خرج نداء تونس، الحزب العلماني الأساسي في تونس، منتصراً من الانتخابات التشريعية الأخيرة، متفوِّقاً بذلك على حركة النهضة الإسلامية التي تُعتبَر القوة السياسية الأبرز في البلاد بعد الثورة. وقد بدأ الحديث عن الائتلافات والتحالفات، في حين ينكب الجميع على التمعّن والتدقيق في كل خطوة يقوم بها نداء تونس. فقد فاز الحزب الذي تأسّس قبل عامَين فقط، بـ85 مقعداً في انتخابات مجلس الشعب الجديد المؤلّف من 217 عضواً، في حين حصل النهضة على 69 مقعداً.

بالنظر إلى المرحلة المقبلة، ثمة سيناريوهان محتملان لتشكيل الحكومة، فإما حكومة ائتلافية بمشاركة النهضة وإما حكومة من دون النهضة. إذا شكّل حزب نداء تونس حكومة من دون النهضة، فسوف تكون عبارة عن ائتلاف من الأحزاب الأصغر حجماً بهدف الحصول على المقاعد الـ109 الضرورية لامتلاك الأكثرية في مجلس الشعب. في حال اختيار هذا السيناريو، سيؤدّي ذلك إلى إقصاء شريحة واسعة من الشعب التونسي، لاسيما في الجنوب حيث تفوّق النهضة على نداء تونس في نتائج التصويت. ومن شأن هذا الإقصاء أن يتسبّب بتعميق الانقسامات بين المناطق في تونس، مايُثير تململاً اجتماعياً. فإذا اختار حزب نداء التونس إبعاد النهضة عن التشكيلة الحكومية، سيكون عليه الدخول في ائتلاف مع أحزاب أصغر حجماً، منها الاتحاد الوطني الحر - برئاسة سليم الرياحي، وهو مليونير يملك نادياً لكرة القدم وقطباً من أقطاب الإعلام لاخبرة له في السياسة - وائتلاف الأحزاب اليساري المعروف بالجبهة الشعبية الذي فاز بخمسة عشر مقعداً في مجلس الشعب، وحزب آفاق تونس الليبرالي الذي حلّ في المرتبة الخامسة مع ثمانية مقاعد.

غالب الظن أن الجبهة الشعبية والاتحاد الوطني الحر لن يوافقا على تشكيل ائتلاف مع نداء تونس. ففي مايتعلق بالجبهة الشعبية، من شأن انضمامها إلى حكومة ائتلافية أن يزيد من حدّة التوتّر في صفوف أنصارها الذين يرفض عدد كبير منهم أن يُربَطوا بأنصار سياسيي نداء تونس الذين كانوا يتولّون مناصب قيادية في التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي سابقاً. وقد يقود هذا الائتلاف إلى انقسامات في صفوف الجبهة الشعبية. 

أما في مايختص بالاتحاد الوطني الحر، فلن يقبل زعيمه سليم الرياحي المرشّح للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها الشهر المقبل، بالانضمام إلى حكومة ائتلافية مع نداء تونس إلا إذا أصبح المرشح الرئاسي الأساسي لهذه الحكومة. بيد أن نداء تونس لن يوافق على هذا الشرط لأن مرشحه للانتخابات الرئاسية هو زعيم الحزب الباجي قائد السبسي. علاوةً على ذلك، فإن تشكيل ائتلاف من هذه الأحزاب الثلاثة (نداء تونس والاتحاد الوطني الحر والجبهة الشعبية) سيفرض على نداء تونس التخلّي عن بعض الحقائب الوزارية، وربما حقائب أساسية - قد يكون نداء تونس مستعداً لتقديم هذا التنازل، إنما لاينطبق هذا بالضرورة على الحزبَين الآخرين، أي الاتحاد الوطني الحر والجبهة الشعبية. أما حزب آفاق تونس فمن شأنه فقط أن يُضيف إلى عدد المقاعد التي يحتاج إليها نداء تونس للحصول على الأكثرية - 109 مقاعد - في مجلس الشعب في حال دخوله في ائتلاف مع الاتحاد الوطني الحر أو الجبهة الشعبية.

