انطلقت عملية الانتخابات الرئاسية في لبنان في 25 آذار/مارس الماضي، في خضم واحدة من أسوأ الأزمات الأمنية التي تواجهها البلاد منذ الحرب الأهلية التي استمرّت 15 عاماً، ويُسلّط مسار الانتخابات الضوء على إخفاق المنظومة التوافقية التي تحكم البلاد. نظرياً، يُتيح التوافق اللبناني الذي يشكّل العمود الفقري للنظام السياسي، وامتداداً للعلاقات بين الطوائف الثماني عشرة المعترف بها في لبنان - يُتيح إذاً لكل طائفة بأن تكون لها حصّتها العادلة والمتكافئة في دوائر الحكم. لكن واقع الحال هو أن هذه المنظومة تقود دائماً إلى حائط مسدود، وتستجلب تدخّل الأطراف الخارجية، كما أنها تتسبّب بتعطيل العملية السياسية، وتؤدّي في أفظع أشكالها، إلى أعمال عنف شديدة. في حين يُجمع كل الأفرقاء المتنافسين على أن ضمان الأمن الداخلي في لبنان هو أولوية، لكل منهم مرشّح مختلف يعتبره الأنسب لقيادة ذلك المجهود.

ترتبط أوضاع لبنان السياسية، منذ نشوئه، ارتباطاً وثيقاً بالأحداث في دمشق، مع اضطلاع سورية بدور أكثر سيطرة خلال الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها. يتواجه فريق 8 آذار/مارس الذي يسيطر عليه حزب الله، ويضم حلفاء سورية، مع فريق 14 آذار/مارس برئاسة تيار المستقبل ذي الغالبية السنّية، والذي تربطه علاقات بالسعودية والغرب. ومابين الفريقَين كتلةٌ وسطية يرأسها وليد جنبلاط الذي يتزعّم الدروز منذ فترة طويلة. مع اندلاع الانتفاضة السورية، سعى مختلف الأفرقاء اللبنانيين إلى استغلال الوضع لتعزيز نفوذهم في الداخل. وقد تحمّلت الدولة اللبنانية الوطأة الأكبر لهذه الأزمة وقرار حزب الله التدخّل في النزاع السوري. فمنذ آذار/مارس 2011، دخل مليون لاجئ سوري، معظمهم من السنّة، الأراضي اللبنانية بحثاً عن ملاذ. وقد شعرت مجتمعات كثيرة في المناطق السنية الفقيرة المجاوِرة للحدود السورية في لبنان، بالعبء الاقتصادي والأمني المترتّب عن هذا التدفّق الهائل للاجئين. أما في مايتعلق بالهجمات الأمنية المباشرة، فقد انفجرت 16 سيارة مفخخة خلال العام 2013، لاسيما في معاقل حزب الله، فضلاً عن اندلاع معارك عنيفة بالأسلحة النارية بين السنّة والعلويين في مدينة طرابلس، وظهور نزعة متزايدة في صفوف المقاتلين السنّة لاستهداف الجيش اللبناني، بذريعة أنه يتحرّك دعماً لمصالح النظام السوري. على الرغم من هذا الوضع غير المستقر، نجحت الدولة بصورة غير متوقّعة في فرض خطة أمنية في طرابلس ومنطقة البقاع ابتداءً من الشهر الماضي.

حرصاً على الحفاظ على قدرة الدولة على الحد من تداعيات النزاع السوري في لبنان، تقرّ جميع الأطراف بأنه يجب تجنّب الفراغ في موقع الرئاسة. ليس الشغور في منصب الرئاسة حالة غير مألوفة في لبنان، فالرئيس المنتهية ولايته ميشال سليمان وصل إلى الحكم بعد فراغ دام ستّة أشهر. يؤدّي الرئيس دوراً بروتوكولياً إلى حد كبير، إلا أنه تُناط به مسؤولية ضمان حسن سير العمل الحكومي باعتباره وسيطاً يُدير العلاقات بين الطوائف وكذلك من خلال التأثير الذي يمارسه على المؤسسات الحكومية بحكم منصبه. يعني ذلك، في السياق الراهن، الإشراف على التشنّجات السنّية-الشيعية، وتعزيز الدعم للجيش اللبناني في إطار عمله على تطبيق الخطط الأمنية الجديدة، وتأدية دور رئيس صوري للطائفة المسيحية التي تنظر الآن بعين القلق إلى تصاعد التشدّد في سورية والشرق الأوسط في شكل عام.

