لا يزال أغلب النقاش حول السياسات العامة في مصر يدور حول شروط وإمكانية التعافي الاقتصادي على المدى القصير دون تخصيص مساحة كافية للحديث عن القضايا الهيكلية التي تمس أسس النموذج الاقتصادي ـ الاجتماعي، وانحيازاته وأدوار الفاعلين الأساسيين فيه وعلاقة الاقتصاد الوطني بالعالم، ومن هنا فإن النقاش حول السياسات الاقتصادية يبدو مخنوقا في حيز فني شديد الضيق لا يكاد يتجاوز إدارة السياسة المالية لاحتواء العجز والسياسة النقدية لضبط سعر الصرف والسيطرة على التضخم مع تصدير أولوية استعادة النمو الاقتصادي عن طريق جذب رؤوس الأموال الأجنبية في المقام الأول والاستثمار المحلي في المقام الثاني، وهو ما يعني عمليا أن أولوية السياسات العامة في مصر هي العودة للأداء الاقتصادي لسنة2010، وللنموذج الاقتصادي الذي تأسس في السنوات الأخيرة من حكم مبارك، والذي كان بالفعل ناجحا في توليد معدلات نمو مرتفعة بلغ متوسطها السنوي بين 2004 و2010 حوالي 6٪، وكان جاذبا لاستثمارات أجنبية وصلت إلى عشرة مليارات دولار قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008 مباشرة، كما شهد ارتفاعا غير مسبوق في الصادرات الصناعية وغير الصناعية، ورغم الاحتفاء بما اعتبر نجاحا على مستوى المؤشرات الكلية لذلك النموذج القائم على منطلقات نيوليبرالية إلا أنه قد أثبت أنه كما ولد معدلات نمو مرتفعة فقد عجز عن تحقيق التنمية لقواعد عريضة من المصريين ما أسهم في تأجيج الصراع الاجتماعي وتعميق أزمة شرعية النظام السياسي ممهدا السبيل أمام اتساع الاحتجاج الاجتماعي في صورة الاضرابات العمالية منذ 2004 ثم الاحتجاج السياسي في 2011، والذي أطاح بنظام مبارك وأسلم البلاد لموجة من الاضطراب والعنف السياسيين غير المسبوقين في تاريخها الحديث. 

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

استنادا لما سبق فإن حصر النقاش حول السياسات الاقتصادية في استعادة التعافي الاقتصادي في الشهور القليلة القادمة هو أمر ينم عن فقر شديد في الخيال السياسي، كما أنه يتجاهل أن الاقتصاد العالمي اليوم ليس هو الذي كان قائما قبل ثورة يناير خاصة مع تعمق الركود في أوروبا، أكبر شريك تجاري لمصر بمتوسط 60٪ من إجمالي التبادل التجاري، والاضطراب الذي لم تسلم منه أسواق المال العالمية منذ 2008، خاصة مع تأزم وضع الديون السيادية في دول الاتحاد الأوروبي، واتجاه الاقتصاد العالمي نحو الركود مع تباطؤ نمو الأسواق الآسيوية في السنة المالية الجارية، وكلها مسائل تستوجب الوقوف على إمكانية استئناف نموذج الإنتاج من أجل التصدير والاعتماد على جذب رأس المال الأجنبي (ويسري هذا الأمر على دول الخليج مع اتجاه أسعار النفط للانخفاض في الشهور الأخيرة).

ويضاف إلى النقطتين السابقتين أن بناء أولويات السياسة الاقتصادية على العودة لنموذج ما قبل الثورة بكل تناقضاته وأزماته يتضارب مع الواقع السياسي على الأرض، والذي تسعى فيه السلطة السياسية الجديدة مدعومة من أجهزة الدولة وخاصة القوات المسلحة، لإعادة بناء شرعية مؤسسات الدولة في مصر، وهو ما يعني أن إعادة تصميم النموذج الاقتصادي في مصر سيأتي على الأقل جزئيا ليلبي أهداف إعادة التأسيس لسلطة الدولة وشرعيتها، وهي أهداف غير قابلة للتحقيق، خاصة بعد أكبر ثورة شعبية في تاريخ مصر الحديث، بنفس النموذج الذي سبق وأن ولد معدلات احتجاج غير مسبوقة منذ أربعينيات القرن الماضي قبيل ثورة 1952. 

