطلّ عبد الفتاح السيسي عبر القناة المصرية الرسمية في الثالث من تموز/يوليو الماضي لإعلان تسلّم الجيش السلطة إبان الاحتجاجات الحاشدة التي عمّت البلاد، كان يُحيط به بابا الأقباط وشيخ الأزهر، ما أضفى شرعية على هذه الخطوة في نظر المؤسسات الاجتماعية الأقوى نفوذاً في مصر. ولعلّ عبادة شخص السيسي التي ظهرت إلى العلن خلال تسلّمه وزارة الدفاع خير دليل على الدور الأبوي الذي يؤدّيه القائد الكاريزماتي في أوقات الأزمات. وقد استغلّ البيان الرسمي، الذي أعلن السيسي من خلاله ترشّحه إلى رئاسة الجمهورية في مصر في 26 آذار/مارس الماضي، هذه الصورة، إذ جاء فيه: "يجب استعادة ملامح الدولة وهيبتها التي أصابها الكثير خلال الفترة الماضية". يبث التلفزيون الرسمي حالياً إعلانات يظهر فيها أربعة رؤساء عسكريين آخرهم مبارك الذي يحذّر من الفوضى في البلاد، وتُختتَم هذه المقاطع بإعلان السيسي ترشّحه إلى الرئاسة.

أثار ترشّح السياسي مشاعر القنوط لدى عادل، وهو مهندس اتصالات في الثامنة والعشرين من العمر يقول إنه ليس مسيّساً لكنه شارك في التظاهرات للنضال من أجل حقوقه: "نشعر بأنه لم يتغيّر شيء، حتى إننا لم نتمكّن من الحصول على حقوقنا منذ 25 كانون الثاني/يناير. لكنّ كثراً مستعدّون إلى التخلّي عن حقوقهم مقابل الحصول على الاستقرار الموعود. يريدون شخصية أبوية قوية تقودنا بقبضة محكمة للخروج من الفوضى التي نتخبّط فيها".

بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، يرحبّ كثرٌ بوصول مثل هذه الشخصية إلى سدّة القيادة. تشير التقديرات إلى أن معدّل النمو في العام 2014 لن يتجاوز 2.6 في المئة، أي أقل بكثير من نسبة الـ4.9 في المئة التي حققتها مصر من 2001 إلى 2010، ويحمّل كثرٌ المسؤولية في ذلك إلى الفوضى السياسية التي شهدتها البلاد في الأعوام الثلاثة الماضية. وتؤثّر هذه الأرقام المتدنّية سلباً على استحداث الوظائف، في حين أن حوالى ثلاثة أرباع العاطلين عن العمل هم دون سنّ الثلاثين، كما أن الشباب المثقّفين يعجزون عن إيجاد وظائف في القطاع الخاص المحدود. لقد كان الاستياء الذي يشعر به الشباب من بين العوامل الأساسية في اندلاع انتفاضة 25 كانون الثاني/يناير، فقد كانوا يتطلّعون إلى تحقيق الحرَكية الاقتصادية والقدرة على إيجاد وظائف. لكن دراسة أجراها البنك الدولي في حزيران/يونيو 2012 توصّلت إلى أن أكثر من مصري واحد من أصل اثنَين ينخرط في المهنة نفسها التي يزاولها أهله، فيظل وضعه الاقتصادي-الاجتماعي مشابهاً تماماً لوضع أسرته. ويعود ذلك في شكل أساسي إلى الهيكليات السلطوية القائمة التي تغذّي شبكات المحسوبيات فتساهم في تفشّي الفساد، وتحصر الامتيازات الاقتصادية في أيدي النافذين.

على الرغم من هذا كله، يبدو مصريون كثر مستعدّين إلى القبول بترشّح السيسي مقابل الحصول على استقرار وهمي يعكسه المشهد الختامي في مسرحية "عائلة سعيدة جداً". فعلى الرغم من العلاقة المتشنّجة بين الشخصيتين الأساسيتين، يتابعان حياتهما وكأنهما يعيشان في نعيمٍ من الجهل، غافلَين إلى حدٍّ ما عما يجري حولهما وبينهما. في ختام المسرحية، يُوزَّع العصير الذي تُعدّه الشخصية التي تؤدّيها ندى الشاذلي خلال العرض، على الجمهور. يشرح المخرج محمد شفيق: "يمثلّ الجمهور البلدان العربية كافة. نشاهد كل مايجري، لكننا نشرب الشاي ولانكترث لما يحدث من حولنا. فكرة الثورة في العالم العربي كليشيه". وبالطريقة عينها، نقلت وسائل الإعلام المصرية رواية سعيدة عن الأحداث التي طبعت الذكرى الثالثة لثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011. ففي حين كان المواطنون المبتهجون يحتشدون في ميدان التحرير وهم يلوّحون بالأعلام ويرفعون صور السيسي، جوبِه المتظاهرون الشباب المناهضون للإسلاميين والعسكر، بالغاز المسيل للدموع والعنف الدموي في القاهرة، وقد لقي 103 شخصاً مصرعهم في مختلف أنحاء البلاد، بحسب موقع "ويكي ثورة". لكن، على الرغم من سقوط ضحايا في الشارع، نشرت كل الصحف المصرية الكبرى في 26 كانون الثاني/يناير مقالات في الصفحة الأولى مرفقة بصور متظاهرين مبتسمين يلوّحون بالأعلام ويدعمون بحماسة الحكومة العسكرية في مصر.

لايزال استبدال الهيكليات التي تفرض الخضوع والتبعية بهيكليات تدعم المساواة الاجتماعية والاقتصادية يطرح تحدّياً بالنسبة إلى الشباب الذين لم ينزلوا عند رغبة عائلاتهم، وانخرطوا في الحراك السياسي خلال الأعوام الثلاثة الماضية. تعتبر الصفتي أن مصر تشهد تغييراً ثقافياً: "يقول الناس إنهم لايستطيعون القبول بما لايريدونه، وقد تحسّنت المساواة داخل الأسرة الآن، لكن الشعب استغرق وقتاً طويلاً كي يثور". إلا أن هذه الديناميكية تدريجية، شأنها في ذلك شأن التحوّل في المشهد السياسي الوطني. يقول شفيق: "لم يحدث تغيير حقيقي في مصر حتى الآن، بل مانشهده هو ثورة مستمرة ضد شكل من أشكال الاستعباد والخضوع". ويضيف: "نأمل في نشوء علاقة جديدة بين الشعب ومن هم في السلطة، لكن لايجوز أن نلوم المنظومة فقط، لأنه يمكن النضال ضد هذا الواقع بطرق كثيرة، لاسيما في إطار علاقاتنا الخاصة وداخل أسرنا".

أنجيلا بوسكوفيتش كاتبة وباحثة ومنتجة ثقافية مقيمة في القاهرة.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.