معلومات عن آلية انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان

بموجب النظام الدستوري الذي جرى اعتماده خلال الانتداب الفرنسي، لايُنتخَب الرئيس اللبناني مباشرة من المواطنين. بل ينتخبه النواب الذين يمثّلون طوائف معيّنة ومصالحهم السياسية الضيّقة، كما يمثّلون إملاءات القوى الإقليمية والدولية بدرجات متفاوتة. ومايزيد هذه الآلية تعقيداً أن منصب رئيس الجمهورية أُسنِد تاريخياً إلى الموارنة، بموجب صيغة الميثاق الوطني أي الاتفاق الشفهي الذي تم التوصّل إليه بين القادة المسيحيين والسنّة والشيعة في العام 1943.

بموجب الدستور، على مجلس النواب أن ينتخب رئيساً جديداً للبلاد في غضون شهرَين قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية. خلال هذه الفترة الزمنية، يقع على عاتق المجلس ممارسة واجبه عن طريق عقد جلسة/جلسات خاصة مخصّصة فقط لهذا الغرض وتلتئم بناءً على دعوة من رئيس المجلس. أما النصاب القانوني لانعقاد جلسة الانتخاب فهو ثلثا النواب البالغ عددهم 128. بحسب الدستور، يُنتخَب رئيس الجمهورية بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، أي 86 صوتاً. ويُكتفى بالغالبية المطلقة، أي 64 صوتاً زائد واحد، في دورات الاقتراع التي تلي. في حال استمرار الخلاف، يفرض الدستور عقد جلسة لانتخاب رئيس جديد قبل عشرة أيام من انتهاء ولاية رئيس الجمهورية. أخيراً، إذا انقضت هذه الفترة من دون انتخاب رئيس، قد يظل المنصب شاغراً، في حال عدم التوصل إلى اتفاق للتمديد للرئيس المنتهية ولايته.

في حين أن هذه الأدوار الأساسية هي موضع إجماع من المعسكرَين السياسيَّين في البلاد، لكل منهما حساباته الخاصة في مايتعلق بهوية الشخص الذي يريده أن يجلس في قصر بعبدا. ففريق 14 آذار/مارس الذي ظهر إلى الواجهة بعد الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005، عانى سياسياً، وجسدياً في بعض الأحيان من خلال الاغتيالات التي استهدفت عدداً من شخصياته على أيدي حلفاء سورية. والآن يتطلّع هذا الفريق الذي يشكّل جزءاً من حكومة وحدة، إلى وصول رئيس لايشكّل عائقاً أمام عودته إلى الحكم. أما حزب الله وفريق 8 آذار/مارس فيرى في الانتفاضة السورية أزمةً وجودية. من هذا المنطلق، يبحث الحزب عن رئيس يُحوّل أنظار اللبنانيين عن تورّطه في سورية ومخزونه الضخم من الأسلحة في الداخل، ولهذا السبب يشعر ببهجة شديدة لرحيل ميشال سليمان الذي رفع مؤخّراً من وتيرة انتقاداته للحزب.