أي دور اقتصادي للدولة؟ 

يمكن الحديث عن أربعة أدوار للدولة في علاقتها بالاقتصاد كما حددتها أدبيات الاقتصاد السياسي ودراسات التنمية: 

1ـ يتعلق الدور الأول بوظائف الدولة الكلاسيكية الخاصة بحفظ النظام وتطبيق القانون وضمان احترام حقوق الملكية الخاصة وإنفاذ التعاقدات وغيرها مما يمكن اعتباره أساسا للنظام العام من ناحية، ولنظام السوق من ناحية أخرى إذ لا ينتظر أن يقوم تبادل حر تبعا لقواعد العرض والطلب دون حضور الشروط المؤسسية الأولية كحقوق الملكية وإنفاذ التعاقدات. 

2ـ دور الدولة التنظيمي، والذي تضطلع الدولة فيه بتنظيم العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين ابتغاءا للصالح العام، وفي هذا السياق تتدخل الدولة لضبط اختلالات القوة بين الفاعلين الاقتصاديين كحال قوانين منع الاحتكار والقوانين المنظمة لتدفق المعلومات في أسواق الأوراق المالية والقواعد الضابطة لنشاط البنوك وقوانين حماية المستهلك وقواعد السلامة الصحية والأمن الصناعي والحد الأدنى من الحقوق للعمال وغيرها. 

3ـ ينطلق الدور الثالث من اتخاذ الدولة لدور تنموي إزاء الاقتصاد بأن تضطلع بإدارة جزء من الموارد الاقتصادية بما يدفع النمو أو يحقق أهدافا تنموية كالتصنيع أو دعم منافسة الصناعات المحلية في الأسواق العالمية أو تنمية قطاعات بعينها لخلق الوظائف، ويمتد هذا الدور إلى اضطلاع الدولة بدور داعم للاقتصاد الخاص عن طريق الاستثمار الحكومي في قطاعات قلما يتجه إليها الاستثمار الخاص لضعف عائدها على المدى المباشر كالبنية الأساسية والاستثمار في الموارد البشرية من خلال التعليم والتدريب المهني والرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي، وهي قضايا لها بعد تنموي من ناحية لأنها تزيد من قدرة الاقتصاد على المنافسة والنمو وترفع من مستويات المعيشة، ولها بعد اجتماعي كذلك لأنها تمس القدرات الإنتاجية للمواطنين، وترتب لهم حقوقا اقتصادية واجتماعية كمواطنين وليسوا فحسب كأطراف في العملية الإنتاجية. 

4-ـ وأما الدور الأخير فهو دور الدولة في إعادة توزيع الدخل والثروة، ويتحدد هذا من خلال مالية الدولة في المقام الأول، والذي تقوم الدولة من خلاله بتحصيل الضرائب وغيرها من الإيرادات واستخدامها للانفاق على مجالات معينة، وعادة ما يتقاطع هدف إعادة التوزيع مع أهداف تنموية أخرى فعلى سبيل المثال جمع الضرائب لدعم نظم التعليم والرعاية الصحية ترفع من مستويات المعيشة ولكنها في الوقت نفسه ترفع من إنتاجية وكفاءة القوى العاملة وتخفض من تكلفة العمل على أصحاب الشركات الخاصة، ويتصل دور الدولة في إعادة التوزيع اتصالا وثيقا بقضية شرعية الدولة والنظام الاجتماعي ككل لأنه من خلالها يتحدد للمواطنين ـ أو لجزء كبير منهم ـ ما إذا كان النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يخدم مصالحهم أو يضمن لهم فرصا مستقبلية في الترقي وتحسين مستويات المعيشة، ومن هنا كانت قضية إعادة التوزيع تجمع بين الشرعية السياسية وشرعية النظام الاجتماعي ووظائف الدولة التموية في آن واحد. 

