يتحدّى التقدم الكبير الذي حقّقه تنظيم الدولة الإسلامية في سورية خلال الشهر الفائت، المفاهيم العسكرية الأساسية المتعارف عليها. ففي الأشهر الماضية، تراجع التظيم في شكل لافت في محافظة دير الزور شرق البلاد، حيث لم يعد للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) - كما كانت تُعرَف سابقاً - وجود في المحافظة في شباط/فبراير الماضي بعدما رصّ الثوار المحليون صفوفهم لدكّ ماتبقّى من معاقل التنظيم هناك. وكذلك خطّطت مجموعات الثوار في أماكن أخرى للهجوم على المعقل الأخير للتنظيم في محافظة الرقة شرق البلاد في أيار/مايو الماضي، لطرده كلياً من سورية. بيد أن داعش، أو الدولة الإسلامية كما تُعرَف الآن، تلتقط أنفاسها من جديد وتسعى إلى العودة بقوة.

الدولة الإسلامية هي الآن في حالة هجومية في الجزء الأكبر من سورية، لاسيما في الشرق والشمال. إذا نجح التنظيم في استعادة السيطرة على الأراضي التي خسرها بعدما أعلنت معظم مجموعات الثوّار الحرب عليه في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، فسوف يؤدّي ذلك على الأرجح إلى ترسيخ قدرته على الصمود في سورية. وثمة مؤشرات بأن الدولة الإسلامية قد تتمكّن في نهاية المطاف من تثبيت وجودها في الشرق وشنّ غزوات في الشمال، لاسيما وأنها تتّبع على مايبدو استراتيجيات جديدة في حملتها الأخيرة.

تركيز التنظيم على المفاوضات، بدلاً من اللجوء فقط إلى القوة، هو من الأسباب الأساسية خلف النجاحات اللافتة التي يحقّقها في الآونة الأخيرة. فعلى الرغم من أن الدولة الإسلامية هاجمت عدداً قليلاً من المدن والبلدات في دير الزور وأرغمت سكّانها على النزوح، إلا أنها تختار عادةً البلدات التي تسبّبت باستنزاف التنظيم من قبل، مثل خشام وشحيل - لطالما اعتُبرت شحيل معقلاً لتنظيم جبهة النصرة التابع للقاعدة. أما في القرى والبلدات الأخرى، فقد أرسلت الدولة الإسلامية مبعوثين للتفاوض على اتفاق يستسلم المقاتلون المحليون بموجبه، ويتعهّدون بالولاء للبغدادي وتطبيق الشريعة، في مقابل إبعاد الأذى عن السكّان. تختلف شروط هذه الاتفاقات من منطقة إلى أخرى.

لكن الأهم هو أن الدولة الإسلامية تميل الآن نحو منح هذه البلدات استقلالية أكبر في إدارة شؤونها. ونستشفّ نزعة مماثلة في العراق، حيث يبدو في شكل عام أن التنظيم يمتلك سيطرة عسكرية وسياسية شاملة على المناطق الخاضعة لسيطرته فيما يترك للمجتمعات المحلية إدارة شؤونها اليومية. 

واقع الحال هو أن ماساهم في تعزيز الموقع التفاوضي للدولة الإسلامية في هذه البلدات هو تعرُّض خصومها للاستنزاف مادياً ومعنوياً، لاسيما بعد المكاسب التي حقّقها التنظيم في العراق. كما أنها أفادت من تفكّك مجموعات الثوار في شرق سورية وأماكن أخرى وغياب التنسيق بينها، بما أتاح لها استعادة السيطرة على بلدة تلو الأخرى والتغلّب على تنظيم تلو الآخر. سوف تساعد هذه التسويات التفاوضية الدولة الإسلامية على تثبيت وجودها عبر ضمان عدم حصول أية ثورة منسّقة انطلاقاً من محافظة دير الزور، وهذا الهدف قابل للتحقيق شرط ألا يذهب التنظيم بعيداً في ممارسة سطوته.

من الاستراتيجيات الأخرى التي يبدو أن الدولة الإسلامية تنتهجها بانتظام أكبر في حملتها الأخيرة توفير الخدمات. لقد سيطر التنظيم على حقل العمر النفطي ومصنع كونوكو للغاز اللذين يشهدان الكثير من الاقتتال بين الثوار في دير الزور بفضل عائداتهما الطائلة وأهميتهما الاستراتيجية لتأمين التيار الكهربائي والاحتياجات الأساسية مثل غاز الطهو والمحروقات. وقد أشارت التقارير إلى أن التنظيم خفّض سعر النفط من 200 إلى 45 ليرة سورية، وأرغم الأفران على العمل مع تزويدها بالمواد الأساسية مثل الطحين، كما أنه يقوم بتوزيع الزكاة على العائلات المعوزة.

