انتهت في 7 أيار/مايو الماضي الجولة الأولى من انتخابات مجالس الطلبة في جامعات الضفة الغربية، وتولي الفصائل الفلسطينية أهمية كبيرة لانتخابات مجالس اتحاد الطلبة في الجامعات الفلسطينية ليس لأنها تعطي مؤشراً على قدرة الفصائل على الاستحواذ على صوت الطلبة فحسب، بل أيضاً القدرة على الاستحواذ على أصوات الشارع الفلسطيني، وهذا يضفي بعداً إضافياً على خطاباتها وسياساتها. قد استندت العديد من الفصائل الفلسطينية تاريخياً إلى انتخابات الطلبة في تحديد مطالبها وحصصها من مؤسسات التمثيل الفلسطيني، ففي العام 1992 طالبت حماس بما نسبته 40 في المئة من مقاعد منظمة التحرير معتمدة على نتائج انتخابات الطلبة في حينها. وتعتبر الشبيبة الطلابية والكتلة الإسلامية أفرع طلابية لحركتي فتح وحماس، حيث تحظى كلتا الكتلتين بدعم مادي ولوجستي من حركتيهما. وقد جرت الانتخابات الطلابية لهذا العام في ثلاث جامعات مركزية وهي جامعة الخليل والبوليتكنك وبيرزيت، بينما تأجلت الانتخابات في كل من جامعة النجاح وجامعة القدس. وعلى الرغم من تراجع الحركة الشبيبة الطلابية التابعة لحركة فتح إلا أنها فازت في الجامعات الثلاث. 

عانت هذه الانتخابات من انخفاض نسبة التصويت، حيث بلغ معدل نسبة التصويت في الجامعات الثلاث 68 في المئة في حين كان يصل إلى 85 في المئة في الأعوام السابقة مما أثر على فرص حماس. حصلت فتح على 21 مقعداً من أصل 41 في جامعة الخليل وتلتها الكتلة الإسلامية التابعة لحركة حماس مع 19 مقعداً، وفي جامعة "البوليتكنك" في الخليل مع 17 مقعداً لفتح مقابل 14 لحماس من أصل 31 مقعداً، وفي جامعة بيرزيت مع 23 مقعداً لفتح مقابل 20 لحماس من أصل 51 مقعداً. مقارنةً بالعام الماضي، تظهر النتائج تقدماً للكتلة الإسلامية في جامعتَي الخليل والبوليتكنك بينما ظلت محافظة على مقاعدها في بيرزيت. مما لاشك فيه أن الكتلة الإسلامية المحسوبة على حماس خاضت الانتخابات ضمن غياب بنية تحتية حاضنة في الضفة. فبعد انتخابات 2007، قامت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بإغلاق ومصادرة كافة الجمعيات والمؤسسات التابعة لحركة حماس، بالإضافة إلى السعي دوماً لتفكيك البنية التنظيمية للحركة ومصادرة أموالها واعتقال كوادرها ومن ضمنهم نشطاؤهم في الجامعات ومداهمة سكناتهم حتى بعد إعلان المصالحة بين فتح وحماس في 23 نيسان/أبريل الماضي. كما حدث مع أحمد نعيرات منسق الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت. ووفق تقرير المؤسسة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ، فإن عدد المعتقلين السياسيين لدى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية منذ العام 2007 وحتى نهاية 2012 قد بلغ 13271 معتقلا.ً ووفق تقرير صادر عن المكتب الإعلامي لحركة حماس في العام 2013 تقول الحركة إن من بين عدد معتقليها 782 ربعهم من طلبة الجامعات التابعين لها، وقد خاضت الكتل الإسلامية اعتصامات داخل حرم الجامعات من أجل إنهاء ملف الاعتقال السياسي. 

وفي هذا السياق السياسي، اعتبرت الحركتين وعلى لسان قيادييها بأن نتائج الانتخابات تمثل انتصاراً لها والتفافاً شعبياً حول خياراتها، وبأن نتائج انتخابات مجالس الطلبة لن تختلف كثيراً عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني المرتقبة. وقد عقّب محمود العالول مفوض التعبئة والتنظيم لحركة فتح، على النتائج بأنها تمثّل استفتاء على منهج الحركة السياسي ورئيسها محمود عباس، وبأن الفوز العددي "يُعتبر مؤشراً لاتجاهات الرأي العام الفلسطيني". أما حماس من جهتها فتحلل النتائج بأنها دليل على أنها حركة "عصية عن الانكسار"، وهذا ماعبّر عنه القيادي في حماس وصفي كبها بأن النتائج تؤكد قوة الحركة في الشارع الفلسطيني، وأنه "لولا الملاحقات من قبل الاحتلال وأجهزة أمن السلطة لفازت حماس".1