أي دور اقتصادي إذن للدولة في مصر؟ 

يثور جدل حول طبيعة دور الدولة الاقتصادي في المرحلة المقبلة وإن كان يحكم آفاق هذا الجدل تصورات قصيرة الأجل حول التعافي الاقتصادي كما سبقت الإشارة بينما يغيب تناول كلي ومعمق حول إعادة تعريف وتحديد دور الدولة الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من عملية إعادة تصميم نموذج التنمية ككل، ولا يغيب عن متابع للشأن العام في مصر، أو في أي بلد آخر، عن أن دور الدولة الاقتصادي لا ينفصل عن دورها الاجتماعي والسياسي وعن النظام الاجتماعي ككل، كما أن إعادة تصميم نموذج التنمية بعد سنوات من الاضطراب السياسي المستمر هي جزء لا يتجزأ من إعادة بناء شرعية الدولة ومؤسساتها. 

بالنسبة للخطط المباشرة فإن ثمة توجها يمكن وسمه بالكينزية ـ نسبة للاقتصادي الإنجليزي جون ماينر كينز ـ يراهن على تصدي الدولة لضخ الاستثمارات بشكل مباشر من خلال مشروعات كبرى ترفع معدلات التشغيل وتحرك عجلة الإنتاج بما ينتشل الاقتصاد من التباطؤ الذي يعانيه منذ يناير 2011، وتدور هذه الأطروحات حول الأهمية الوظيفية للدولة كمصدر لتحفيز الطلب الكلي من خلال زيادة الطلب الحكومي، ويجد أصحاب هذا التوجه سواء في دوائر صنع القرار الاقتصادي أو في الدوائر الأكاديمية ما يبرهن على صدق موقفهم في ضعف استجابة القطاع الخاص عامة لتطمينات وحوافز الحكومة، ومن ثم صعوبة التعويل على الاستثمارات الخاصة محلية كانت أو أجنبية لإخراج الاقتصاد المصري من حالة الركود.

 بيد أن هذا الموقف لا يتخذ الخيار الكينزي للنهاية إذ أن وضع مالية الدولة في مصر، خاصة منذ يناير 2011، بالغ السوء باقتراب العجز من 14٪ من الناتج المحلي دون احتساب المساعدات والمعونات الخليجية، وببلوغ الدين العام ما يداني 90٪ من الناتج المحلي طبقا للتقديرات الرسمية المحافظة، وهو ما دفع ذات دوائر صنع القرار الاقتصادي إلى إعمال إجراءات تقشفية كخفض الدعم وزيادة الضرائب لتقليص عجز الموازنة، وهي إجراءات في جوهرها نقيض للسياسات الكينزية التوسعية، وإن كان الفريق الاقتصادي الحالي يراهن على التوفيق بين هذين المتناقضين من خلال التعويل على تمويل الاستثمارات الحكومية من خارج الموازنة العامة للدولة إما عن طريق استخدام رؤوس الأموال الخليجية المخطط تدفقها في الشهور القادمة، وتوجيهها للاقتصاد من خلال مؤسسات الدولة خاصة القوات المسلحة، وإما من خلال جذب المدخرات الخاصة بشكل مباشر على غرار طرح شهادات تمويل مشروع قناة السويس. 

