أخفق البرلمان اللبناني في انتخاب خلفٍ لرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان بعد خمس جلسات انتخابية. فقد انقضت المهلة الدستورية لإجراء الانتخابات الرئاسية في 25 أيار/مايو، ليدخل لبنان، في أعقابها، في فراغ رئاسي من شأنه أن يهدِّد أمنه الداخلي، ويشلّ مؤسّساته السياسية، ويضعف مسيحيِّيه. وعلى الرغم من الخطة الأمنية الناجحة التي نفّذها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، الأمر الذي أدى إلى تراجع ملحوظ في الهجمات الإرهابية في بيروت والاشتباكات الطائفية في طرابلس، لايزال الوضع الأمني هشاً.

فقد ألحق حادث أمني واحد وقع في منطقة باب التبانة في طرابلس في أواخر أيار/مايو، خسائر فادحة بالجيش اللبناني، مايشير إلى أنّ طرابلس مرشّحة للإنزلاق سريعاً نحو الفوضى. هذا ولاتزال الاشتباكات تُسجَّل دورياً بين الجيش وحزب الله وبين مقاتلين سوريّين يهربون إلى لبنان عبر الحدود اللبنانية-السورية. كما أنّ المواجهات الأخيرة التي اندلعت بين الفصائل الفلسطينية في مخيّم عين الحلوة تنذر بالتمدّد وبزعزعة الوضع أكثر في حال تواصلت من دون أن يُكبَح جماحها. أما مجلس الدفاع الوطني الذي يترأسه رئيس الجمهورية والمخوّل بلورة الخطط لمعالجة هذه المشاغل الأمنية، فسيسير على غير هدى في غياب رئيس.

ماريو أبو زيد
أبو زيد هو محلّل أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث يتركّز عمله على التطورات السياسية في لبنان وسورية والعراق وإيران.
More >

ومع حلول الفراغ في الحكم، بات الرئيس الآن خارج اللعبة السياسية، هو الذي يُعتبر رأس الدولة والسلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلّحة وممثِّل الطائفة المارونية المسيحية – ضمن توازن قوى معقّد في النظام الطائفي اللبناني. ومع أنّ صلاحيات الرئيس انتقلت، بموجب أحكام الدستور، إلى الحكومة التي يرأسها مسلم من الطائفة السنّية، إلاّ أنّ أيّ قرار لن يُتخذ بدون موافقة الحكومة بكامل أعضائها.

والآن، بات حزب الله قادراً على شلّ عمل الحكومة لاستحواذه، هو وحلفاؤه، على أكثر من ثلث المقاعد الوزراية.

إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تنتهي ولاية البرلمان الحالي الذي يرأسه مسلم من الطائفة الشيعية، بحلول تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2014، بعد تمديدها لعام واحد. وقد أعرب عددٌ من النواب المسيحيّين، بعبارات لالبس فيها، عن نيّتهم مقاطعة أيّ جلسة برلمانية لاتهدف إلى انتخاب رئيس، قبل مباشرة أي نشاط تشريعي، وسط دعوات إلى التشريع في غياب رئيس. لذلك، ستصبح حكومة المصلحة الوطنية الحالية، والحال هذه، المؤسسة السياسية الأخيرة النشطة في ظل الفراغ الحالي في الحكم.

نتيجة لذلك، سيبرع حزب الله مجدداً في إحكام قبضته على مفاصل الحياة السياسية في لبنان، ليفرض أجندته كلاعب أساسي في المفاوضات الرامية إلى انتخاب رئيس. وبالتالي، لن يتم انتخاب رئيس ضد إرادة الحزب وبدون اتفاق مسبق معه، كما كانت الحال مع "حكومة المصلحة الوطنية" التي ماكانت لتبصر النور مؤخراً بدون موافقة الحزب المسبقة.

وبما أنّ حزب الله يمسك بأكثر من ثلث المقاعد الوزارية، سيسهل عليه إطاحة الحكومة، مثيراً بذلك نقاشاً دستورياً إضافياً حول ما إذا كانت صلاحيات السلطة التنفيذية ستُناط، في هذه الحالة، بالسلطة التشريعية، أي بالبرلمان الذي يرأسه مسلم من الطائفة الشيعية.

من شأن خطوات من هذا النوع أن تترك الطائفة المسيحية في لبنان بدون ممثِّل لها في القيادة السياسية في البلاد القائمة على ترويكا مارونية-شيعية-سنّية.

وإذ يتعرّض مسيحيّو الشرق إلى تهميشٍ ملحوظ – عقب موجات التهجير من العراق واستلحاقهم في مصر وصولاً إلى وضعهم الهشّ في سورية – يأتي غياب الرئيس في لبنان ليمثِّل غياب الوجود السياسي المهم الوحيد التي تبقّى لمسيحيّي الشرق. هذا ويفتقر مسيحيو لبنان إلى الدعم الإقليمي القوي الذي يحظى به السنّة والشيعة (من راعيَيهم الإقليميَّين، وهما السعودية وإيران على التوالي). لذلك، لن يعكس تدخّل القوى الإقليمية والدولية، دفعاً لإجراء الانتخابات الرئاسية، بالضرورة مصلحة المسيحيّين الفضلى في لبنان.

وعليه، لن يؤدي الفراغ الحالي في لبنان إلاّ إلى تعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

نشرت هذه المقالة أصلاً بالانجليزية في موقع الجزيرة.