ليس من مصلحة نداء تونس إقصاء النهضة التي تملك ثاني أكبر كتلة تمثيلية في البرلمان. فالأمور لن تكون سهلة بالنسبة إلى الحزب في حال اختارت النهضة أن تكون في المعارضة. سوف تراقب النهضة كل خطوة يقوم بها نداء تونس، لاسيما إذا اعتبرت أن بإمكانها أن تعبّئ التونسيين بسهولة ضد الإجراءات الإصلاحية الضرورية والصعبة التي سيكون على حزب نداء تونس اتّخاذها من أجل تثبيت دعائم الاقتصاد وتحسين الأمن في البلاد. وإذا اقتصر الائتلاف الحكومي على الأحزاب اليسارية، فلن يكون مستقراً. فالخلافات والعداوات الشخصية داخل الائتلاف (سواء شكّل حزب نداء تونس ائتلافاً مع الجبهة الشعبية وآفاق تونس وسواهما من الأحزاب اليسارية التي فازت بمقعد أو اثنين في الانتخابات مثل حزب المبادرة أو الجمهوري، أو مع الاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس)، جوهرية، وعلى الأرجح أنها ستحتدم وتبرز أكثر إلى العلن، مايجعل الحكومة ضعيفة ومنقسمة، وبالتالي ستجد صعوبة أكبر في تطبيق الإصلاحات التي تشكّل حاجة ماسّة. وهذا بدوره يؤدّي إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والأمنية التي تعاني منها تونس، وقد يزيد من خطر اندلاع موجة جديدة من الاضطرابات الاجتماعية.

السيناريو الآخر هو تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم نداء تونس والنهضة، الأمر الذي قد يثير غضب عدد كبير من أنصار حزب نداء تونس الذين صوّتوا له في الانتخابات التشريعية، ليس بالضرورة لأنهم يؤيّدونهم إنما لأنهم أرادوا التصويت ضد النهضة.

كما أن هذا السيناريو ليس أيضاً الأفضل بالنسبة إلى النهضة، لأن قادتها لايريدون إغضاب الأنصار الذين يعتبرون أن الاصطفاف إلى جانب نداء تونس هو خيانة للثورة ولتاريخ الحركة. وكذلك سيكون هذا التحالف مكلفاً لنداء تونس على المستوى السياسي، وسوف يتسبّب بخلافات داخلية قد تقود إلى الانقسامات.

لكن بدأ يتكوّن اعتقاد لدى الكثيرين بأن حكومة الوحدة الوطنية تصبّ في مصلحة الحزبَين. فهي تتيح للنهضة فرصة الحد من تداعيات الهزيمة الانتخابية كما تضمن لها حضوراً في الحكومة العتيدة. أما من وجهة نظر نداء تونس، فالائتلاف مع النهضة أفضل من الاضطرار إلى التعامل مع تحالف مفكّك من الأحزاب العلمانية المشاكسة، ماقد يتسبّب بتنوّع الآراء والاتجاهات في مجلس الشعب بحيث يتعذّر ضبطه.

من مصلحة نداء تونس أن يوحّد هذه الأحزاب السياسية تحت مظلة حكومة وحدة وطنية تكون في موقع قوي يخوّلها تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والأمنية الضرورية. بعد الانتخابات، سيستمر الدائنون الأجانب - مثل صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة - في ممارسة مزيد من الضغوط على السلطات لتصحيح العجوزات المتزايدة في الموازنة والحساب الجاري. وعلى الأرجح أن إصلاح الإعانات المالية الحكومية سيشكّل مبادرة أساسية، فضلاً عن سلسلة من إجراءات التقشّف المالي. سوف يتعيّن على الحكومة العتيدة فرض ضرائب جديدة والاستمرار في خفض الإعانات الحكومية بهدف الحد من العجز، وذلك تماشياً مع الإصلاحات المطلوبة من الدائنين الدوليين والتي تتطلّب رأسمالاً سياسياً قوياً. من شأن حكومة وحدة وطنية تضم حركة النهضة أن تتمتّع برأسمال سياسي كافٍ لتطبيق هذه الإجراءات المؤلمة إنما الضرورية من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي في الأعوام القليلة المقبلة. 

وبقدر إلحاحية الإصلاحات الاقتصادية، سوف تشكّل المسائل الأمنية أولوية بالنسبة إلى الحكومة العتيدة. سيحتاج حزب نداء تونس إلى دعم كبير من حركة النهضة لمواجهة التهديد الشديد الخطورة الذي يشكّله المقاتلون الإسلاميون. يكمن التحدّي المطروح على نداء تونس والنهضة في حشد دعم داخلي كافٍ لتشكيل حكومة ائتلافية، لأن حكومة الوحدة الوطنية هي الوحيدة التي تملك حظوظاً برفع التحدّيات في المرحلة المقبلة.

سناء عجمي صحافية وكاتبة تونسية.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.