لهذا يُبدي فريق 8 آذار/مارس امتعاضاً من خيار فريق 14 آذار/مارس الذي يدعم ترشيح سمير جعجع، قائد حزب القوات اللبنانية وزعيم الميليشيات السابق الوحيد الذي أمضى فترة في السجن على خلفية دوره في الحرب الأهلية. وقد دأب جعجع، منذ الإفراج عنه في العام 2005 بعد 11 عاماً في السجن، على انتقاد سورية وحزب الله وسيطرتهما المشتركة على لبنان. نتيجةً لذلك، حظوظه ضئيلة بأن ينال إجماعاً ويصبح مرشحاً توافقياً داخل الندوة البرلمانية حيث لايملك أي من الفريقَين العدد الكافي من المقاعد لإيصال مرشّحه إلى الرئاسة بأصوات نوّابه فقط، هذا مع العلم بأن الكتلة الوسطية طرحت أيضاً مرشّحها الخاص، هنري الحلو. في الجلسة الأولى التي عُقِدت في 23 نيسان/أبريل الماضي لانتخاب رئيس للجمهورية، حصل جعجع على 48 صوتاً، واقترع نواب 8 آذار/مارس بـ52 ورقة بيضاء، حتى إن بعض النواب كتبوا على أوراق الاقتراع أسماء شهداء يُزعَم أن قائد القوات اللبنانية كان وراء مقتلهم. وإزاء استمرار فريق 14 آذار/مارس بدعم ترشيح جعجع - على الأرجح بسبب عدم رغبته في انتخاب مرشّح يمثّل فريق 8 آذار/مارس - قاطع عدد كبير من نواب 8 آذار/مارس جلسة الانتخاب الثانية في 30 نيسان/أبريل الماضي.

مرشح 8 آذار/مارس الأكثر قدرة على مواجهة جعجع هو ميشال عون، قائد الجيش السابق وزعيم التيار الوطني الحر، الحزب المسيحي الأكبر. على ضوء الخلاف حول ترشيح جعجع، حاول عون أن يقدّم نفسه بأنه خيار توافقي للفريقَين. بيد أن سعيه للوصول إلى الرئاسة يصطدم بتحالفه مع سورية وعضويته في فريق 8 آذار/مارس الذي سمح لحزب الله بتأدية دور مهيمن في النظام السياسي اللبناني، وأمّن الغطاء لتورّطه في سورية. ولذلك من شأن أي تسوية بين فريقَي 14 و8 آذار/مارس تؤمِّن وصول عون إلى الرئاسة أن تتسبّب بخسارة مزيد من الدعم في الأوساط السنّية لفريق 14 آذار/مارس، لاسيما في المناطق الساخنة في طرابلس وصيدا والبقاع.

مجدداً لم يكتمل النصاب القانوني في جلسة الانتخاب الثالثة التي عُقِدت في 7 أيار/مايو الجاري. وتقرّر أن تلتئم الجلسة الرابعة في 14 أيار/مايو الجاري، بيد أن هذا المأزق يشير إلى الحاجة إلى الإجماع على مرشح توافقي بديل لايشكّل تهديداً لأي من المعسكرَين السياسيين أو لمصالحهما الأساسية.، ثمة عددٌ من المرشحين المحتملين، بينهم رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميل الذي ينتمي إلى فريق 14 آذار/مارس، وسليمان فرنجية من فريق 8 آذار/مارس، والنائب هنري الحلو، مرشّح الكتلة الوسطية الآنفة الذكر، وعدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة والخدمة المدنية، منهم قائد الجيش جان قهوجي. يأمل المراقبون في أن تدفع الحسابات نفسها التي كانت وراء تشكيل الحكومة اللبنانية الحالية بعد عشرة أشهر من التأخير - أبرزها الرغبة في بسط الأمن في الداخل اللبناني في مواجهة التداعيات السورية - المعسكرَين إلى انتخاب أحد هؤلاء المرشحين في المستقبل المنظور. لكن فيما يتعاون حزب الله والدولة اللبنانية من أجل الحفاظ على الأمن في الداخل، وفيما يحرز نظام الأسد تقدماً في سورية، يسود هدوء حذر في لبنان قد يُحدث تغييراً في هذه الحسابات السياسية، ويدفع بالبلاد من جديد إلى الفراغ السياسي باسم التوافق.

ألكسندر كورباي من كبار المحللين عن الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي في كندا، ومدوّن في Foreign Policy Association.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.