على الرغم من الدعم الذي قدّمه حزب النور للتحالف الذي قاده الجيش وأدّى إلى إطاحة حكومة الإخوان المسلمين في تموز/يوليو الماضي، يشعر الحزب، وهو الذراع السياسي للدعوة السلفية، بشكل متزايد بتأثير الحركة القوية المناهضة للإسلاميين التي تسود في مصر حاليّاً، الأمر الذي يزيد من عزلته. لقد اتضح أن مشاركة حزب النور في التحالف الذي قاده الجيش لم تكن كافية لتجاوز هواجس العلمانيين الذين يقلّلون من شأن هذه المشاركة منذ عزل الحكومة الإسلامية، وغالباً ما يلوّحون بأن الحزب سيلاقي مصير الإخوان في حال تجاوز حدوده. 

في غضون ذلك، بلغ التوتّر المستمر بين الدعوة السلفية المعروفة باسم "السلفية العلمية" أو "مدرسة الإسكندرية"، وبين التيارات الإسلامية الأخرى، وخصوصاً الإخوان، مستوى من العداء الصريح، كتسمية حزب النور من قبل الإسلاميين وقيادتهم بـ"حزب الزور" و"الخائن للأمانة"، بينما يرد قيادات النور وشبابهم بأن الإخوان والإسلاميين مسؤولون عن كل ما جرى ويجري لهم، الأمر الذي أدّى إلى انعزال حزب النور ومناصريه ضمن سائر الإسلاميين أيضاً.

ظهرت حالة الخصومة والعداء بين حزب النور وبين الإخوان المسلمين حين انضمّ حزب النور إلى جبهة الإنقاذ في كانون الثاني/يناير 2013، فحزب النور تقارَب مع الجبهة التي تنتقد الإخوان بشراسة الأمر الذي أعطى مصداقية للرسالة المعادية للإخوان من قبل الجبهة، وذلك بحسب رؤية الإخوان آنذاك. لاحقاً، رأى حزب النور في دعم الانقلاب الذي قاده الجيش في صيف العام 2013 فرصةً لكي يرث موقع الإخوان المسلمين في قيادة تيار الإسلام السياسي، في إطار تجسيد جديد للمنافسة القديمة بينهما على الناخب نفسه، والأنشطة العامة والاجتماعية في المجتمع.

وقد أدت الديناميكيات السياسية المتغيرة في مصر إلى دفع الدعوة السلفية - التي تضم إلى جانب حزب النور شبكات خيرية ومجموعات مدنية أخرى أصغر حجماً - إلى إيجاد مبرّر ديني لبعض القرارات التي تتعارض مع بعض الرؤى السياسية التي تبنتها قبل الانقلاب –- من دون السعي إلى الاشتباك مع أي تغيرات تطرأ على المشهد. فعلى سبيل المثال، اكتفى حزب النور بإدانة العنف خلال عدد من الأحداث الجسام، مثل الاشتباكات خارج دار الحرس الجمهوري في 8 تموز/يوليو 2013، وفض اعتصامَي رابعة العدوية والنهضة في الشهر التالي، من دون أن ينسحب من خارطة الطريق التي يقودها الجيش. وأظهر هذا الموقف تمسك حزب النور بالدرجة الأولى بالحفاظ على موقعه ومشاركته في الحياة السياسية، بغض النظر عمّا قد يدفعه من رصيده لدى جماهير الإسلاميين. 

برّرت قيادة حزب النور دعمها للجيش أمام أعضائها على أنه سعي "للحفاظ على الهوية الإسلامية والشريعة" من خلال إبقاء الإسلاميين ممثّلين في الحكومة. كما حاججت أنّها لو اتخذت مواقف مختلفة عن التي اتخذتها، لكان مصير القيادة والأعضاء كمصير الإخوان حاليّاً، إما خلف القضبان أو فارّين من وجه العدالة. وهو الأمر الذي دفع إلى الانطباع الشائع بأنّ للدعوة السلفية خطابَين: الأول ذو صبغة سياسية مدنية، والآخر ذو صبغة دينية–إسلامية عملاً بقاعدة "المصالح والمفاسد". يعني ذلك أنه ليس لحزب النور خطاب واضح متماسك، فهو ينتقل بين صيغ مختلفة لتبرير مواقف متناقضة، فمرة يأخذ الشكل المدني في خطابه ومرة يأخذ الشكل الديني في خطابه.

حاجج عددٌ من أعضاء حزب النور السابقين أن الحزب بات ينتهج سلوكاً براغماتيّاً يشبه جدّاً سلوك الإخوان المسلمين حين دعم بعض القيادات الإخوانية موقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال احتجاجات المعارضة في أواخر العام 2011 في شارع محمد محمود ومجلس الوزراء، والتي بدأت حينما فضت قوات الشرطة والجيش اعتصام أهالي الشهداء بالقوة ليلة الجمعة 18 تشرين الثاني/نوفمبر، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات المصابين من الشباب. وقد تبنت قيادة الدعوة السلفية خطابين تبريريين لموقفها: الأول، بأنها "لا تملك سوى رفض الاحتجاج شفهيّاً من دون تبنّي أي مواقف عملية"، لأن "الدولة في خطر". والثاني أن "الخطأ الأكبر هو خطأ الإخوان"، بما يعني أنها حمّلت الإخوان مسؤولية تدهور الوضع في مصر. إلا أن هذا أيضاً لم يغير النظرة القائمة لدى التيارات العلمانية بأن الخطوة التي قام بها حزب النور كانت "انتهازية"، وأبعد مما تكون عن التقدم الأيديولوجي. 