وفي مقابل هذا الفريق المراهن على دور مباشر للدولة في ضخ الاستثمارات يذهب فريق في الاتجاه المعاكس، يمكن وصف تصوراته بأنها قريبة للأرثوذكسية الليبرالية الاقتصادية أو الأصولية النيوليبرالية التي تنحاز على أساس منهجي ومبدئي للقطاع الخاص ولآليات السوق في مواجهة الدولة، وقد رفض هذا الفريق، وجل أعضائه من الاقتصاديين ورجال الأعمال وممثلي الرأسمالية الكبيرة، اضطلاع الدولة بدور مباشر في الإنتاج والاستثمار على أساس أن موازنة الدولة لا تسمح في ظل العجز الضخم، وعلى أساس أن دور الدولة المتزايد لن يؤدي إلا إلى استبعاد القطاع الخاص ونزع الحافز لديه على الاستثمار لانطواء دور الدولة الاقتصادي على منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص، وفي المقابل يرى هذا الفريق أن الأولوية هي تهيئة المناخ التشريعي والسياسي والأمني الملائم لاستعادة الاستثمار الخاص في شقيه الخارجي والمحلي أي دور الدولة مقتصرا على الدور الكلاسيكي الأولي المتعلق بإنفاذ التعاقدات وفرض القانون مع تسهيل الإجراءات والتقليل من القيود التنظيمية على النشاط الاقتصادي.

والحق فإنه من الواجب دفع النقاش حول دور الدولة ليتجاوز نقاش أسئلة التعافي الاقتصادي المباشرة إذ أن مستقبل دور الدولة في الاقتصاد في مصر سؤال بتطلب للإجابة عليه بحث نموذج التنمية ككل على المدى البعيد، وبكافة تعقيداته الاجتماعية (البطالة وجودة الوظائف التي ينتجها النمو الاقتصادي ومدى تحسن مستويات المعيشة لغالبية المواطنين) والسياسية (المنظور الغالب لدى المواطنين حول عدالة وشرعية السياسات العامة وانحيازات الدولة في جوانب توزيع وإعادة توزيع الثروة والدخل) وليست الاقتصادية فحسب. 

 ويحضرنا بالطبع هنا قضية الاستثمار الكلي ودور الدولة التنموي في هذا الصدد، إذ أنه ليس بخاف أن معدلات الاستثمار تعتبر إحدى العوامل الفاعلة في تحديد قدرة الاقتصادات على النمو وخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة على المدى البعيد، ولمن ينظر إلى النموذج الاقتصادي المصري في العقدين الماضيين خاصة في المرحلة التالية على تبني الإصلاحات النيوليبرالية في مطلع التسعينيات وما تماشى معها من إجراءات لإصلاح السياسات المالية والنقدية وتحرير التجارة وحركة رأس المال والحد من دور الدولة الاقتصادي لصالح تنمية القطاع الخاص يتبين له أن معدلات الاستثمار الكلية (مقاسة بإجمالي التكوين الرأسمالي كنسبة من الناتج المحلي) قد تميزت بالتواضع الشديد، فقد كان متوسط النسبة في مصر بين 1989 و2012 هو 19.16٪ فحسب من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ41.74٪ للصين و31.21٪ لفيتنام و29.89٪ للهند و28.72٪ لتايلاند و26.58٪ لإندونيسيا في ذات الفترة طبقا لبيانات البنك الدولي. وجدير بالإشارة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي في كل من الصين والهند وفيتنام أقل من نظيره المصري ورغم هذا فمعدلات الاستثمار أكثر ارتفاعا، وطبقا لتقدير الاقتصادي جلبير أشقر صاحب كتاب "الشعب يريد" ـ أحد أهم المعالجات الاقتصادية السياسية للثورات العربية ـ فإن تواضع معدلات الاستثمار في العقود الماضية في مصر والعالم العربي عامة كانت سببا رئيسيا وراء انخفاض معدلات النمو ومستويات المعيشة وعدم القدرة على توليد فرص عمل، ومن ثم معدلات البطالة التي هي ضمن الأكثر ارتفاعا على مستوى العالم. ويوضح الرسم البياني أدناه بعض الأرقام المقارنة حول التكوين الرأسمالي الإجمالي في عدد من البلدان: 