وفي الوقت نفسه، يطارد التنظيم أيضاً أمراء الحرب الذين جنوا ثروات من الحقول النفطية وسواها من الموارد المربحة في المحافظة. وهو يسعى من خلال ذلك إلى التمايز عن جبهة النصرة التي تعاملت مع بعض أمراء الحرب في محاولة لتشكيل تحالفات مع المجتمعات المحلية. بيد أن أمراء الحرب استجلبوا العداء لأنفسهم من جانب عدد كبير من الأشخاص والمجموعات بسبب احتكارهم للموارد ورفضهم تخصيص بعض الأرباح لتمويل المجموعات المقاتلة. من شأن قيام الدولة الإسلامية بشنّ حملة على هؤلاء الأشخاص أن يمنحها تأييداً في أوساط السكان.

تعزّز هذه المكاسب مكانة الدولة الإسلامية وسط مشهد الثوار السوريين الذي يشعر أصلاً بتأثيرها. أدّى صعود التنظيم وسقوطه ومن ثم صعوده من جديد منذ الصيف الماضي، إلى تفكّك الائتلافات الثورية الكبرى؛ فعدد كبير من المجموعات التي كان يُتوقَّع من قبل أن تكون جزءاً من الواقع الجديد في سورية إما اختفت وإما أُضعِفت إلى حد كبير بسبب القتال مع داعش. ومن هذه المجموعات أحفاد الرسول الذين حاربهم تنظيم داعش في الرقة؛ والجبهة الإسلامية التي كانت قبلاً الائتلاف الثوري الأقوى، وتحوّلت مجرد اسم شبيه بالجيش السوري الحر؛ كما أن جبهة النصرة تعاني من تحدٍّ وجودي لاسيما في شرق سورية (جبهة النصرة هاجس الاستخبارات الغربية والإقليمية منذ سنوات بسبب قدرتها على الصمود وأسلوبها المتطور في التعامل مع السكان المحليين).

لقد أُنهِكت هذه المجموعات خلال القتال ضد الدولة الإسلامية، ويبدو أن عدداً كبيراً منها قد استنفد طاقاته وقدرته على الاستمرار. في هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى أن إعلان جبهة النصرة المخطط عن إقامة إمارات إسلامية في سورية لايشمل إنشاء إمارة في دير الزور. من العوامل الأخرى التي تصبّ في مصلحة الدولة الإسلامية أن الإسلاميين والجهاديين الذين حاربوها من قبل فعلوا ذلك تحت شعار "إفساد الجهاد الشامي"، أو لأن داعش كادت تقضي على الجهاد في سورية بسبب همجيتها. ولذلك فإن إعلان الخلافة وتراجع صورة جبهة النصرة، لاسيما في المناطق الشرقية والجنوبية، جعلا الدولة الإسلامية أكثر جاذبية لعدد كبير من المقاتلين الذين يميلون إلى خوض الجهاد. قد لاينضم هؤلاء المقاتلون إلى الدولة الإسلامية، لكن على الأقل سيصبح تأثيرهم معدوماً.

خرجت الدولة الإسلامية منتصرة من هذا كله، ويبدو أنها لاتزال في بداية تقدّمها. إذا استعاد التنظيم سيطرته في الشمال، فسوف يكون الإنجاز الأكبر له داخل سورية منذ أشهر عدة، الأمر الذي قد يزيده قدرةً على الصمود والاستمرار. لاتزال الدولة الإسلامية تتخبّط بين استراتيجيتين - الاستراتيجية القديمة القائمة على عدم التسامح ليس مع الخصوم وحسب إنما أيضاً مع الخصوم المحتملين، وقد استورد التنظيم هذه الاستراتيجية من تجربته في العراق لضمان بقائه؛ واستراتيجية جديدة تقوم على محاولة الفوز بالدعم من السكّان بدلاً من اللجوء فقط إلى القوة، والتي يبدو أن التنظيم استلهمها من جبهة النصرة. وهكذا فإنّ قدرته على حماية نفسه من انتفاضة شعبية تتوقّف على الاستراتيجية التي ستسود في نهاية المطاف.

حسن حسن باحث مشارك في معهد دلما في أبو ظبي. يمكن متابعته عبر تويتر: hxhassan@.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.