أدّى دعم الدعوة السلفية المثير للجدل للجيش إلى زيادة حدة الانقسامات الداخلية. الانقسامات نوعان، الأول منذ أزمة الدكتور عماد عبد الغفور رئيس الحزب السابق، والشيخ ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، والذي أدّى في نهايته إلى استقالة الدكتور عماد وكثيرين من الحزب وقيادات فيه وإعلان تأسيس حزب الوطن السلفي في 1 كانون الثاني/يناير 2013. والانقسام الثاني بدأ مع دعم الحزب لحركة الجيش وتصاعَد مع تزايد القمع ضد الإخوان، ما أدّى إلى تعميق الشرخ في أوساط من تبقّى في حزب النور. فقد توقّف عدد من المؤسسين الأوّلين للدعوة السلفية عن حضور اجتماعاتها، مثل الدكتور سعيد عبد العظيم الذي أعلن قبل 30 حزيران/يونيو عن موقفه المنحاز إلى "شرعية الرئيس محمد مرسي"، ولم يتخلّ عن موقفه بعد 3 تموز/يوليو، وظهر على منصة رابعة العدوية أكثر من مرة. وهو ضد موقف النور الداعِم للجيش، منذ بداية أزمة الحزب مع الإخوان في كانون الثاني/يناير 2013. وعلى النحو ذاته، لم يحضر الدكتور محمد اسماعيل المقدّم أي اجتماع للدعوة السلفية بعد 3 تموز/يوليو، وأحجم عن الظهور العام والحديث في السياسة.

وربما يكون موقف الدكتور أحمد فريد، إحدى الشخصيات السلفية البارزة، كاشفاً لمدى الانقسام في صفوف القيادة السلفية؛ فقد دعا الرجل في إحدى خطبه في مسجدٍ في منطقة العامرية في الإسكندرية في 28 شباط/فبراير الماضي إلى "العودة إلى أصلنا. منذ 40 سنة، نريد العودة إلى الدعوة ونسيان السياسة،" إلا أنه قبل ذلك بأيام كان يشارك في مؤتمرات سياسية داعمة للدستور الجديد. وعلى الرغم من أن غالبية القيادة السلفية تتفهم هذه الأفكار، إلّا أنّ الرجل الأقوى في التنظيم، الدكتور ياسر برهامي، قد نجح حتى الساعة في الدفع نحو المحافظة على كيان الدعوة السلفية والخروج بها من هذه الأزمة أقوى من ذي قبل. وقد نشر برهامي تلاميذه وأتباعه في مختلف المحافظات المصرية لجمع مناصري حزب النور وإقناعهم بحكمة مواقفه الأخيرة التي تمثلت بالرفض الشكلي لاستخدام العنف ضد المحتجين الموالين للإخوان المسلمين، مع استمرار دعم النظام العسكري والذي توج أخيرا بدعم مجلس شورى الدعوة السلفية وحزب النور لاختيار عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع السابق رئيسا للجمهورية في معركة الرئاسة الحالية عبر التصويت له والانخراط في حملة انتخابية تدعو المواطنين للتصويت له.

لكن على الرغم من محاولات برهامي، ستواجه الدعوة السلفية صعوبات جليّة في جمع السلفيين حولها من جديد. في الواقع، تحاول الدعوة السلفية تثبيت حضورها، من خلال قبول الدولة والجيش، ومواصلة وحتى توسيع أنشطتها الخيرية والاجتماعية والدعوية مستفيدةً من استراتيجية الإخوان الكلاسيكية في إنشاء شبكة قوية تستند إلى الخدمات الاجتماعية والدعوية. وهكذا تسعى الدعوة السلفية إلى تقديم نفسها بديلاً عن تنظيم الإخوان المسلمين غير الشرعي، وهو بديل يحظى - على الأقل في الوقت الحالي - بمباركة الدولة. وتسعى الدعوة السلفية في المرحلة الحالية إلى الاستفادة بكل طاقتها من هامش الحرية الممنوح لها من قبل الدولة، لتوسيع رقعتها الاجتماعية والسياسية. لكن، على الرغم من هذا الهامش في الحرية، يبقى من غير المؤكّد مدى قدرة الدعوة السلفية على الحفاظ على تماسكها الداخلي في ظلّ الاستمرار في العملية السياسية الجارية، بالقواعد نفسها التي تسعى إلى تحجيمها.

إن محاولة السلفيين الحلول مكان الإخوان يمكن أن تعرّضهم لمصير مشابه. فمع خروج الإخوان من المشهد إلى حد كبير، غالب الظن أن حزب النور (والدعوة السلفية في شكل عام) سيصبح عدو العلمانيين في المستقبل ( لن يكون هذا الأمر في المدى القريب مع الجيش لأن النظام العسكري يحتاج الدعوة والحزب وكذلك الدعوة تحتاج لهم في مواجهة قطاعات من جهاز الأمن الوطني في الشرطة موالية للعلمانيين). لكن في حين أنه من المتوقع أن تستمر التفاهمات مع النظام القادم بعد الانتخابات الرئاسية، سوف تتزايد احتمالات التصدّع داخل كوادر الدعوة السلفية، فيما ستظل السلطة تُشهر في وجهها المادة 74 من الدستور الخاصة بـ"حظر الأحزاب التي تنشأ على أساس ديني"، والتي لم ينجح حزب النور في الحصول على إلغائها على الرغم من الضغوط التي مارسها في هذا الصدد. في حال قرر العلمانيون استخدام هذه المادة، فقد تدفع بحزب النور والدعوة السلفية نحو المصير نفسه الذي لقيه الإخوان المسلمون. 

عبد الرحمن يوسف و مصطفى هاشم صحافيّان مصريّان.