مصر 

إجمالي التكوين الرأسمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ـ المتوسطات السنوية (1989ـ2012) ـ بالنسبة المئوية

المصدر: مؤشرات البنك الدولي http://data.worldbank.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS 

ومن ضمن ما هو ملاحظ بالنسبة لنمو معدلات الاستثمار الكلية في مصر في العقدين الماضيين أن نصيب الدولة في الاستثمار (مقاسا بإجمالي التكوين الرأسمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) قد انخفض بشكل تدريجي نتيجة لأزمة مالية الدولة من ناحية، ونتيجة لمشروطية المؤسسات المالية العالمية من ناحية أخرى، ولكن هذا الانخفاض في الاستثمار العام لم يعوض من قبل القطاع الخاص، والذي ظل لأسباب عدة غير قادر على رفع نصيبه في الاستثمار، وكانت النتيجة انخفاض الاستثمار الكلي بكل عواقبه التنموية اقتصادية كانت أم اجتماعية. 

متوسط النمو السنوي للتكوين الرأسمالي الإجمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ـ بالنسبة المئوية 

المصدر: مؤشرات البنك الدولي http://data.worldbank.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS

بين إعادة هيكلة نموذج التنمية وإعادة هيكلة مالية الدولة 

لا سبيل لإلقاء اللوم على القطاع الخاص لعدم قدرته على تعويض انسحاب الدولة من الاستثمار إذ أن قرار الانسحاب قد اتخذ من قبل الدولة وداعميها بالخارج وليس من قبل القطاع الخاص المحلي، وثمة عوامل عدة قد حالت دون توسع القطاع الخاص في الاستثمار على رأسها تحول الدولة ذاتها إلى أكبر مقترض من القطاع المصرفي لتمويل العجز في الموازنة منذ نهاية التسعينيات، والذي رفع من تكلفة الائتمان على القطاع الخاص، ومن ثم من تكلفة الاستثمار، كما أنه زاحم رأس المال الخاص بمختلف قطاعاته أحجامه كون الإقراض للدولة هو الأكثر أمانا والأعلى عائدا بالنسبة للبنوك التجارية. ولا شك أن توسع الدولة في الاقتراض من الجهاز المصرفي متصل اتصالا مباشرا بهيكلي الإنفاق والإيراد الحكوميين، إذ أن الاقتراض قد زاد بشكل مطرد لسد العجز في الموازنة، والذي نتج عن ثبات الإنفاق العام في مواجهة انخفاض مستمر للإيرادات الحكومية نتيجة ضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب من الاقتصاد منذ بداية التسعينيات طبقا لبيانات وزارة المالية، ويضاف إلى مشكلة العجز المزمن في الموازنة أن هيكل الإنفاق العام في مصر يغلب عليه المصروفات الجارية، والتي تشكل ما يزيد عن 75٪ منه بين أجور العاملين بالدولة والدعم وخدمة الدين، إذ يحتل كل بند من هذه حوالي الربع من الإنفاق العام، وليس بخاف أن استمرار مثل هذا الهيكل للإنفاق يقضي على أي فرصة جادة للحديث عن دور استثماري للدولة، والتي لا يتجاوز نصيب الإنفاق الاستثماري من موازنتها الأخيرة 10٪. 