تحاول فصائل فلسطينية أخرى أيضاً قياس شعبيتها بشكل عام من خلال نتائج الانتخابات الطلابية. من الملاحظ في هذا الإطار غياب الجهاد الإسلامي عن الانتخابات الطلابية في الأعوام الأخيرة وتحديداً منذ بدء الانقسام الفلسطيني، عندما توقّف التنظيم عن المشاركة في الانتخابات نتيجة ظروف تتعلق بوضعه اللوجستي. لم يدعم الجهاد الإسلامي بشكل رسمي أي من الحركات الطلابية المشاركة في الانتخابات، هذا مع العلم أن عدد المقاعد التي كانت تحصل عليها الجماعة الإسلامية قبل الانقسام، وهو المسمى الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي، لم يكن يتعدى ما نسبته 4 في المئة من المقاعد في كل جامعة من جامعات الضفة، وهذا يشير الى الحضور الضعيف لها في الضفة الغربية. وفي سياق ضعف حضورها في الضفة الغربية، قد تضطر الحركة إلى عقد تحالفات معينة سواء مع حركة حماس أو غيرها تُمكّنها من الحصول على مقاعد في المجلس الوطني، وتسعى حركة حماس إلى بناء تحالف انتخابي مع الجهاد لخوض انتخابات المجلس الوطني وفق ماعبّرت عنه أكثر من مرة، و لم تمانع الجهاد تاريخيا أن يتحالف ذراعها الطلابي مع حماس وقد كان ذلك في أكثر من جامعة ولعل أبرزها كان تحالف عام 2003 في جامعة بيرزيت حيث حصل تحالفهم على نصف المقاعد (25 مقعدا) مقابل 20 لفتح من أصل 51 مقعداً.

في المقابل، فشل اليسار في الحصول على أي مقعد في جامعة البوليتكنك، وحصل على مقعد واحد في جامعة الخليل من مجموع 41 مقعداً، وظل محافظاً على مقاعده السبعة في جامعة بيرزيت من أصل 51 مقعداً. ولم تختلف نتائجهم عن الأعوام الأخيرة وخاصة التي لم تمتنع فيها حماس عن المشاركة. وقد ركز اليسار في دعايته الانتخابية على فشل حركتَي فتح وحماس في حل مشاكل المجتمع الفلسطيني، ووجّه انتقادات لاذعة لهما بسبب الانقسام الناتج عن صراعهما على السلطة، طارحاً نفسه كبديل ثالث، إلا أن نتائج الانتخابات تبين أن اليسار الفلسطيني يشهد تراجعاً في انتخابات مجالس الطلبة بشكل عام. أما في ما يخص الحركات المستقلة مثل الحراك الشبابي الفلسطيني الذي يعرف بنفسه أنه لا ينتمي لأي فصيل فلسطينيوتصدرت مسألة إنهاء الانقسام الفلسطيني جدول أعماله منذ انطلاقه في العام 2011، فقد أظهرت انتخابات الجامعات ضعف قدرته على الوصول لأعداد أكبر من الشباب الفلسطيني خاصة في الجامعات، فقد فشل الحراك الشبابي من تشكيل أي جسم أو موقف من الانتخابات الطلابية في الجامعات التي أجريت فيها الانتخابات. 

أكدت الانتخابات الطلابية حالة استقطاب حادة بين حركتي فتح وحماس، فكان معدل ما حصلت عليه الحركتين في آخر عامين قرابة ال 90 في المئة من أصوات الناخبين. لكن من أهم ما تشير إليه الانتخابات الطلابية هو حالة العزوف السياسي. ويرى محمود القدومي2، أحد قيادات الشبيبة فيرام الله، أن السبب يعود إلى فقدان الثقة عند البعض بأداء حركتَي فتح وحماس، ولم يشجع إعلان الشاطئ لإنهاء الانقسام في 23 نيسان/أبريل الماضي الممتنعين عن التصويت على تغيير رأيهم. أما ممثل الكتلة الإسلامية في جامعة البوليتكنك3 فيرى أن انخفاض نسبة التصويت يعود أولاً إلى الإحباط واليأس لدى الطلبة من فعالية المشاركة السياسية في تغيير الوضع القائم فضلاً عن تخويف وترويع الأجهزة الأمنية للطلبة وذويهم لثنيهم عن التصويت لصالح الكتلة الإسلامية. ومما لاشك فيه أنه في حال استمرار هذا الانخفاض في الانتخابات التشريعية والرئاسية والوطنية، فإن ذلك سينعكس سلباً على شرعية هذه الانتخابات، لاسيما على حركة حماس التي تعتبر أن ارتفاع نسبة التصويت يصب دائماً في مصلحتها مما قد يجعل من الصعب فوزها بأريحية كما في الانتخابات السابقة.

حسن عبيد طالب دكتوراه فى قسم العلوم السياسية في جامعة ديسبورغ-إسن في ألمانيا. شارك في تأليف" اللاجئون الفلسطينيون في الضفة الغربية: ديمومة الحياة وإصرار العودة" (لندن: مركز العودة الفلسطيني وأكاديمية دراسات اللاجئين، 2013). 


1. مقابلة مع الكاتب.

2. مقابلة مع الكاتب.

3. مقابلة مع الكاتب.