 إذن لا سبيل للحديث عن تعديل دور الدولة الاقتصادي في مصر بدون معالجة أزمة مالية الدولة لا في شق العجز فحسب بل في هيكل الإنفاق العام ذاته، وهو أمر لا يمكن أن يحدث بناء على توصيات اقتصادية فنية بل هو أمر يقع في قلب الممارسة السياسية لنخب الدولة الحاكمة، ويتطلب سنوات كي يتم إنجازه، ذلك لأن هيكل الإنفاق الحالي في مصر وأزمة الدولة المالية المزمنة بل والمتفاقمة تعود لعوامل سياسية بحتة تتعلق من ناحية بالتزام الدولة بتحقيق حد أدنى من مستوى المعيشة لشرائح اجتماعية واسعة من خلال أدوات توزيعية كالأجور للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، والذين يتجاوزون نحو الملايين ستة وفقا لبعض التقديرات، ومن خلال أدوات كدعم الغذاء والوقود لشرائح أوسع من فقراء المدينة والريف وفئات من الطبقة المتوسطة، وإعادة تخصيص موارد الدولة لأغراض استثمارية قد يعود بالنفع على ذات هذه الشرائح بتوفير معدلات إنتاجية أعلى وفرص عمل واستثمار أكبر في المهارات والتعليم والرعاية الصحية، ولكن مثل هذه الأمور ليس من المرجح أن تخرج لحيز الوجود قبل سنوات من الإصلاحات المالية والإدارية، وهو ما يعني أن مشروع إعادة هيكلة الإنفاق سيرتبط بوعود وتعهدات وبناء ثقة مع تحالف اجتماعي واضح المعالم تستند إليه النخبة السياسية لإدخال مثل هذه التعديلات، وتلتزم في بحر سنوات معينة بتحقيق عائد وتوزيعه على نحو عادل. 

وينطبق الأمر نفسه على إعادة هيكلة جانب الإيرادات العامة بزيادة العائد الضريبي، وهو أمر يستلزم أن تمد الدولة المظلة الضريبية لقطاعات وشرائح اجتماعية استفادت من التحول الاقتصادي في العقود الماضية، ولكنها تمكنت حتى الآن من تجنب الإسهام على نحو متكافئ في إيرادات الدولة، وينسحب هذا الأمر خاصة على نصيب رأس المال الخاص في إجمالي الإيرادات من خلال ضرائب الأرباح التجارية والصناعية والرأسمالية، والذي لم يتجاوز 6٪ من الإجمالي في الفترة ما بين 2008 2012 رغم حيازته لما يزيد عن 70% من الناتج المحلي الإجمالي وفقا لتقديرات البنك الدولي في 2009، وغلبته في قطاعات حيوية كالصناعات التحويلية والسياحة والاتصالات والبناء والتشييد والتجارة والخدمات المالية وغيرها، وينطبق كذلك على ضرائب الملكية، كالثروة العقارية، والتي لم تسهم بأكثر من 3٪ من إجمالي إيراد الدولة في الفترة ذاتها على نحو لا يعكس بحال من الأحوال التوسع الملحوظ الذي قامت به الشرائح الاجتماعية العليا ومن الطبقة المتوسطة العليا في وضع مدخراتها في صورة عقارات وأصول. بيد أنه كما هو الحال مع إعادة هيكلة الإنفاق فإن مطالبة حائزي رأس المال وأصحاب الملكيات بالمساهمة بنصيب أكبر في إيراد الدولة هو أمر سياسي بامتياز له علاقة بالتوصل لاتفاق ما مع هؤلاء يصور لهم العائد الاجتماعي والاقتصادي من زيادة إسهامهم في إيراد الدولة. وهذه مهمة أخرى من مهام النخبة السياسية لا الاقتصادية ولا المالية. 

إن الخلاصة هي أن النقاش الحالي المتناول لدور الدولة في الاقتصاد ينشغل بقضايا مباشرة وقصيرة الأجل وربما قصيرة النظر، ولا يلقي بالا للحاجة لإعادة تصميم نموذج التنمية بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية في مصر بعد ثورة يناير وما تلتها من سنوات الاضطراب، ولن يكون هذا إلا ببحث مستقبل دور الدولة الاقتصادي، وهو أمر يرتبط ارتباطا لصيقا بإعادة تأسيس سلطة الدولة من ناحية، وإعادة تأسيس تحالف اجتماعي واضح المعالم يدعم مشروع تنموي بديل. 

تم نشر هذا المقال في الديموقراطية.